(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
فضل الصلاة وذكر الله
١٢
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدا.
الحمد لله رب العالمين شرع لنا ديننا قويما وهدانا صراط مستقيما وأصبغ علينا نعمة ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كلٌ في كتاب مبين.
"يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون".
وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله أرسله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعيننا عميًا وآذان صمًا وقلوب غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبيًا عن أمته ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
"يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا".
"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون".
"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فق فاز فوزًا عظيمًا".
أما بعد: معشر الأخوة المؤمنين..
أشرف بقاع الأرض وأحبه إلى الله جل وعلا المساجد ففيها نور الله وهداه وإليها يأوى المؤمنون المهتدون وهؤلاء المؤمنون الذين يأوون إلى بيوت الحي القيوم في هذه الأرض وهي المساجد وصفهم الله جل وعلا بأنهم رجال ثم نعتهم بأربع خصال.
[ ١٠٨ / ١ ]
الخصلة الأولى: فيهم أنه لا تلهيهم الدنيا عن طاعة الله جل وعلا وعما أوجبه الله عليهم فهمه.
الخصلة الثانية: يعظمون الله ويعبدونه يذكرونه ويوحدونه يقيمون الصلاة وهم يشفقون على خلق الله ويؤتون الزكاة ثم يستعدون بعد ذلك للقاء ربهم جل وعلا في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإيقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار.
وقد مضى الكلام إخوتي الكرام عن الصفة الأولى وهي أن هذه الدنيا لا تلهي عباد الله المؤمنين والذي يعمرون هذه المساجد في هذه الحياة.
وأما الصفة الثانية: فهم يذكرون الله جل وعلا ويصلون له نعم هؤلاء عرفوا الغاية التي من أجلها خلقوا وعرفوا الغاية التي من أجلها وجدت بيوت الله في الأرض – وجدت لذكر الله وعبادته والتفقه في دينه جل وعلا وللخضوع له ولعظمته جل وعلا فهم يذكرون الله في هذه البيوت ويصلون له ﷾.
أما الذكر إخوتي الكرام: فقد تكلمت عليه بشيء من التفصيل عند قول الله حي وعلا في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه وبينت شعائر الذكر والمعاني التي يحتملها الذكر في شريعة الله جل وعلا وأقول ما تقدم – على وجه الاختصار بشرط أن أذكر كلاما غير الكلام الذي تقدم عند تفسير أول الآية.
[ ١٠٨ / ٢ ]
إخوتي الكرام: أما الذكر فهذا للإنسان كالماء للسمك فلا يمكن للإنسان أن يحيي بدون ذكر الله جل وعلا بقلبه ولسانه وقد وضح لنا نبينا ﷺ هذه الحقيقة في الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول " مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت هذا حي كحال السمك في الماء عنده بهجة وحياة وذاك ميت قلبه خربٌ خربان. مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت ولفظ الإمام مسلم مثل البيت الذي يذكر فيه الله والبيت الذي لا يذكر فيه الله كمثل الحي والميت إذا هذا الذكر فيه حياة لقلوب المؤمنين الموحدين فهذه الدنيا لا تلهيهم عن ذكر رب العالمين.
وهذا الذكر إخوتي الكرام: هو رأس الطاعات وروح العبادات فمن أجله شرع الله العبادات من أجل أن نذكره بها وأن نعظمه جل وعلا قال جل وعلا: "أتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى ن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون " +++ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون – ولذكر الله الذي يحصل في الصلاة عند التلذذ بمناجاة أكثر فائدة وأعظم منزلة من كون الصلاة تنهانا عن الفحشاء والمنكر.
