(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بسم الله الرحمن الرحيم
محبطات الأعمال (٣)
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.
الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطا مستقيما وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت الطيبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما من دابة في الأرض إلا علي الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين.
﴿يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ .
وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبيا عن أمته ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾ .
أما بعد: معشر الإخوة الكرام..
تدارسنا في ثلاث مواعظ سابقة مبطلات الأعمال وكان في نيتي أن ننتهي من مدارستها في موعظة واحدة وقدر الله وما شاء فعل وهذه هي الموعظة الرابعة في مبطلات الأعمال وسأنهي الكلام على مبطلات الأعمال فيها بإذن ذي العزة والجلال.
إخوتي الكرام:
[ ١٢٥ / ١ ]
تقدم معنا أن مبطلات الأعمال تنقسم إلى قسمين اثنين:
منها ما يبطل العمل ويبطل عبودية الإنسان لله ﷿ فهي تنقض فرضه الدائم وتخرجه عن رسم العبودية لرب البرية وقد ذكرت لذلك خمسة أنواع الكفر والشرك والردة والنفاق الأكبر والبدعة المكفرة نسأل الله أن يصوننا منها ومن جميع المخالفات إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين وأما المحبطات من النوع الثاني فهي تحبط الطاعات لكنها لا تبطل عبودية المخلوقات لرب الأرض والسموات وهذه كثيرة وفيرة كما قرر أئمتنا الكرام وأكثر الخلق ليس عندهم خبر عنها ولا اعتناء بها وقلت سأقتصر على عشرة منها مضى الكلام على ستة منها ألا وهي:
الشرك الأصغر: وهو الرياء عدم الإخلاص لرب الأرض والسماء.
والابتداع وعدم اتباع حبيبنا خاتم الأنبياء عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه.
والمن على المخلوق باللسان وعلى الخالق بالجنان.
ورفع الصوت على نبينا ﵊ فكيف بتقديم الآراء على حديثه وهديه ﵊.
وترك صلاة العصر.
والوقوع في الزور والآثام في شهر رمضان ووقت الصيام.
وقد مر الكلام على هذه الأمور الستة مفصلا بأدلته وبراهينه وبقيت أربعة أمور ن الأمور المكملة للعشرة أذكرها في هذه الموعظة وأختم الكلام بها على مبطلات الأعمال بإذن ذي العزة والجلال.
إخوتي الكرام الأمور الأربعة المتبقية هي:
١- الاحتيال على الحرام:
٢- وأكل الحرام:
٣- وشرب الخمر:
٤- وإسبال الإزار:
هذه أمور أربعة إذا ضمت إلى الستة صارت عشرة أمور تبطل العمل ولا تنقض العبودية لله ﷿ هذه كما قلت نماذج مما يبطل العمل لا من باب الحصر لجميع يبطل الأعمال عند ذي العزة والجلال.
الأمر الأول: من الأمور الأربعة وهو السابع من العشرة على الترتيب:
[ ١٢٥ / ٢ ]
الاحتيال على ما حرمه ذو العزة والجلال إخوتي الكرام إذا امرنا الله بأمر فالواجب علينا أن نقوم بذلك الأمر وبما يستلزمه ذلك الأمر وإذا حرم الله علينا أمرا فالواجب علينا أن نترك ذلك الأمر وأن نترك ما يؤدي إلى ذلك الأمر الذي حرمه الله علينا وعندما حرم الله علينا استعمال فروجنا في غير ما أحل الله لنا من أزواجنا وسرارينا إن هذا التحريم يستلزم تحريم النظر إلى ما حرم ربنا جل وعلا لأن النظر بريد الزنا: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون﴾ .
وقد وجد في هذه الأمة كما وجد في الأمم السابقة أناس يخادعون الله وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون فيحتالون على إبطال ما شرعه الله وعلى إسقاط ما أوجبه الله وعلى تحليل ما حرمه الله بحيل ردية لا تقبل عند رب البرية.
وقد أشار نبينا ﷺ إلى هذا المسلك وحذرنا منه وأخبرنا أن اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة استحلوا ما حرم الله بالحيل الباطلة عند الله روى شيخ الإسلام أبو عبد الله بن بطة في كتابه تحريم الحيل في صفحة٤٧.
وإسناد الحديث صحيح كما نص على ذلك الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء ١٩/٢٩ وقال رواه أبو عبد الله بن بطة بإسناد حسن وقد حكم على الإسناد شيخ الإسلام الإمام ابن كثير عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في تفسيره في الجزء ٢/٢٥٧ عند تفسير آية الأعراف: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ﴾ .
