للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
حديث
(يكون عليكم أمراء هم شر عند الله من المجوس)
"يكون عليكم أمراء هم شر عند الله من المجوس (١) " وأرشدنا النبي – ﷺ – إلى قتالهم، ومنابذتهم بما في وسعنا، ففي صحيح مسلم وغيره عن ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل (٢) ".
_________________
(١) رواه الطبراني في الصغير: (٢٠/٩٠)، والأوسط أيضًا كما في مجمع الزوائد: (٥/٢٣٥) كتاب الخلافة – باب في أئمة الظلم والجور وأئمة الضلال – عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – ورجاله رجال الصحيح خلا مؤمل بن إهاب وهو ثقة، وفي الحلية: (١/٢٨٠) عن حذيفة – رضي الله تعالى عنه – موقوفًا: "ليكونن عليكم أمراء لا يزن أحدهم عند الله يوم القيامة قشرة شعيرة".
(٢) انظر صحيح مسلم – كتاب الإيمان – باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان –: (١٠/٧٠) ٨٠ وهو في مسند الإمام أحمد: (١/٤٥٨، ٤٦١)، وسنده صحيح كما في تعليق الشيخ شاكر: (٦/١٧٥، ١٨٧)، (٤٣٧٩، ٤٤٠٢)، ورواه البيهقي في الاعتقاد: (١٢٢) .
[ ١٢٠ / ١ ]
.. وقد وردت الأحاديث كثيرة عن خير خلق الله – ﷺ – بقتال الأئمة الضالين إذا لم يحكموا بشرع رب العالمين، وظهرت المجاهرة بالمنكر المبين، ففي الصحيحين وغيرهما عن جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت – وهو مريض – رضي الله تعالى عنه – فقلنا: حدثنا أصحك بحديث ينفع الله به، سمعْتَهُ من رسول الله – ﷺ – فقال: دعانا رسول الله – ﷺ – فبايعناه على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان (١)، قال الإمام النووي – عليه رحمة الله تعالى –: هكذا هو لمعظم الرواة، وفي معظم النسخ "بواحًا" بالواو، وفي بعضها "براحًا" والباء مفتوحة فيهما، ومعناها: كفرًا ظاهرًا ١٠هـ، وقال الحافظ ابن حجر نقلا ً عن الإمام الخطابي – عليهما رحمة الله تعالى – مَنْ رواه بالراء فهو قريب مِنْ هذا المعنى، وأصل البراح الأرض القفراء التي لا أنيس فيها ولا بناء، وقيل: "البراح": البيان، قال الحافظ: ووقع في رواية الطبراني: "إلا أن يكون معصية الله بواحًا"، وعند أحمد: "ما لم يأمروك بإثم بواحًا (٢) ".
_________________
(١) انظر صحيح مسلم – كتاب الإمارة – باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية: (٤/١٤٧٠)، وصحيح البخاري – كتاب الفتن – باب ٢: (١٣/٥) بشرح ابن حجر، والمسند: (٥/٣١٤)، وفي: (٥/٣٢١) بلفظ "ما لم يأمروك بإثم بواحًا".
(٢) انظر شرح الإمام النووي: (١٢/٢٢٨)، وفتح الباري: (١٣/٨)، وتقدمت رواية الإمام أحمد في المسند وقوله: "عندكم من الله فيه برهان" أي: نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل كما في فتح الباري: (١٣/٨) .
[ ١٢٠ / ٢ ]
.. قال مقيد هذه الصفحات – فرج الله عنه وعن المسلمين الكربات –: تقدمت قريبًا رواية الصحيح أيضًا: "أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة" وكل من الحديثين صريح في أن الإمام إذا أمر بالآثام، وضاد شرع الرحمن، ينبغي أن يزال بالحسام، وقد قرر الحافظ الهمام، الإمام ابن حجر شيخ الإسلام – عليه رحمة الله تعالى – أن الإمام ينعزل بالكفر بإجماع العلماء الكرام فيجب على كل مسلم عند ذلك القيام، فمن قوي على ذلك فله المثوبات العظام، ومن داهن فعليه الوزر والآثام، ومن عجز وجبت عليه الهجرة ومفارقة تلك الأوطان (١) .