فالمصلي يحصل فائدتين في صلاته الفائدة الأولى: وهي المقصودة أيضا له أن قلبه يبتهج ونفسه تنشرح وصدره يتنور بمناجاة الله جل وعلا ولذكر الله أكبر – ثم يترتب على هذا أثر آخر إن هذه الصلاة تحصنه بعد ذلك من المنكر والفحشاء "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر" أكبر أثر ومنزلة وفائدة من كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
[ ١٠٨ / ٣ ]
والآية تحتمل احتمالا آخر حق منقول على سلفنا الكرام ولذكر الله أكبر من سائر الطاعات وأفضل من جميع القربات فهو روح كل عبادة فكل عبادة روحها الذكر كما أن الروح التي نحيي بها البدن في هذه الحياة روح للبدن فروح العبادات بأسرها ذكر الله ومناجاته والتلذذ بالثناء عليه ومخاطبته ومناجاته ﷾ ولذكر الله أكبر، أكبر من كل طاعة وهذا إخوتي الكرام على أن المصدر مضاف إلى الفاعل والمعاني كلها حق ثابتة ولذكر الله لنا عندما نذكره فالله جل وعلا تعهد وتكفل بذكر من يذكره "فاذكروني أذكركم" ولذكر الله لنا عندما نذكره أكبر وأعلى ن ذكرنا له فهو يذكرنا إذا ذكرناه ونحن عندما نذكره فهذا أعظم طاعاتنا ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
وإذا أردت أن تعرف حقيقة هذا الأمر فاسمع كما قلت شيئًا لم يتقدم ذكره أخرج الطبري في معجمه الأوسط بسند رجاله وثقو كما قال الحافظ الهيثمي المجمع عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول "لو أن رجلًا في حجرة دراهم يقسمها وآخر يذكر الله لكان الذاكر لله أفضل منه " لو أن رجلا في حجرة دراهم يقسمها جمع في حجرة الدراهم والدنانير وجلس يقسمها ويوزعها على عباد الله المحتاجين وآخر جلس يذكر الله ويناجيه لكان الذاكر لله أفضل منه والحديث بسند ورجاله وثقو وما ذلك إلا لأن القلب لا يحيى إلا بذكر الله – لا خير في صدقة ليس معها ذكر وتعظيم لله جل وعلا لا بد إذا من حياة القلب فإذا أحييت القلب يتصدق ويحسن لعبادة الله ويجاهد في سبيل الله ويحافظ على طاعاته فلا يدخلها رياء ولا عجب لو أن رجلا في حجرة دراهم يقسمها وآخر يذكر الله لكان الذاكر لله أفضل منه والطبراني في الأوسط بسند رجاله وثقو أيضا كما قال الحافظ الهيثمي في المجمع عن عبد الله ابن عباس ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:
[ ١٠٨ / ٤ ]
" ما من صدقة أفضل من ذكر الله، نعم عندما نذكر الله جل وعلا تتصدق على نفسك وتحيي قلبك فهذا الذكر لقلبك كالماء للسمك ما من صدقة أفضل من ذكر الله أفضل الصدقة ما تنفقه على نفسك ثم على من تعول ثم على عباد الله المحتاجين الآخرين فأنت بالذكر تتصدق على نفسك وتحيي قلبك ما من صدقة أفضل من ذكر الله ولذلك أمرنا نبينا ﷺ بالإكثار من هذه العبادة من أجل أن يحيي قلب الإنسان فهذه العبادة ينبغي أن تكثر منها على الدوام ثبت في مسند الإمام أحمد والحديث رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان ورواه ابن السني في عمل ليوم وليلة ورواه عبد الله بن حميد في مسنده وغيرهم من رواية أبي سعيد الخدري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون. أي حتى يقول المنافقون عن الذاكر إنه مجنون وقد قيل هذا الأعقل الخلفية وأذكى الخلفية خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون وقالوا هذا عن أول رسل الله إلى أهل الأرض بعد أن حصل فيها الشرك وهو أول أولى العزم نبي الله نوح على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه " كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر " اذكروا الله أكثروا من ذكر الله حتى يقول المنافقون عن الذاكر إنه مجنون والحديث إخوتي الكرام حسنه الحافظ بن حجر وليس في إسناده من حوله شيء عن الكلام الإدراج أبو السمح وهو من رجال السنن الأربعة وأخرج حديثه الإمام البخاري في الأدب المفرد وحكم عليه الحافظ في التقريب بأنه صدوق وحديثه إن شاء الله حسن نعم في روايته عن أبي الهيثم شيء من الضعف والكلام.
[ ١٠٨ / ٥ ]
لكن كما قلت نص على تحسينه شيخ الإسلام الإمام أبو الفضل ابن حجر العسقلاني عليه جميعا رحمة الله أكثروا من ذكر الله حتى يقال مجنون وهذا الحديث وجد ما يشه له من طرق أخرى ففي حلية +++معجم الطبراني والحديث رواه عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد والرقائق في رواية ابن عباس ﵄ والرواية الأولى من رواية أبي سعيد وابن عباس أن النبي ﷺ قالوا اذكروا الله حتى يقول المنافقون إنكم مراءون – اذكروا الله ذكرا كثيرا مستمرًا طويلًا حتى يقول المنافقون إنكم مراءون.
والحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان والإمام أحمد في الزهد ورواه سعيد بن منصور في سنته لكن من رواية أبي الجوزاء مرفوعًا إلى خاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه وأبو الجوزاء من التابعين فالحديث على هذا مرسل وخلاصة الكلام الحديث لا ينزل عن درجة الحسن أكثر من ذكر الله اذكروا الله ذكرًا كثيرا – أكثروا من الذكر حتى يقول المنافقون عنكم إنكم مراءون وحتى يقول المنافقون عن الذاكر إنه مجنون فهؤلاء العباد لا تلهيهم الدنيا بما فيها من بيوع وتجارات عن ذكر رب الأرض والسموات.