[ ١٢٥ / ٣ ]
قال وقد روى أبو عبد الله بن بطة بإسناد جيد ثم قال ومثل هذا الإسناد يصحح به الإمام الترمذي كثيرا من الأحاديث وحكم عليه بالصحة الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه إغاثة اللهفان في ١/٣٤٨ وكتب حول الحيل المحرمة ما يقارب ١٧٠ صفحة، والحديث صحيح ورواه هذا العبد الصالح أبو عبد الله بن بطة وهو من أئمتنا الربانيين صاحب كتاب الإبانة الكبرى في عقائد أهل السنة المكرمين في ثلاث مجلدات وله جزء صغير في حدود المائة صفحة في تحريم الحيل وقد توفي سنة ٣٨٧هـ ومن مناقبه أن كان صالحا مجاب الدعوة ﵁ يقول أبو محمد الجوهري قال لي أخي الحسين الجوهري نمت ليلة وأنا مغموم لاختلاف المذاهب والطرق علي فرأيت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله ﷺ قد اختلفت المذاهب والطرق علي وكثرت الأقوال فبأي شيء تشير علي قال عليك بطريقة أبي عبد الله بن بطة قال فشددت رحلي وذهبت إلى عكبرى فلما دخلت عليه المسجد تبسم وقال صدق رسول الله ﷺ يقول الإمام الذهبي في السير في الجزء ١٦/٥٣٦، ويذكر هذا الإمام ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء ١١/٣٢٢ أن أبا عبد الله بن بطة بعد أن انتهى من طلب العلم وأخذ الحديث وتلقيه بقي في بيته أربعين سنة لا يخرج من بيته إلا إلى المسجد وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويباشر ذلك بنفسه هذا العبد الصالح يروي في كتابه تحريم الحيل بسند حسن جيد والحديث صحيح عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: [لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل] .
اليهود عليهم لعائن ربنا المعبود ندما حرم الله عليهم الاصطياد يوم السبت احتالوا على ذلك المحرم بأمرين اثنين:
بالتأويل الخاطئ الجائر:
والاحتيال الخبيث الماكر:
[ ١٢٥ / ٤ ]
أما فريق منهم: وهم المؤولة تأويلا باطلا قال إن الله حرم علينا أكل الصيد يوم السبت ولم يحرم علينا الاصطياد وعليه نصطاد وندخر لنأكل يوم الأحد فما بعده.
والفريق الثاني: الذين سلكوا مسلك الاحتيال الماكر انقسموا إلى قسمين:
فريق منهم: فحفر أحواضا وبركا بجوار البحر وفتحوا لها طريقا ليدخل الماء مع السمك يوم السبت، فإذا امتلأت تلك الأحواض بالسمك وضعوا الحاجز لئلا تعود إلى البحر مرة ثانية.
والفريق الثاني: كان يمسك السمك من البحر بيديه ثم يربطها بحبل ويدق لها وتدا ويربط هذا الحبل بالوتد ثم يلقي السمك مرة أخرى في البحر فإذا صار يوم الأحد سحب هذا الحبل والسمك فيه فأكله يوم الأحد والله جل وعلا يقول في كتابه: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذا يعدون في السبت إذا تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون * وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربهم ولعلهم يتقون * فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون * فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين * وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم *﴾ .
لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل - بتأويل خاطئ جائر باحتيال خبيث ماكر ـ.
[ ١٢٥ / ٥ ]
وقد تقدم معنا عن إمام أهل السنة أنه كان يقول: خطأ وضلال بني آدم منحصر في أمرين اثنين: في تأويل خاطئ وقياس فاسد والتأويل الخاطئ في الأدلة السمعية والقياس الفاسد في الأدلة العقلية فإذا جاء وأول النص تلاعب به وإذا جاء وأتى بحجج عقلية ففرق بين المتماثلين وسوى بين المختلفين فقاس قياسا فاسدا ولذلك قال أئمتنا إن أهل الضلال يسفسطون في العقليات - والسفسطة هي المكابرة وجحد حقائق الأشياء - ويقرمطون في السمعيات - والقرمطة هي التلاعب بالمعاني - فإذا جاؤوا إلى مسلك السمع سلكوا مسلك القرامطة الباطنية، واخترعوا للنصوص معاني ما أرادها رب البرية وهو التأويل الخاطئ، وإذا جاؤوا للحجج العقلية أتوا بالأقيسة الفاسدة، وقد جمع اليهود بين الأمرين، وقد حذرنا نبينا ﷺ من ذلك المسلك المشين فقال: [لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل] .
ولذلك قال الإمام ابن القيم: الحيل المحرمة في شريعة الله هي ما تضمنت إسقاط ما شرعه الله وإبطال ما أوجبه الله وتحليل ما حرمه الله.
إخوتي الكرام:
إن الحيل قد انتشرت في الأمة لاسيما في هذا الزمان وسلكوا مسلك اليهود اللئام إن الربا حرمه ربنا علينا فكل ما يؤدي إلى ذلك الأمر المحرم ينبغي أن نمتنع عنه وكثير من الناس يحتالون عليه بصور من صور المبايعات لكنها لا تخرج هذا الأمر عن كونه ربا محرما في شريعة رب الأرض والسماء.