_________________
(١) انظر فتح الباري: (١٣/٨، ١٢٣)، ومثله في شرح الإمام النووي: (١٢/٢٢٩) حيث نقل عن القاضي عياض – عليهما رحمة الله تعالى – أن الإمامة لا تنعقد لكافر إجماعًا، ولو طرأ عليه الكفر انعزل، وكذا لو ترك إقامة الصلاة والدعاء إليها، فيخرج عن حكم الولاية، وتسقط طاعته، ويجب على المسلمين القيام عليه وخلعه، ونَصْبُ إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ١٠هـ، وقد تقدم حديث يصرح باستمرار الهجرة وداوامها، وأشرت هنا إلى عدة كتب بحثت تلك المسالة بحثًا سديدًا، وبيَّنَتْ أنواع الهجرة بيانًا رشيدًا، فانظر صفحة (٣٦) من هذا البحث المبارك، قال الإمام ابن العربي في أحكام القرآن: (١/٤٨٤) الهجرة تنقسم إلى ستة أقسام: الأول: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضًا في أيام النبي – ﷺ – وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة.
[ ١٢٠ / ٣ ]
.. قال عبد الرحيم الطحان – غفر الله له سائر الآثام –: ما قاله الأئمة الكرام، من وجوب مهاجرة دار الكفر إلى دار الإسلام، كان متحققا ميسورًا فيما مضى من الأزمان، عند وجود دارَيِ الكفر والإسلام، وأما إذا عم الظلام بلاد الأنام، ولم يكن هناك خليفة ولا إمام، فما على المكلف إلا مقارعة الكفر أينما كان، والعض بالنواخذ على هي النبي – ﷺ – والحذر من مشاركة الطغام فيما يتهافتون فيه من الإجرام، مع السعي الحثيث لإعادة دولة الإسلام، فمن قام بذلك فهو من الناجين بسلام، المتقين الله حسب ما في الوسع والإمكان، وهذا كما ثبت عن حذيفة بن اليمان – عليه رضوان الرحيم الرحمن – أنه قال: كان الناس يسألون رسول الله – ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دَخَنٌ، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يَسْتَنُّون بغير سنتي ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد الخير من شر؟ قال: نعم: دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا، فقال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك (١) .
٣- إمام جائز، وله حالتان:
_________________
(١) انظر صحيح البخاري – كتاب المناقب – علامات النبوة في الإسلام –: (٦/٥١٥)، وكتاب الفتن – باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة؟: (١٣/٣٥) بشرح ابن حجر فيهما، وصحيح مسلم – كتاب الإمارة – باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، وفي كل حال: (٤/١٤٧٥)، وسنن ابن ماجه – كتاب الفتن – باب العزلة –: (٢/١٣١٧) .
[ ١٢٠ / ٤ ]
الحالة الأولى: أن يكون متصفًا بالشروط المرضية، وتمَّت له البيعة، ثم طرأ عليه بعد ذلك مُفَسِّقٌ كأن جار، أو تلبس ببعض المعاصي الكبار، كشرب الخمر أو تعاطي عهر.
الحالة الثانية: أن يتغلب على الناس على كره منهم، ويقودهم بغير رضاهم، فهو مغتصب لسلطان الأمة معتدٍ على الذمة.
ولهاتين الحالتين حالتان:
أ) يجب خلعه إن أمكن بلا ظلم ولا فتنة، لأن ذلك من النصح له وللأمة، وهو ممكن دون ارتكاب محظور، فلا يترك (١) .
ب) إذا لك يمكن عزله إلا بالوقوع في فتنة عمياء، وجر الأمة إلى بلاء، فالواجب الصبر على طاعته، وعدم الخروج عن كلمته، وخالف المعتزلة في هذا، فالتزموا الخروج عليه بالسيف، ولو أدى ذلك إلى فتنة وحيف، ومعلوم ما في هذا القول من الفساد والإفساد، والشقاق والعناد، ولذلك حذرنا منه خير هاد – ﷺ أبد الآباد – وقد تقدم حديث عوف بن مالك، وعبادة بن الصامت، ومعاوية – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – وفيها التنصيص على أنه لا يجوز الخروج على الأئمة وإن جاروا، وعصوا ما أقاموا الدين، ولم يظهروا الكفر المبين.
_________________
(١) وهذه تكاد تكون فرضية، وتتصور في إمام عاقل أُخبر بأن الأمة لا تريده لما جرى منه من فسق وجور فلم يعارض ذلك، واستجاب له.