إخوتي الكرام: وتقدم معنا أن لفظ الذكر يطلق على أمرين على ذكر الله باللسان وبالقلب وهو خصوص الأوراد والأذكار ويطلق على ما هو أعم من ذلك على القيام بكل طاعة لله فمن أطاع الله فهو ذاكر لأن كل طاعة فيها ذكرٌ لله جل وعلا واستحضار بالقلب لعظمة الله جل وعلا وتلفظ باللسان بهذه العبارات التي يقوم بها فكل مطيعٌ لله فهو ذاكر لله وعليه قول الله جل وعلا: "لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ".
[ ١٠٨ / ٦ ]
إقامة الصلاة تدخل في ذكر الله قطعًا وجزمًا فهي خصوص بعد عموم إنما خصها الله بالذكر لمنزلتها ولأهميتها في شريعة الله جل وعلا ففيها الذكر بجميع أنواعه وألوانه في الصلاة من أفضل الأذكار ألا وهو تلاوة كلام العزيز الغفار ثم من تسبيح وتحميد وصلاة على النبي ﷺ وآله وأنبياء الله ورسله عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه كل هذا يحصل في هذه العبادة ففيها الذكر الكامل التام بجميع أنواعه وأشكاله ولذلك خص الله هذه العبادة بالذكر فقال: "لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله".
وإقامة الصلاة - أما الصلاة إخوتي الكرام فالبحث فيها سيكون عن طريق عدة مراحل – المرحلة الأولى في بيان معناه اللغوي اختلف علمائنا الكرام من الفقهاء واللغويين عليهم جميعًا رحمة الله – هل لفظ الصلاة مشتق أو هو اسم علم وضع على هذه العبادة لم يشتق من شيء على قولين اثنين وعلى القول بالاشتقاق فاختلف أئمتنا في هذا الاشتقاق أيضًا على أربعة أقوال، أظهرها أولها: وهو أن لفظ الصلاة مأخوذ من صلى يصلي صلاة إذا دعا فالصلاة بمعنى الدعاء وإنما سميت الصلاة الشرعية التي هي أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير. مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة –
إنما سميت صلاة بمعنى الدعاء لأن الدعاء جزء منها وبعض منها وركن من أركانها فأنت عندما تقرأ الفاتحة تدعوا الله وتسأل الله اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الظالين وهكذا تثني على الله وتدعوه بعد ذلك بغيرها فبما انه يحصل في الصلاة دعاء لرب الأرض والسماء فقيل لها إنها صلاة وقد جاء لفظ الصلاة بمعنى الدعاء في آيات القرآن.
[ ١٠٨ / ٧ ]
وحديث نبينا ﵊ قال الله جل وعلا: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم" أي أدعو لهم وقد كان النبي ﷺ إذا أعطيت له الزكاة الصدقة ليصرفها في مصارفها يدعو للمتصدقين وللمزكين وصل عليهم أي أدعو لهم ومنه قول الأعمش:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا يارب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي حليت فاغتمض نوما فإن تجنب المرء مضجعا
عندما احتضر فبدأت ابنته تدعو له يارب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي حليت أي ضل الذي دعوت فاسأل الله أن يجنبك الأوصاب والألم والأوجاع عليك مثل الذي حليت فاغتمض نوما فإن لجنب المرء مضجعا وقد ثبت هذا المعنى عن نبينا ﷺ ففي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم والحديث أخرجه أهل السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه والبيهقي في السنن الكبرى عن رواية أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا دعي أحدكم فليجب، إذا كان مضطرًا فليأكل وإن كان صائمًا فليصل إذا دعي أحدكم إلى طعام ووليمة فليجب فإن كان مضطرًا فليأكل وليطعم وإن كان صائما فليصل أي فليدعو لأهل البيت بالخير والبركة أجاب دعواتهم لكن ما أفطر فدعا لهم فخل الأنس والسرور.
والحديث كما قلت إخوتي الكرام: في صحيح مسلم وغيره وإن كان صائمًا فليصل والمراد من الصلاة الدعاء لأهل البيت بالبركة وليس المراد من الصلاة الشرعية كما فهم بعض العلماء فقال فليصل أي فليذهب إلى البيت الذي فيه الوليمة ثم ليصل ركعتين ولينصرف ليس المراد هذا كما وضحت رواية الطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن نبينا ﵊ أنه قال إذا دعا أحدكم فليجب فإن كان مفطرًا فليأكل وإن كان صائما فليدعوا بالبركة. وإن كان صائما فليدعوا بالبركة هذا هو معنى فليصل أي فليدعوا لأهل البيت بالخير والبركة.