فبيع العينة بيع؛ لكن الإنسان فيه أراد أن يحتال على الربا فباع سلعة بثمن مؤجل نسيئة بأقساط ثم اشتراها من المشتري منه بثمن معجل أقل مما باعها به.
هذه هي صورة العينة، وهي صورة من صور الربا؛ لكنها عن طريق الاحتيال، وقد بين لنا نبينا ﷺ أن الأمة إذا وقعت في الاحتيال فقد سقطت من عين ذي العزة والجلال.
[ ١٢٥ / ٦ ]
ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود، والحديث رواه أبو يعلى في مسنده والبزار في مسنده والطبراني في معجمه الكبير ورواه البيهقي في السنن الكبرى وإسناد الحديث صحيح من رواية سيدنا عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: [إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر وتبعتم الزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم] .
تحتالون على ما حرم الله وتخلدون إلى الدنيا وتجرون وراءها ولا تجاهدون في سبيل الله إذا اتصفتم بهذه الأمور لا لله عظمتم ولا على الخلق أشفقتم فهمكم الاستغلال وتحصيل المال ولو كان عن طريق الاحتيال ثم بعد ذلك خلود إلى الدنيا وإعراض عن إعزاز دين الله عن طريق الجهاد إذا وقع فيكم ذلك سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم، وما أظن أنه يوجد أمة من الأمم تعاني من الذل والعناء والبلاء ما تعانيه الأمة الإسلامية في هذه الأيام ولا يظلم ربك أحدا ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾ .
وهذه المبايعة المحرمة وقع بها بعض الصحابة الطيبين المهتدين عن طريق الخطأ وعدم تعمد لما حرم رب العالمين ولما نبه إلى ذلك تنبه ورجع إلى رشده وصوابه وكل بني آدم خطاء والذي وقع في هذه المبايعة بعد وفاة نبينا عليه صلوات الله وسلامه العبد الصالح زيد بن أرقم ﵁ وأرضاه فأصدرت في حقه أمنا الجليلة الفاضلة المفضلة أمنا عائشة ﵂ حكما يخلع القلوب ولا كفارة لذلك العيب من العيوب إلا أن يتوب زيد بن أرقم إلى علام الغيوب.
[ ١٢٥ / ٧ ]
والقصة رواها الإمام أحمد وعبد الرزاق في مصنفه والداراقطني في سننه والبيهقي في السنن الكبرى، وإسناد القصة صحيح ثابت وقد نص على ذلك شيخ الإسلام الإمام ابن عبد الهادي كما في كتابه التنقيح في التعليق على كتاب التحقيق لابن الجوزي وانظروا الكلام على هذه الرواية في نصب الراية للإمام الزيلعي في الجزء ٤/١٥.
وقد اختصر الكتاب الإمام ابن حجر وزاد عليه فوائد في الدراية انظروا كلامه حول هذا الحديث في الجزء ٢/١٥٠ وقد ذكر ابن الأثير، هذا الحديث في جامع الأصول مع أنه ليس في الأصول الستة في الجزء الأول من جامع الأصول صفحة ٥٧٢، ولفظ الأثر عن أبي إسحاق السبيعي وهو عمرو بن عبد الله السبيعي وقد توفي سنة ١٢٩ هـ وهو ثقة فقيه مكثر حديثه في الكتب الستة روى هذا الحديث عن زوجه العالية وهي امرأة معروفة دخلت على أمنا عائشة ﵂ وروت عنها كما ذكر ذلك الحافظ ابن سعد في الطبقات وعليه من حكم على.
[ ١٢٥ / ٨ ]
الحديث بالضعف بجهالة العالية زوج أبي إسحاق السبيعي فهو واهم، أبو إسحاق يروي عن زوجه العالية أنها دخلت على أمنا عائشة ﵂ فسألتها أم محبة وهي امرأة من الكوفة فقالت يا أم المؤمنين بعت جارية إلى زيد بن أرقم بثمانية درهم إلى عطائه واشترط عليه أنه إذا أراد أن يبيع الجارية فينبغي أن يبيعني إياها فبعد فترة أراد أن يبيعها فباعني إياها فاشتريت الجارية منه بستمائة درهم نقدا فقالت أمنا عائشة ﵂ يا أم محبة بئس ما شريت وبئس ما اشتريت أخبري زيدا أن جهاده قد بطل مع رسول الله إلا أن يتوب فقالت أم محبة فما كفارته يا أم المؤمنين؟ فقالت: التوبة لرب العالمين ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾، فالتحايل على الحرام يحبط العمل عند ذي الجلال والإكرام.