[ ١٢٠ / ٥ ]
.. وهذا إذا لم يقدروا على خلعه بلا فتنة وظلم وحرب كما قرر ذلك أئمة الدين ففي فتح الباري نقلا ً عن الداودي بواسطة ابن التين – عليهما رحمة رب العالمين – قال: الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه فلا فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر ١هـ ونحوه في تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار، وحاشيته رد المحتار، وحاصل ذلك أن الإمام إذا جار لا ينعزل إذا كان يترتب على عزله فتنة ومفسدة احتمالًا لأخف المضرتين وأدناهما أو كان له قهر وغلبة لعوده بالقهر والغلبة، فلا يفيد عزله، وإن لم يكن له قهر ومنعة، ولا يترتب على عزله مفسدة ومضرة ينعزل بجوره (١) .
واعلم- علمني الله وإياك - أنه بهذا التفصيل يظهر أنه لا تعارض بين قول بعض أهل السنة الكرام: تنفسخ إقامة الخليفة بفسقه الظاهر المعلوم، ويخلع، وبين قول من قال من أهل السنة الأبرار: لا يجوز القيام عليه، ولا خلعه إذا ارتكب فسقًا، فالقول الأول ينزل على الحالة الأولى والثانية على الثانية، ولا تعارض بينهما، والله تعالى أعلم.
تنبيهان:
الأول: في حالة طاعة الإمام الذي طرأ عليه الفسق ينبغي ضرورة الالتزام بأمرين، فالتفريط بأحدهما هلاك:
_________________
(١) انظر فتح الباري: (١٣/٨)، ورد المحتار: (٤/٢٦٤)، وانظر البحث في هذه المسألة في شرح الإمام النووي على صحيح مسلم: (١٢/٢٢٩)، والجامع لأحكام القرآن: (١/٢٧١)، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن –: (١/٢٧١)، والأحكام السلطانية للماوردي: (١٧) .
[ ١٢٠ / ٦ ]
أ) إذا أمر الإمام بمعصية فلا سمع له ولا طاعة، ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن عمر – رضي الله تعالى عنهما – أن النبي – ﷺ – قال: "على المرء المسلم السمع والطاعة، فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية، فلا سمع له ولا طاعة (١)
_________________
(١) انظر صحيح البخاري – كتاب الجهاد – باب السمع والطاعة للإمام –: (٦/١١٥)، وكتاب الأحكام – باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية –: (١٣/١٢١) بشرح ابن حجر فيهما، وصحيح مسلم – كتاب الإمارة – باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية –: (٤/١٤٦٩)، وسنن أبي داود – كتاب الجهاد – باب في الطاعة –: (٣/٩٣)، وسنن الترمذي – كتاب الجهاد – باب ما جاء لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق –: (٦/٣٠)، وسنن النسائي – كتاب البيعة – باب جزاء من أمر بمعصية فأطاع –: (٧/١٤٢)، وسنن ابن ماجه – كتاب الجهاد – باب لا طاعة في معصية الله –: (٢/٩٥٦) والمسند: (٢/١٧، ١٤٢)، وشرح السنة – كتاب الإمارة والقضاء – باب الطاعة في المعروف: (١٠/٤٣) ..
[ ١٢٠ / ٧ ]
"، وفي الصحيحين وغيرهما أيضًا عن علي – رضي الله تعالى عنه – قال: بعث رسول الله – ﷺ – سرية، واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطبًا، فجمعوا له، ثم قال: أوقدوا نارًا، فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله – ﷺ – أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله – ﷺ – من النار، فكانوا كذلك، وسكن غضبه، وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي – ﷺ – فقال: "لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف" وفي رواية "لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف (١) ".
_________________
(١) انظر صحيح البخاري – كتاب المغازي – باب ٥٩: (٨/٥٨)، وكتاب الأحكام – باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية –: (١٣/١٢٢)، وأول كتاب أخبار الآحاد –: (١٣/٢٣٣) بشرح ابن حجر في الجميع – وصحيح مسلم – كتاب الإمارة – باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية: (٤/١٤٦٩)، وسنن أبي داود – كتاب الجهاد – باب في الطاعة –: (٣/٩٢)، وأشار إليه الترمذي في كتاب الجهاد – باب لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق – ق: (٦/٣٠)، وهو في سنن النسائي – كتاب البيعة – باب جزاء من أمر بمعصية فأطاع –: (٧/١٤٢)، والمسند: (١/٨٢، ٩٤، ١٢٤) وانظره من رواية أبي سعيد الخدري – رضي الله تعالى عنه – في سنن ابن ماجه – كتاب الجهاد – باب لا طاعة في معصية الله –: (٢/٩٥٥)، والمسند: (٣/٦٧)، وانظر روايات متعددة عن عدة من الصحابة الكرام – رضي الله تعالى عنهم – فيها البيان التام بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الرحمن في مجمع الزوائد: (/٢٢٥-٢٢٩) كتاب الخلافة – باب لا طاعة في معصية الله – ﷿.