[ ١٠٨ / ٨ ]
وكما قلت إخوتي الكرام: هذا أرجح الأقوال على القول بالإشتقاق أن الصلاة بمعنى الدعاء صل يصلي صلاة دعا يدعو دعاء وهناك ثلاثة أقوال أخر قيلت في الإستقاق أذكرها على وجه الإيجاز وفيها كما قال أئمتنا العلم عند الله جل وعلا قيل إن لفظ الصلاة مأخوذًا من الصلاة وهو عرقٌ يكون في وسط الظهر ويكتنف ويفترق عند عجب الذنب فيكتنفه ويحيط بعجب الذنب الذي هو عظمة صغيرة عجب الذنب تكون في رأس العصعص من الإنسان في هذا المكان عظمة صغيرة وكل ما في الإنسان إذا مات يبلى إلا عجب الذنب منه خلق ومنه يركب عرق وسط الظهر يقلل له الصلا باللام بعدها ألف بدون همزة الصلا هذا العرق يمتد وإلى أن يصل إلى عجب الذنب فيفترق ثم يكتنف عجب الذنب ويحيط به ومنه قول العرب للمصلي في المحلبة أي حلبة السباق بين الخيل قول العرب للمصلي وهو الذي يأتي بالدرجة الثانية مصلى والذي يسبق يقال له مجلى مصلى قال أئمة اللغة سمي الثاني التالي للمجلى سمي مصليا لأن رأسه ورأس فرسه رأس خياله عند صلوة المجلى أي يأتي ورائه ذاك سبق وهذا ورائه فرأسه عن صلوى أي عند جلوى السابق وعليه فالصلاة مأخوذة من الصلا – قال الإمام القرطبي وهذا الاشتقاق يفيد معنيين المعنى الأول من الصلا بمعنى المصلى الذي يأتي بعد المجلى أي هي تالية للإيمان وهي أعظم الواجبات بعد توحيد الرحمان كالمصلى والمجلى فعندنا أعظم حقوق الله على عباده توحيده لا إله إلا الله وحده لا شريك له ويلي التوحيد مباشرة له ﷾ فالصلاة إذًا كأنها مصلى لذلك الأمر الأول الذي هو مجلى وهو توحيد الله جل وعلا وفي الاشتقاق كما قال الإمام الألوسي غرابة وبعد وقبله الإمام الرازي: وحقيقة إن القول فيه خفاءٌ وبعد.
[ ١٠٨ / ٩ ]
والقول الثاني: على هذا سميت الصلاة صلاةً إذا كانت مأخوذة من الصلا قالوا لأن المصلى عندما يركع ويسجد ينثني صلواهُ أي هذان العرقان اللذان كما قلت صار إثنين عند عجب الذنب وأحاطا به واكتنفاه ينثنيان في حال الركوع السجود فقيل للصلاة صلاة لأن الإنسان يثني صلويه أي هذا العرق الذي تفرق إلى عرقين عند عجب الذنب فقيل إذا لهذه الصلاة صلاة لما يحصل فيها من انثناء الصلوين أي العرقين بعد أن كانا عرقًا واحدًا وكما قلت الاشتقاق فيه بعد وقيل إن لفظ الصلاة – مأخوذٌ من الملازمة ومنه صلي بالنار إذا لازمها واحترق بها – تصلى نارًا حامية – تقاسى هذه النار مقاسةً لا خروج منها وعليه فيجب على الإنسان أن يلازم الصلاة وأن لا يهملها طرفة عين – وقيل إنها مأخوذة من التعديل ومنها صليت العود بالنار – إذا لينته بالصلاة – وهو لهب النار وحرها – فهكذا ينبغي أن يعدل الإنسان نفسه بالصلاة وأن يلازم الصلاة والصلاة تالية للإيمان وإذا سجد الإنسان ينثني صلواه ثم في الصلاة دعاءٌ والتجاءٌ إلى الله جل وعلا وهذه الأقوال الأربعة أظهرها كما قلت من حيث الاشتقاق اللغوي أولها والعلم عند الله جل وعلا وللأقوال الأخرين شواهد من كلام العرب وبسط هذا في كتب اللغة وكتب الفقه.