نعم إن العبرة في العقود في المقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني فبيع العينة معاملة ربوية وهو في الظاهر مبايعة شرعية قال الإمام ابن الأثير ولذلك قالت أمنا عائشة ﵂ هذا الكلام وانتشر بين الصحابة الكرام فلم ينكر ذلك عليها أحد منهم ﵃ وانظروا كلام الإمام الشافعي حول هذا الحديث وقارنوه بما ذكرت في كتابه الجليل الأم في الجزء ٣/٧٨.
هذا الأمر الأول من الأمور الأربعة التي سنتدارسها في هذه الموعظة الاحتيال على أكل ما حرمه ذو العزة والجلال.
إخوتي الكرام:
لو قدر أن الإنسان وقع في معصية من معاصي الرحمن فليعترف بتقصيره وانكساره لربه وليستغفر الله جل وعلا أما أن يسلك مسلك التأويل الاحتيال والتبرير فليس هذا من صفة المؤمنين ولذلك قال بعض القائلين ونعم ما قال:
وأشربها وأعلمها حراما وأرجو عفو ربي ذي امتنان
[ ١٢٥ / ٩ ]
ويشربها ويزعمها حلالا وتلك على المسيء خطيئتان
يقول إذا ابتليت بشرب الخمر فاشربها وقل أنا عاصي لله وأرجو مغفرة الله ورحمة الله وإياك ثم إياك أن تحلل الخمر وبالتالي لا ترى أنك مسيء وبذلك قد ارتكبت وزرين شرب الخمر وعدم الاعتراف بالذنب.
والأمر الثاني أكل الحرام:
وأريد من أكل الحرام تناول الحرام سواء كان عن طريق الأكل أو الشرب أو اللباس أو السكن أو الأساس المقصود أنك تستعمل شيئا لا يحل لك أن تستعمله وحرمه الله عليك شراب طعام لباس أساس مسكن كل هذا حصلته من غير طريق شرعي هذا يحبط عملك عند الله وإن لم ينقض عبوديتك لربك وإن لم يجعلك من الكافرين لكن العمل لا يقبل عند رب العالمين لا تقبل الصلاة ولا الصيام ولا يستجاب الدعاء إذا كان في تلك الأشياء التي تتعاطاها في هذه الحياة حرام، وقد أشار الله جل وعلا إلى هذا فقال بعد آيات الصيام: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون﴾ .
منبها إلى أننا إذا خالفنا هدي الله جل وعلا في آيات الصيام فأكلنا وشربنا ما حرم الله علينا في نهار رمضان لا يقبل الله منا الصيام وهكذا لو أكلنا الحرام من باب أولى لايقبل الله منا الصيام لأن ترك الحرام آكد في شريعة ذي العزة والجلال من ترك الطعام والشراب في نهار رمضان استمع لهذه الدلالة التي استنبطها أئمتنا المفسرون عليهم رحمات الحي القيوم يقول: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾ .
[ ١٢٥ / ١٠ ]
كأن الله يقول يا عبادي يا من أطعتموني في ترك الشراب والطعام في نهار رمضان أطيعوني في ترك الحرام على الدوام فإذا تناولتم شرابا وطعاما في نهار الصيام لا يقبل الصيام وإذا دخل جوفكم أو استعمل بدنكم شيئا مما حرم الله في شراب أو طعام أو لباس أو سكن أو أساس لا تقبل العبادة عند الله جل وعلا كما لم أكلت في نهار رمضان ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون تعلمون أن هذا حرم عليكم لا يجوز أن تأكلوا الأموال بالباطل ولا يجوز أن تدفعوا الرشوة إلى الحكام ليحكموا لكم بالباطل الذي حرمه الرحمن إذا فعلتم شيئا من ذلك لن تقبل الصلاة والصيام ولا غير ذلك من عبادات الرحمن وهذه الآية جاءت بعد عبادة الصيام وفي أثناء عبادة الصيام ذكر الله عبادة الدعاء ثم عقبها بالامتناع عن الحرام في جميع الأوقات وأن من لم يمتنع لن يقبل الله دعاءه ولن يقبل صومه ولن يقبل سائر عباداته فأكل الحرام محبط للأعمال عند ذي العزة والجلال.
وقد وضح لنا هذا نبينا ﷺ:
ففي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم، والحديث رواه الترمذي في سننه والدارمي في سننه والبيهقي في السنن الكبرى وهو صحيح صحيح من رواية سيدنا أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال جل وعلا: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم﴾، وقال جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون﴾ قال أبو هريرة ﵁: ثم ذكر رسول الله ﷺ: الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك] .
[ ١٢٥ / ١١ ]
وقد ثبت في صحيح ابن حبان من رواية سيدنا جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة ﵃ أجمعين: [يا كعب بن عجرة كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به] والحديث رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه أيضا من رواية كعب بن عجرة ﵁ وأرضاه أنه قال: [قال لي النبي ﷺ يا كعب كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به] .