[ ١٢٠ / ٨ ]
ب) ينبغي على الرعية نصح الإمام إذا جرى منه ما يوقعه في الفسق والعصيان، فذلك من الواجبات العظام، وعليه يقوم أمر الإسلام، كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن تميم الداري – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله – ﷺ – قال: "الدين النصيحة، قلنا لمن: قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم (١) ".
_________________
(١) انظر صحيح مسلم – كتاب الإيمان – باب بيان أن الدين النصيحة –: (١/٧٤)، وسنن النسائي – كتاب البيعة – باب النصيحة للإمام: (٧/١٤٠)، وسنن أبي داود – كتاب الأدب – باب في النصيحة: (٥/٢٣٣)، وكتاب السنة لابن أبي عاصم: (٢/٥١٩)، والمسند: (٤/١٠٢)، وكلهم من رواية تميم الداري، ورواه النسائي في المكان المتقدم عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – وعنه أيضًا الترمذي في كتاب البر والصلة – باب ما جاء في النصيحة –: (٦/١٧٣)، وابن أبي عاصم في السنة: (٢/٩٠)، وأحمد في المسند: (٢/٢٩٧)، ورواه عن ابن عمر – رضي الله تعالى عنهما – الدارمي – في كتاب الرقاق – باب الدين النصيحة: (٢/٣١١)، وعنه رواه البزار مختصرًا كما في مجمع الزوائد: (١/٨٧) ورجاله رجال الصحيح، ورواه عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – الإمام أحمد في المسند: (١/٣٥١)، وعنه أيضًا رواه البزار، والطبراني في الكبير وأبو يعلى كما في مجمع الزوائد: (١/٨٧) ورواه عن ثوبان – رضي الله تعالى عنه – ابن أبي عاصم في السنة: (٢/٥٢١)، والطبراني في الأوسط وفيه أيوب بن سويد وهو ضعيف لا يحتج به كما في مجمع الزوائد: (١/٨٧)، والحديث علقه البخاري بصيغة الجزم – في كتاب الإيمان – باب قول النبي – ﷺ –: "الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم": (١/١٣٧) بشرح ابن حجر، قال الحافظ: أورده المصنف هنا ترجمة باب، ولم يخرجه مسندًا في هذا الكتاب لكونه على غير شرطه، ونبه بإيراده على صلاحيته في الجملة.
[ ١٢٠ / ٩ ]
وقد بين لنا نبينا – ﷺ – أن كلمة الحق عند الإمام الجائر، من أعظم ما يقرب إلى الرب القاهر، ففي السنن بإسناد صحيح حسن عن أبي عبد الله طارق ابن شهاب البجلي الأحمس أن رجلًا سأل النبي – ﷺ –: أي الجهاد أفضل؟ قال: "كلمة حق عند سلطان جائر (١) ".
_________________
(١) انظر سنن النسائي – كتاب البيعة – باب فضل من تكلم بالحق عند إمام جائر –: (٧/١٤٤)، وسنده صحيح كما في الترغيب والترهيب: (٣/٢٢٥)، وهو في المسند: (٤/٣١٤، ٣١٥)، ورواه عن أبي أمامة – رضي الله تعالى عنه – ابن ماجه في كتاب الفتن – باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (٢/١٣٣٠) وإسناده صحيح أيضًا كما في الترغيب والترهيب: (٣/٢٢٥)، وهو في المسند: (٢٥١، ٢٥٦)، ورواه ابن ماجه أيضًا في نفس المكان عن أبي سعيد الخدري – رضي الله تعالى عنه – وهو في المسند: (٣/١٩، ٦١)، وكتاب العزلة للخطابي: (٨٦)، وسنن الترمذي – كتاب الفتن – باب ما جاء أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر –: (٦/٣٣٨)، وسنن أبي داود – كتاب الملاحم – باب الأمر والنهي: (٤/٥١٤) قال الترمذي هذا حديث حسن غريب، وأشار إلى رواية أبي أمامة فقال: وفي الباب عن أبي أمامة – رضي الله تعالى عنه – ١هـ وفي سند حديث أبي سعيد – رضي الله تعالى عنه – عطية العَوْفي وهو صدوق ويخطئ كثيرًا وهو مدلس أيضًا كما في التقريب: (٢/٢٤)، وقد عنعن في السند، وحديث أبي أمامة، وطارق بن شهاب – رضي الله تعالى عنهم – يشهد له، ولأجل ذلك حسنه الترمذي، وانظر الترغيب والترهيب: (٣/٢٢٥)، وتعليق الشيخ الأرناؤوط على جامع الأصول: (١/٣٣٣) .