[ ١٠٨ / ١٠ ]
القول الثاني: الصلاة ليست مشتقة من شيء لا بمعنى الدعاء ولا الاشتقاقات الأخرى إنما هي اسم علم على عبادة معروفة ذهب إلى هذا الإمام أبو نصر القشيري وتبعه عددٌ من أئمة الإسلام ووجه تعليل هذا القول – أنه لم ينحل زمان من شريعة فما من أمة إلا وأرسل الله فيها مزيدًا وما خلا تشريعٌ لأمة من الأمم من الصلاة وعليه هذا اللفظ اسم لهذه العبادة التي فرضها الله جل وعلا على الأولين والآخرين على عبادة المكلفين صلاة فهي اسم علم مرتجلٍ غير مشتقة من شيء كلفظ الحجر والشجر وغير ذلك هذا البحث اللغوي بقسميه سواء كانت مشتقة أو اسم علم مرتجل ليست مشتقة من شيء ولا يعنينا كثيرا إنما يحس بنا أن نعرف أهل اللفظ من حيث اللغة.
أما المعنى الشرعي للصلاة بلا خلاف بين أئمتنا أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة فمفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليله التسليم هذه الصلاة إخوتي الكرام فريضة محكمة يكفر جاحدها. قرر الله وجوبها في آيات القرآن وقرر وجوبها نبينا ﵊ في أحاديثه الصحيحة الحسان وأجمع على ذلك أئمة الإسلام فمن آيات القرآن التي تقرر وجوب الصلاة يقول الله جل وعلا في سورة البينة: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة" ومن ذلك قول الله جل وعلا في سورة النساء: "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا" فرضا مؤقتًا محددًا في أوقاتٍ يجب أن تفعل هذه الصلاة فيها إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا ومن الآيات أيضًا قول الله جل وعلا في سورة هود: "أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين".
[ ١٠٨ / ١١ ]
أقم الصلاة والأمر للوجوب في أمرنا إلا بالإخلاص لله وتوحيده وتعظيمه عن طريق الصلاة والإحسان إلى عباده والشفقة عليهم عن طريق إيتاء الزكاة وهكذا كما قلت الصلاة فرضٌ مكتوبةٌ علينا للصلوات أوقات محددة ينبغي أن نفعلها فيها.
وقد تواترت الأحاديث عن نبينا ﵊ بوجوب الصلاة وفرضيتها ففي مسند الإمام أحمد والصحيحين والحديث في سنن الترمذي والنسائي وهو في أعلى درجات الصحة من وراية عبد الله بن عمر ﵄ قال سمعت النبي ﷺ يقول: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا".
وورود الأحاديث الكثيرة تبين فرضية الصلاة ووجوبها وأن من تركها يقاتل حتى يأتي بها ثبت في الكتب الستة من رواية أبي هريرة ﵁ والحديث متواتر روى عن عدة من الصحابة الكرام عن نبينا ﵊ أنه قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصموا حتى دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله.
[ ١٠٨ / ١٢ ]
والحديث أخرجه الشيخان من رواية ابن عمر ﵄ بزيادة أعرف أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا حتى دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله وتخصيص الصلاة بالذكر لأنها أعظم حقوق الله وتخصيص الزكاة بالذكر لأنها أعظم حقوق العباد وعليه ينبغي أن تقوم وبكل حق واجب لله أو للعباد والاتكال عليه كما ثنيت في صحيح مسلم من رواية أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا حتى دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " وهذه فريضة ثابتة محكمة يكفرُ جاحدها كما دل على ذلك آيات القرآن وأحاديث النبي ﷺ وهذه الصلاة مع أنها فريضة محكمة هي أفضل الطاعات وأعظم القربات نتقرب بها إلى رب الأرض والسموات.
[ ١٠٨ / ١٣ ]
وقد وضح هذا الأمر وقرره خير البريات نبينا محمد صلى الله علية وسلم ففي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه والحديث رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والإمام الدارجي والحديث إسناده صحيح عن ثوبان مولى نبينا ﵊ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" استقيموا ولن تحصوا لي لن تطيقوا الإستقامة كما يريد الله منكم إنما ابذلوا ما في وسعكم والله غفور رحيم. استقيموا ولن تحصوا لن تطيقوا الاستقامة ولا يمكن للعبد أن يؤدي حق الرب ونحن خطئ في الليل والنهار ولا يسعنا إلا عفو العزيز الغفار ﷾ استقيموا ولن تحصوا المعنى الثاني وهو حق استقيموا ولن تحصوا لن تستطيعوا أن تحصوا ثواب الاستقامة أن استقمتم فلذلك أجرٌ لا يخطر على بال أحدٍ منكم استقيموا فإن استقمتم لا يعلم أحدٌ مقدر ثوابكم إلا الله استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة خير الأعمال التي تتقرب بها إلى ذي العزة والجلال الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.