والحديث رواه أبو يعلى في مسنده والبزار في مسنده والطبراني في معجمه الأوسط والبيهقي في السنن الكبرى وإسناده حسن كما نص على ذلك الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء ٢/٥٥٢ ولفظ الحديث عن سيدنا أبي بكر ﵁ وأرضاه أنه قال سمعت النبي ﷺ يقول: [كل جسد غذي بالحرام فالنار أولى به] .
وانظروا أيضا كلام الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد في الجزء ١٠/٢٩٣ في كتاب الزهد باب في من نبت لحمه من الحرام، وفي ذلك الباب أحاديث أخرى فيها هذا المعنى عن سيدنا حذيفة بن اليمان وسيدنا عبد الله بن عباس ﵃ أجمعين هذا الأمر الثاني الذي يحبط العمل عند الله ﷿ أكل الحرام.
والأمر الثالث: شرب الخمر:
من شرب الخمر يحبط عمله أربعين يوما لا يقبل عند الله ﷿ كما أشار إلى هذا نبينا ﷺ الخمر أم الخبائث الخمر مصدر الرذائل وهي المصائد والمثبطات التي يثبط بها الشيطان بني الإنسان الخمر مفتاح كل شر الخمر يحصل بها اغتيال العقل وقد ذم الله الخمر وعابها في العهد المكي في سورة النحل في قوله جل وعلا: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون﴾ .
ثم حرمها الله جل وعلا في العهد المدني في العام الثامن للهجرة فاستمرت إباحتها إحدى وعشرين سنة ثم بعد ذلك حرمت وأول ما نزل في ذمها آية النحل.
[ ١٢٥ / ١٢ ]
ثبت ذلك في السنن الكبرى للإمام البيهقي في الجزء ٨/٢٩٧ عن سيدنا عبد الله بن عباس وعن تلميذه مجاهد بن جبر ﵃ أجمعين قالا: السكر هو الخمر قبل تحريمها والرزق الحسن هو الطعام وقال سيدنا عبد الله بن عباس إن الله حرم بعد ذلك السكر مع تحريم الخمر لأنه منها ثم في العهد المدني أنزل الله فيها ثلاث آيات في الآية الأولى أخبر الله جل وعلا عن وجود الإثم فيها فقال: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ﴾ .
ثم أنزل الله جل وعلا آية أخرى في سورة النساء منع الله فيها عباده عن الخمر في أوقات الصلاة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا﴾ .
ثم أنزل الله في تحريمها الآية الثالثة في العهد المدني وهي في سورة المائدة وفيها يقول الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ﴾ .
فالخمر فيها اغتيال للعقل فإذا شربت قطرة منها تظل أربعون يوما أعمالك حابطة ما تفعله بعد شرب الخمر من صالحات لمدة أربعين يوما لايقبل عند رب الأرض والسموات.
[ ١٢٥ / ١٣ ]
ثبت الحديث بذلك في سنن الترمذي وحسنه ومستدرك الحاكم وصححه وأقر التصحيح الإمام الذهبي والإمام المنذري ولفظ الحديث من رواية سيدنا عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: [من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد الثالثة لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد في الرابعة لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب لم يتب الله عليه وغضب عليه وكان حقا عليه أن يسقيه من نهر الخبال قالوا وما نهر الخبال قال عصارة أهل النار] .
إخوتي الكرام:
وكون شارب الخمر لا تقبل له أعمال أربعين يوما هل لأن الخمر لها أثر حسي في النفس لا يزول إلا بعد أربعين يوما أو هل لها أثر معنوي لا يزول إلا بعد أربعين يوما أو لها أثر حسي ومعنوي لا يزول إلا بعد أربعين يوما مرد ذلك وعلمه إلى الله وجل وعلا، وإلى رسوله ﷺ آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنا برسول الله ﷺ، وبما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله ﷺ وعليه ما قاله بعض أئمتنا إن أثر الخمر الحسي يبقى في البدن أربعين يوما ولا يمكن أن يستحيل الطعام والشرب على وجه التمام إلا بعد مضي هذه المدة هذا محتمل وما قاله بعض أئمتنا من أنه يبقى أثر معنوي لما تزرعه في النفس من خبث ردي مدة أربعين يوما وعليه مادام هذا الأثر المعنوي باق في النفس البشرية لا يقبل عمل لشارب الخمر بعد أن يشربها مدة أربعين يوما هذا محتمل والعلم عند الله جل وعلا.