[ ١٢٠ / ١٠ ]
فليحذر المسلم المهتدي من التفريط في هذين الأمرين، ليفوز في الدارين، ثبت في المستدرك والسنن بإسناد صحيح حسن عن كعب بن عجرة – رضي الله تعالى عنه – قال: خرج إلينا رسول الله – ﷺ – ونحن تسعة، وخمسة وأربعة، أحد العددين من العرب، والآخر من العجم فقال: "اسمعوا، هل سمعتم؟ إنه سيكون بعدي أمراء، فمن دخل عليهم، فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فليس مني، ولست منه، وليس بوارد عليّ، ومن لم يدخل عليهم، ولم يعنهم على ظلمهم، ولم يصدقهم، فهو مني، وأنا منه، وهو وراد على الحوض (١)
_________________
(١) انظر سنن الترمذي – كتاب الفتن – باب تحريم إعانة الحاكم الظالم –: (٧/٣٨)، وقال: هذا حديث صحيح غريب لا نعرفه إلى من حديث مسعر من هذا الوجه، وفي الباب عن حذيفة وابن عمر – رضي الله تعالى عنهم –، ورواه أيضًا في كتاب الصلاة – باب ما ذكر في فضل الصلاة –: (٢/٣٧٣)، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وسنن النسائي – كتاب البيعة – باب الوعيد لمن أعان أميرًا على الظلم –، ورواه في الباب الذي بعده – باب من لم يعن أميرًا على الظلم –: (٧/١٤٣)، والمستدرك – كتاب الفتن والملاحم: (٤/٤٢٢)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، والمسند: (٥/٢٤٣)، وصحيح ابن حبان – موارد الظمآن – كتاب الإمارة – باب فيمن يدخل على الأمراء –: (٣٧٨)، وحلية الأولياء: (٧/٢٤٩، ٨/٢٤٨)، وكتاب العزلة للخطابي: (٨٦)، والحديث رواه الإمام أحمد في المسند: (٣/٣٢١، ٣٩٩) عن جابر بن عبد الله، ورواه في: (٤/٢٦٧) عن النعمان بن بشير، وفي: (٥/٣٨٤) عن حذيفة، وفي: (٢/٩٥) عن ابن عمر، وهو في مسند ابن عمر للطرسوسي: (٤٠) رقم ٧٠، ورواه الإمام أحمد في: (٣/٢٤) عن أبي سعيد الخدري، وفي: (٥/١١١) عن خباب بن الأرت، ورواه عن الأخيرين ابن حبان في المكان المتقدم، وانظر مجمع الزوائد – كتاب الخلافة – باب في أبوب السلطان والتقرب منها، وباب الكلام عند الأئمة، وباب فيمن يصدق الأمراء بكذبهم ويعينهم على ظلمهم –: (٧/٢٤٦-٢٤٨) فقد أورد الإمام الهيثمي أحاديث كثيرة في ذلك المعنى – رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين – وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
[ ١٢٠ / ١١ ]
".
وهذا الأمر – أي نصح الأئمة، والجهر بالحق عندهم – إذا لم تقم به الأمة، فقد تُوُدِّعَ منها ولا خير فيها، وسيحل البلاء بها، وينزل سخط الله عليها، كما ثبت هذا عن نبينا – ﷺ – ففي المسند والمستدرك بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر – رضي الله تعالى عنهما – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "إذا رأيت أمتي تهاب الظالم إن تقول له: إنك ظالم فقد تُوُدِّعَ منهم (١) ".