وهذا الحديث إخوتي الكرام الثابت من رواية نوبان عن نبينا عليه وعلى آله وأصحابه ومواليه الصلاة والسلام روى عن عدة من الصحابة الكرام أيضًا وهو حديث صحيح كما قلت رواه ابن ماجه والطبراني في معجمه الكبير من رواية أبي أمامة الباهلي ورواه ابن ماجه في سننه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ورواه الطبراني في معجمه الكبير أيضًا وفي معجمه الأوسط عن سلمة بن الأكوع ﵃ أجمعين وعن عبد الله بن قراظ ولفظ حديث معجم الطبراني الأوسط " استقيموا ولن تحصوا واعلموا إن أفضل أعمالكم الصلاة إن خير أعمالكم الصلاة " فهذه الصلاة مع أنها فريضة محكمة هي أفضل عملٍ تتقرب به إلى الله جل وعلا.
[ ١٠٨ / ١٤ ]
ولذلك أخبرنا نبينا ﷺ أن هذه الصلاة إذا وقعت على الكيفية المطلوبة وأقامها الإنسان كما اشترط الله فيها "لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة" إذًا أقامها كما أراد الله فهنيئًا له فصلاح الصلاة يستلزم صلاح سائر الأعمال وفساد الصلاة يترتب عليه فساد سائر الأعمال وقد أخبرنا نبينا ﷺ عن هذه الحقيقة وبين لنا أن أول ما تحاسب عليه يوم القيامة من أعمالنا الصلاة فهنيئا لمن صلحت صلاته وشقاء لمن فسدت صلاته.
ثبت في مسند الإمام أحمد والحديث رواه أهل السنن الأربعة ورواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن والحديث إسناده صحيح والحديث من رواية أبي هريرة ﵁ وروى عن أبي قتادة ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة فإذا صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر وفي رواية فإن صلحت صلح عمله كله وإن فسدت فسد عمله كله والحديث إخوتي الكرام كما قلت روي عن غير أبي هريرة ﵁ روي عن أنس أيضًا وعن تميم الداري وروي عن عبد الله بن مسعود وعن عدد من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين وفي بعض روايات عبد الله بن مسعود إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة وإن أول ما يقضى به بين الناس يوم القيامة في الدماء وكنت وجهت هذا الحديث في المواعظ السابقة فقلت أول ما يحاسب عليه العباد من حقوق الله الصلاة وأول ما يحاسبون عليه من حقوق العباد الدماء فنسأل الله أن يسلمنا من الدماء وشرها وأن يجعلنا ممن يقيمون الصلاة حق الإقامة إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
[ ١٠٨ / ١٥ ]
إخوتي الكرام: هذه لمحة مختصرة فيما يتعلق بلفظ الصلاة ومعناها وحكمها وفضلها – وأما إقامة الصلاة وقد اشترط الله هذا الأمر في الصلاة فقال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإيقام الصلاة ليس المطلوب من الإنسان أن يصلي فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤن ويمنعون الماعون إنما المطلوب منه أن يقيم الصلاة وبذلك يزول الإشكال الذي يخطر في البال في كثير من الأحيان كيف تهدد المصلين بالويل لأنهم ما أقاموا الصلاة نعم حصلت منهم الصلاة لكن بدون إقامة لها فما معنى الإقامة – شاع في تعبير القرآن عند ذكر الصلاة واستفاض هذا أن يذكر الله الصلاة بلفظ الإقامة.
والآيات في ذلك كثيرة وأخيرة أنظر أول آية ذكر الله فيها الصلاة في مطلع كتابه في أول سورة البقرة ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. إذًا يقيمون الصلاة وهكذا قول الله جل وعلا في سورة الأعراف: "والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة" إنك لا تضيع أجر المصلحين وهكذا أخبرنا الله عن عباده الطيبين وإذا مكناهم في الأرض يقيمون الصلاة قال تعالى في سورة الحج: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور".
وتقدمت معنا آية العنكبوت أتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة والآيات في ذلك كثيرة منها قول الله جل وعلا في سورة فاطر: "إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة" – "ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير" وهكذا قول الله في نفس السورة بعد آيات: "إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرًا وعلانية يرجون تجارة لن تبور".
[ ١٠٨ / ١٦ ]
وهكذا أخبرنا الله عن هذه الفريضة أن المطلوب فيها إقامتها في هذه الأمة وفي الأمم السابقة فهذا خليل الرحمن إبراهيم عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه يقول ما حكاه عن ربنا العظيم في السورة التي سماها باسمه بسورة إبراهيم: "ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة. فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون" وقال ما أخبر الله عنه في آخر السورة: "ربي اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء".
وهكذا نبي الله موسى كليمه عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه أوحى الله إليه وإلى أخيه وإلى أخته بإقامة الصلاة فقال جل وعلا في سورة يونس: "وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة واقيموا الصلاة وبشر المؤمنين" وهكذا أخبر الله عندما أوحي إلى كليمه موسى عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه أمره أن يقيم الصلاة: "إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري" وهكذا عندما أوحي العبد الصالح لقمان ولده قال: "يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه هن المنكر".