[ ١٢٥ / ١٤ ]
والحديث أقطع بصحته وأسأل أمام الله ﷿ فقد روي عن عدة من الصحابة الكرام بروايات متعددة فيه هذا المعنى ومن تلك الروايات رواية عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وهي في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وابن ماجه ورواها الحاكم في المستدرك وصحح الرواية وأقره الإمام الذهبي ورواها ابن حبان في صحيحه والبزار في مسنده بنحو اللفظ المتقدم من رواية عبد الله بن عمر ﵄ دون الزيادة التي في آخر الحديث [فإن عاد الرابعة فتاب لم يتب الله عليه وغضب عليه ]، وإنما [فإن عاد الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من نهر الخبال من طينة الخبال قالوا وما نهر الخبال وما طينة الخبال يا رسول الله قال صديد أهل النار] .
ورواية ثالثة عن سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ هي في سنن أبي داود وإسنادها حسن لغيره، ولفظ الحديث عن عبد الله بن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ: [كل مسكرٍ خمر وكل مسكرٍ حرام ومن شرب مسكرا بخست صلاته أربعين صباح فإن عاد الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من رضغة الخبال قالوا وما رضغة الخبال يا رسول الله قال عصارة أهل النار] بخست أي انتقصت صلاته وما قبلت عند الله ﷿.
وهناك روايات متعددة بهذا المعنى منها رواية أسماء بنت يزيد ﵂ وأرضاها في مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير ومنها رواية أصدق هذه الأمة لهجة سيدنا أبي ذر ﵁ وأرضاه في المسند ومعجم الطبراني الكبير ومسند البزار وإسناد الروايتين حسن كما في الترغيب والترهيب للمنذري في الجزء ١٠/٣٦٧، ولفظ الروايتين أن النبي ﷺ قال: [من شرب الخمر غضب الله عليه أربعين ليلة فإن مات مات كافرا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من نهر الخبال قالوا وما نهر الخبال يا رسول الله قال عصارة أهل النار] .
[ ١٢٥ / ١٥ ]
وإذا غضب الله عليه لن يقبل منه عملا وقول نبينا ﷺ فإن مات مات كافرا كما تقدم معنا في نظائر هذه الأحاديث التي فيها الوعيد الشديد وطلاق لفظ الكفر على العاصي إما أنه إذا استحل وإما أنه كفر دون كفر والعلم عند الله ﷿ أو أنه شابه الكافرين في هذه الخصلة المذمومة تأويلات خمسة ذكرها أئمتنا في نظائر هذا الحديث هذه خصلة ثالثة من فعلها حبط عمله وإن لم يخرج عن العبودية لرب البرية.
والرابعة: في مبحثنا والعاشرة في مبحث محبطات الأعمال إسبال الإزارعن الكعبين في حق الرجال:
من أسبل إزاره لا يقبل الله صلاته وترد عليه صلاته إذا صلى وهو مسبل للإزار سواء كان بمفرده أو في الجماعة وقد رتب الشارع المطهر على جر الإزار عقوبتين:
الأولى: أن من نزل إزاره عن كعبيه فهو في النار قصد الخيلاء أو لم يقصد.
الثانية: أنه إذا نزل إزاره عن كعبيه خيلاء أو بطرا ورياءا فهو في النار ولا ينظر إليه الجبار ﷻ، ثم لا تقبل الصلاة بعد ذلك، وهذا لا ينبغي لإنسان أن يقوله من رأيه؛ إنما ينبغي أن ينقله عن نبينا ﵊؛ وسأقتصر على حديثين اثنين أختم بهما هذه الموعظة إن شاء الله في تقرير هذا الأمر.
[ ١٢٥ / ١٦ ]
الحديث الأول رواه أبو داود ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى من رواية سيدنا أبي هريرة ﵁ وأرضاه ورواه الإمام أحمد في المسند عن بعض أصحاب النبي ﷺ ولم يسم الصحابي في روايته فليس هو من طريق أبي هريرة، وإسناد المسند كما قال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد في الجزء ٥/١٢٥ قال رجاله رجال الصحيح وأما رواية أبي داود والبيهقي فهي من طريق أبي جعفر المؤذن المدني عن أبي هريرة ﵁ وأبو جعفر المؤذن المدني روى له البخاري في الأدب المفرد وأهل السنن الأربعة وقال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب مقبول وقال أخطأ من ظن أبا جعفر المؤذن هو محمد بن علي بن الحسين بن علي - الإمام الباقرـ ﵁ وأرضاه وقد وهم شيخ الإسلام الإمام النووي عليه رحمة الله ورضوانه في رياض الصالحين فظنه أنه هو الإمام الباقر فقال رجال الإسناد على شرط مسلم وليس كذلك ولذلك قال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء ٣/٩٢ إن كان المراد من أبي جعفر الإمام الباقر فالرواية مرسلة لأن الإمام الباقر لم يرو عن أبي هريرة ﵁ فأبو هريرة توفي سنة ٥٧هـ وقيل ٥٨هـ وقيل٥٩ هـ أما الإمام الباقر فقد ولد سنة ٥٦هـ قال المنذري وإن كان المراد منه غيره فلا أعرفه.