والآيات في ذلك كما قلت إخوتي الكرام كثيرة كثيرة تطلب منا أن نقيم الصلاة لا أن نؤدي الصلاة فماذا يدل هذا اللفظ من دلالة معتبرة ينبغي أن نتصف بها ونسأل الله أن يجعلنا ممن يقيمون الصلاة حق إقامتها.
إخوتي الكرام: لفظ الإقامة يقيمون الصلاة حق إقامتها إخوتي الكرام لفظ الإقامة يقيمون الصلاة من أقام إقامة يحتمل أربعة معاني كلها حق أقواها أولها وأذكر الأربعة واجمع بينهما الأمر الأول والمعنى الأول للفظ الإقامة لفظ الإقامة " توفيه الشيء حقه علمًا وعمل " إذا وفيت الصلاة حقها علمًا نظريًا فأتقنت أحكامها وعرفت أركانها وشروطها وسنتها ثم حققتها عمليًا هذه إقامة الصلاة وساعد هذا قد يضرب بها وجهك قبل أن تسلم.
[ ١٠٨ / ١٧ ]
إذًا لابد من إقامة الصلاة توفيه الشيء حقه ملمًا وعملا قال الله جل وعلا في سورة الرحمن: "والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغو في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان" - وفو هذا الميزان حقه وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان وهنا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وتوفية الشيء حقه علمًا وعملًا فإذا فرطت في شيء من معرفة أحكام الصلاة فما أقمت الصلاة وإذا فرطت شيئًا في أعمال الصلاة من أركانها وشروطها وواجباتها ومستحباتها فما أقمت الصلاة المطلوب هنا إقامتها لا تأديتها يقيمون الصلاة توفية الشيء حقه ولأجل هذا قال العبد الصالح سفيان واختلف في تعيينه أي السفيانين هو هل هو الثوري أو ابن عيينة والأثر رواه عنه الإمام البخاري في تفسيره سورة المائدة معلقا بصيغة الجزم دون أن يبين السفيانين هو وقال بعض العلماء إنه سفيان الثوري قال الحافظ ابن حجر لم أقف على ذلك موصولًا وإذا كان هذا القائل هو سفيان الثوري أو سفيان ابن عينية فكل منهما من أئمة الهدى والإرشاد يقول سفيان ما في القرآن آية أشد علي من هذه الآية أي آية قول الله في سورة المائدة: "قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم".
والإقامة هي توفية الشيء حقه علمًا وعملًا فكأن الله يقول للأمم قبلنا لا اعتبار لكم ولا وزن ولا تقدير وأنتم هباءً منثورا إلا إذا وفيتم ما أنزل الله عليكم حقه علمًا وعملًا وهذه الأمة يقال لها كما قيل للأمم السابقة وعليه فهم سفيان من هذه الآية المعنى الذي سأذكره يا أمة محمد على نبينا صلوات الله وسلامه لستم على شيء حتى تقيموا القرآن وسنة النبي ﵊ وإقامتهما توفيتهما حقهما علمًا وعملًا وهنا كذلك إقامة الصلاة توفية الصلاة حقها الثلاثة مقبوله وأجمع بينهما إن شاء الله.
[ ١٠٨ / ١٨ ]
وقيل إن إقامة الصلاة مأخوذة من قامت في السوق إذا نفقت وراج ما فيها وعليه فينبغي أن تكون هذه الصلاة نافعة رائجة مرغوب فيها ويترتب على هذا المحافظة عليه في أوقاتها هذا هو الذي يفعله الإنسان في الشيء الذي يرغبه ويحبه ويحرص عليه ويتعلق به فينبغي أن تكون هذه الصلاة كأنها سلعة تعمل بها لله وهي سلعة غالية ترغب فيها وتحرص عليها وتتعلق بها كما يتعلق أهل السوق بسلعهم في بيعهم وشرائهم.
قال الإمام القرطبي عليه رحمة الله وإلى هذا المعنى أشار عمر ﵁ وأثر عمر مروي في موطأ الإمام مالك عندنا مع موسى عبد الله بن عمر عن عمر والأثر إسناده منقطع فنافع لم يدرك عمر ﵃ أجمعين لكن الأثر له شواهد مرفوعة متصلة إلى النبي عليه صلوات الله وسلامه ولفظ الأثر والحديث في موطأ مالك وهو الحديث الخامس في الموطأ أن عمر كان يكتب إلى عما له فيقول إن أهم أمركم عندي الثلة فمن حافظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع حفضهما علمًا وحافظ عليها عملًا فقد حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع.
فإذًا المعنى الثاني: إقامة الصلاة من قامت في السوق كما قلت – إذا نفقت وراج ما منها.
والمعنى الثالث: أيضا حق معتبر إقامة الصلاة من قام بالأمر إذا جد فيه وبذل النشاط فيه ومنه قامت الحرب إذا اشتد لهما القتال فيها وعليه يجدون ويجتهدون في إقامة الصلاة على أكمل وجه.
والمعنى الرابع: من إقامة الصلاة تأديتها وفعلها وإذاجمعنا بين الأمور الأربعة فأقول يؤدون الصلاة ويجدون في تأديتها برغبة ونشاط وحرص ثم بعد ذلك يكملون ما تستحقه الصلاة وما تريده علمًا وعملًا فعلا خبرًا فيحيطون بهذه الصلاة ويكملونها من كل جهة فحصلت هذه المعاني كلها وليس المقصود من إقامة الصلاة فعلها كما اتفق على ذلك أئمتنا.
[ ١٠٨ / ١٩ ]
ولو كان المراد من إقامة الصلاة فعل الصلاة كيفما كان لما عدل الله عن الأقصر إلى الأطول بدون فائدة لقال لاتلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وعن الصلاة لا داعي لإقام الصلاة وقال يقيمون الصلاة، يقول يصلون فالبليغ لا يترك أخصر الكلام الموجز إلى ما هو أطول إلا لقلته فيريد إذا من إقامة الصلاة هنا توفية الشيء حقه علمًا وعملا إخوتي الكرام وإذا ما قام الإنسان بالصلاة علمًا وعملًا على وجه التمام على هذه الحالة فقد جذعها ونقصها.
ثبت في معجم الطبراني في الأوسط بسند حسن من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال للصحابة الكرام يقول أبو هريرة وأنا حاضر لو كان لأحدكم هذه السارية السارية في المسجد عمود جذع نخلة يقوم عليه في المسجد لو كان لأحدكم هذه السارية لكره أن تجدع أي أن تقطع أو يحصل فيها نقص لكره أن تجدع فكيف بالصلاة التي هي لله وأنتم تجدعونها أتموا صلاتكم فإن الله لا يقبل إلا تامة وقد أخبرنا النبي ﷺ أن الذي لا يوفي الصلاة حقها علمًا وعملًا فقد سرق منها وهذا أسرق السراق وأسوأ السراق عند رب الأرض والسماء.
ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح بن خزيمة والحديث رواه الحاكم في المستدرك والطبراني في معجمه الكبير والحديث روي من رواية أبي قتادة ﵁ وروى عن غيره من الصحابة الكرام أن النبي ﷺ قال لا أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته قالوا وكيف يسرق يا رسول الله ﵊ قال لا يتم ركوعها ولا سجودها روي الحديث أيضا عن أبي هريرة وعن أبي سعيد الخدري وروى عن غيرهم من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين أسوأ الناس سرقه الذي يسرق من صلاته قالوا وكيفي يسرق من صلاته يا رسول الله ﵊ قال لا يتم ركوعها ولا سجودها.
[ ١٠٨ / ٢٠ ]
إخوتي الكرام: لتحصل الصلاة على التمام وليحصل وصف الإقامة فيها لا بد من الكلام على أدائها في أوقاتها وعلى وجوب الخشوع فيها وعلى وجوب الخشوع فيها وعلى حفظ الحركات والسكتات فيها وألا يحرك الإنسان جوارحه وأعضائه وأن يطمئن في أركانها وأفعالها هذه الأمور ينبغي أن نتدارسها أسأل الله جل وعلا أن يسهل لنا مدارستها في موعظة آتية نه على كل شيء قدير كما أسأله أن يجعلنا ممن يقيمون الصلاة ويتلذذون بها وأن تكون صلاة تنهانا عن الفحشاء والمنكر إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين أقول هذا القول واستغفر الله.
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
اللهم ارض عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين اللهم أغفر لأمة نبينا محمد ﷺ.
اللهم ارحم أمة نبينا محمد ﷺ.
اللهم أهلك أعداء أمة نبينا محمد ﷺ وفرج عن أمة نبينا محمد ﷺ. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين اللهم أغفر لنا ماقدمنا وما أخرنا وما أعلنا وما أسررنا وما أنت أعلم به منا أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.
اللهم أغفر لآبائنا وأمهاتنا وارحمهم كما ربونا صغارا اللهم أغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا اللهم أحسن لمن أحسن إلينا اللهم أغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين الحمد لله رب العالمين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم
"قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد".
[ ١٠٨ / ٢١ ]