[ ١٢٥ / ١٧ ]
وقال الإمام الخزرجي في الخلاصة حسن له الترمذي ولفظ الحديث من رواية أبي هريرة ومن رواية بعض أصحاب النبي ﵊: [أن رجلا دخل إلى مسجد النبي ﷺ، فصلى وهو مسبل إزاره فلما انتهى من صلاته جاء إلى النبي ﵊ وسلم عليه فقال له النبي ﵊: اذهب فتوضأ وصلي فذهب وتوضأ وصلى ثم سلم على النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: اذهب فتوضأ وصلي فلما ذهب فكر في نفسه وأن الأمر ليس بسبب وضوئه فقصر ثيابه، ثم جاء إلى مسجد النبي ﵊ فصلى فسكت عنه النبي ﵊ فقال الصحابة لنبينا ﵊: يا رسول الله مالك أمرته بالوضوء ثم سكت عنه قال: إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره ولا يقبل الله صلاة رجل مسبل] .
وتقدم معنا أن النبي ﷺ أمره بالوضوء من أجل أن يكسر نفسه لأن الشيطان خلق من النار والنار تطفأ بالماء فلما كان الإزار يزرع في النفس الكبر والخيلاء أمره خاتم الأنبياء بالوضوء ليظهر هذا المعنى الذي حصل في نفسه من جر إزاره ثم قال له لا يقبل الله صلاة رجل مسبل.
والحديث الثاني: رواه أبو داود في سننه وأبو داود الطيالسي في مسنده مرفوعا وموقوفا على عبد الله بن مسعود ﵁ ورواه البيهقي في السنن الكبرى والطبراني في معجمه الكبير موقوفا على عبد الله بن مسعود ﵁ وإسناد الأثر الموقوف حسن كما نص على ذلك شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء ١٠/٢٥٧ والهيثمي في المجمع في الجزء ٥/١٢٥ ولفظ الأثر أن عبد الله بن مسعود رأى رجلا يصلي وهو مسبل إزاره فقال: [من أسبل إزاره في صلاته فليس من الله في حل ولا حرام]، وقد ذكر أئمتنا لأثر عبد الله بن مسعود ثلاث معاني:
[ ١٢٥ / ١٨ ]
١- أن من جر إزاره في صلاته فحاله كحال من لا يعتقد بتحليل ولا تحريم وصار كأنه من عداد الكافرين الذين لا يعتقدون بتحليل ولا تحريم إنما يفعلون حسبما تهوى أهواؤهم فليس من الله في حل ولا حرم.
٢- أن من جر إزاره في صلاته ليس من الله في حل ولا حرام لا يحله الله ولا يدخله الجنة ولا يحرم عليه النار.
٣- أن من جر إزاره في صلاته ليس في حل ولا حرام؛ أي ليس له من الله في فعل حلال عندما جر إزاره إنما فعل معصية وإثما ولا حرام؛ أي ليس له احترام ومنزلة عند ذي الجلال والإكرام.
إخوتي الكرام:
هذه أمور أربعة تكمل الستة المتقدمة يصبح المجموع عشرة تحبط الأعمال عند ذي العزة والجلال وإن لم تنقض عبودية الإنسان لذي الجلال والإكرام وأكثر الخلق ليس عندهم خبر عنها ولا يهتمون بها ولا يبالون بشأنها كما هو الحال فينا معشر الحمقى المغرورين نحسب ما لنا ولا نحسب ما علينا وكما قلت في البداية إن حفظ العمل على العمال أشق عليهم من القيام بسائر الأعمال.
نسأل الله أن يلهمنا رشدنا وأن يوفقنا لفعل الصالحات والمحافظة عليها من الحبوط عند رب الأرض والسماوات ونسأله أن يتقبلها منا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين أقول هذا القول وأستغفر الله.
الحمد لله رب العالمين وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله وخير خلق الله أجمعين اللهم صلي على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعمَّن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
خلاصة الكلام:
[ ١٢٥ / ١٩ ]
لا يقبل الله العمل إلا إذا صدر من تقي قام بحق العبودية لربه على وجه التمام فإن نقض عبوديته لربه فهو من الكافرين، ولا يقبل عمله عند رب العالمين وإن خدش عبوديته لربه فعمله مردود عليه، وإن لم يخرج من دائرة العبودية لرب البرية فالله لا يتقبل إلا من المتقين كما قرر ذلك ربنا في كتابه الكريم، فقال ﷾ في سورة المائدة عند حديثه عما جرى بين ولدي أبينا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ﴿واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين﴾ .
يقول سيدنا علي رابع الخلفاء الراشدين ﵁ وعن الصحابة الطيبين كما في كتاب التقوى لابن أبي الدنيا: لا يُقَلُّ ما تُقُبِل ثم تلى قول الله: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ .
إذا قبل الله عملك هذا له شأن كبير كبير عند الله الجليل.
وثبت عن ثلاثة من الصحابة أولهم فضالة بن عبيد كما في كتاب التقوى لابن أبي الدنيا وثانيهم أبو الدرداء كما في تفسير ابن أبي حاتم وثالثهم عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين كما في تاريخ ابن عساكر قال هؤلاء الثلاثة كل واحد منهم يقول: لو أعلم أن الله تقبل مني ركعة أو سجدة أو صدقة كان أحب إلي من الدنيا وما عليها ثم تلى كل واحد منهم هذه الآية: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ .
وزاد عبد الله بن عمر ﵄ في الأثر المنقول عنه بعد أن تصدق بدرهم قال لو أعلم أن الله قبل مني صدقة أو سجدة لما كان غائب أحب إلي من الموت ثم تلى: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ .
وتقدم معنا كلام بعض الصالحين أبي يزيد البسطامي أنه كان يقول والله لو صفت لي تهليلة لما باليت بعدها.
[ ١٢٥ / ٢٠ ]
لابد إذن من تحقيق العبودية على وجه التمام ليقبل العمل ولا يعني هذا أن يكون الإنسان من المعصومين إنما كما قلت لا ينقض عبوديته لربه وإذا وقع في شيء من المعصية عن طريق الغفلة والذهول والشهوة التي تحجب العقل أحيانا لا أنه يوطن نفسه على ذلك، لا ثم لا، والله يقول في كتابه: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجناتٌ تجري من تحتها خالدين فيها ونعم أجر العاملين﴾ .
فإياك ثم إياك أن توطن نفسك على المعصية وإياك ثم إياك أن تستحل ما حرم الله عليك.
ثبت في سنن ابن ماجه بسند صحيح رجاله ثقات عن ثوبان مولى نبينا ﵊ والحديث رواه أبو نعيم في الحلية في الجزء ١/١٧٧ من رواية سالم مولى أبي حذيفة ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال:
[لأعلمن أناسا من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا فيجعلها الله هباءا منثورا قالوا يا رسول الله: صفهم لنا حلهم لنا جلهم لنا ألا نكون منهم ونحن لا نعلم فقال ﵊: أما إنهم إخوانكم ويأخذون بحظهم من الليل كما تأخذون ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها] .
وفي رواية الحلية: [ولكن كانوا إذا عرض لهم شيء من الحرام وثبوا عليه] قال مالك بن دينار هذا والله هو النفاق فقام المعلى بن زياد وقبض على لحية مالك بن دينار، وقال: صدقت أبا يحيى.
[ ١٢٥ / ٢١ ]
روى البزار في مسنده كما في كشف الأستار في الجزء ١/١٧٦، والحديث بوب عليه الإمام الهيثمي في المجمع في الجزء ٢/١٤٧ في كتاب الصلاة باب علامة قبول الصلاة وانظروه في الترغيب والترهيب في الجزء ١/٣٥٠ وجميع رجال الإسناد ثقات أثبات وما فيهم إلا عبد الله بن واقد الحراني أبو قتادة وكان قاضيا من الصالحين ضعفه البخاري وبعده النسائي ومعهما يحيى بن معين في رواية ووثقه في رواية أخرى، كما وثقه شيخ الإسلام الإمام أحمد بن حنبل واستنكر قول من ضعفه وقال البزار عقيب الرواية كما في كشف الأستار إنه رجل صالح فقيه عفيف لكنه كان يخطئ فيصر على الخطأ وتوفي سنة ٢١٠ هـ ومعنى الحديث ثابت ولفظ الحديث عن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال قال الله تعالى: [إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي ولم يستطل بها على خلقي ولم يبت مصرا على معصيتي وقطع نهاره في ذكري ورحم المسكين والأرملة وابن السبيل ورحم المصاب فذلك ضوؤه كضوء الشمس أكلؤه بعزتي واستحفظه ملائكتي أجعل له في الظلمة نورا وفي الجهالة حلما ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة] .
والفردوس أعلى الجنة وأشرفها وأفضلها.
كما ثبت في المسند وصحيح البخاري وفي السنن الكبرى والأسماء والصفات وفي كتاب البعث للبيهقي، والحديث صحيح صحيح من رواية أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنها أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة] .
اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى بفضلك ورحمتك فأنت الكريم وأنت الأعلى اللهم.
آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها يا أرحم الراحمين.
اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليمًا كثيرًا.
[ ١٢٥ / ٢٢ ]
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربوَّنا صغارا. اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا. اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا. اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليمًا كثيرا.
اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعاء والحمد لله رب العالمين.
اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليمًا كثيرا.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم،
﴿والعصر* إن الإنسان لفي خسرٍ * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر*﴾ .
[ ١٢٥ / ٢٣ ]