_________________
(١) - انظر المسند: (٢/٦٣، ١٩٠)، والمستدرك – كتاب الأحكام –: (٤/٩٦)، والحديث رواه البزار والطبراني كما في مجمع الزوائد: (٧/٢٦٢، ٢٧٠)، وقد صححه الحاكم فقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، والمنذري أيضًا في الترغيب والترهيب: (٣/٢٣٢)،وقال الشيخ شاكرفي تعليقه على المسند: (١٠/٣٩) ٦٥٢١ إسناده صحيح، والحديث ذكره السيوطي في الجامع الكبير: (١/٥٩)، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلى ابن عدي، والبيهقي في شعب الإيمان، والحديث رواه الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله – رضي الله تعالى عنهما كما في مجمع الزوائد: (٧/٢٧٠)، قال الهيثمي فيه: سنان بن هارون، وهو ضعيف، وقد حسن الترمذي حديثه، وبقية رجاله ثقات، ونسب السيوطي في الجامع الكبير: (١/٥٩) تخريجه أيضًا إلى الحاكم عن سليمان بن كثير بن أسعد بن عبد الله بن مالك الخزاعي عن أبيه عن جده.
[ ١٢٠ / ١٢ ]
وإذا قام المسلم بذلك فقد أدى ما عليه، وخرج من العهدة، وبرئت ذمته من جور الأئمة، ويا ويل الأئمة ثم يا وليهم، إذا لم يلتزموا بما نُصحوا، وانحرفوا عن شرع الله وقسطوا، قال الله – جل وعلا –: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١)﴾ وفي الصحيحين أن عبيد الله بن زياد أمير البصرة في زمن معاوية وولده يزيد عاد الصحابي الجليل معقل بن يسار – رضي الله تعالى عنهم – في مرضه، فقال له معقل: إني محدثك حديثًا سمعته عن رسول الله – ﷺ – سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة" وفي رواية في الصحيحين أيضًا: "ما من والٍ يلي رعية من المسلمين، فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة (٢) ".
_________________
(١) من سورة الجن: (١٥)، والقاسطون هم الجائرون، من قسط إذا جار، أما أقسط فبمعنى عدل كما في تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: (٤٩٠)، ومدارك التنزيل: (٥/٢٧٣)، والجامع لأحكام القرآن: (١٩/١٦) وفتح القدير: (٥/٢٩٩)، والبحر المحيط: (٨/٣٥٠) .
(٢) انظر روايتي الحديث الشريف في صحيح البخاري – كتاب الأحكام – باب من استرعى رعية فلم ينصح: (١٣/١٢٧) بشرح ابن حجر، وصحيح مسلم – كتاب الإيمان – باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار: (١/١٢٥-١٢٦)، وكتاب الإمارة – باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر –: (٣/١٤٦٠)، والمسند: (٥/٢٥)، وسنن الدارمي – كتاب الرقاق – باب العدل بين الرعية: (٢/٣٢٤) .
[ ١٢٠ / ١٣ ]
وفي المسند وسنن الترمذي عن أبي سعيد الخدري – رضي الله تعالى عنه – قال، قال رسول الله – ﷺ –: "إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة، وأدناهم منه مجلسًا إمام عادل وأبغض الناس إلى الله، وأبعدهم منه مجلسًا إمام جائر (١)
_________________
(١) انظر المسند: (٣/٢٢، ٥٥)، وسنن الترمذي – كتاب الأحكام – باب ما جاء في الإمام العادل: (٥/٩)، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي الباب عن عبد الله بن أبي أوفى – رضي الله تعالى عنه – رواه الطبراني في الأوسط مختصرًا كما في الترغيب والترهيب: (٣/١٦٧) بلفظ: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة إمام جائر" والحديث في سنده عطيه العَوْفي وهو صدوق ويخطئ كثيرًا وكان يدلس كما في التقريب: (٢/٢٤)، وقد عنعن، ولكن للحديث شواهد كثيرة، ولذلك حسنه الترمذي ونقل المنذري في الترغيب والترغيب تحسين الترمذي ولم يعقبه، وانظر تعليق الشيخ الأرناؤوط على جامع الأصول: (٤/٥٥) . قال مقيد هذه الصفحات – غفر الله الكريم له سائر الزلات –: نظرًا لانحراف أكثر الأئمة الذين جاؤوا بعد الخلافة الراشدة، وعدم قبولهم نصيحة الناصحين، اعتزلهم غالبية العلماء الصالحين، ومن اضطر منهم للمخالطة صدع بالحق المبين، وقد قرر الغزالي في إحياء علوم الدين أن الواجب الاعتزال عن السلاطين، إذ لا سلامة إلا فيه، وقال: فإن قلت: كان علماء السلف الصالح يدخلون على السلاطين، فأقول: نعم، تعلَّمِ الدخولَ منهم ثم ادخل، ثم سرد عدة قصص لعلماء السلف الطيبين في دخولهم على السلاطين ونصحهم لهم وزجرهم عن الباطل والجور، انظر هذا وما يتعلق به في الإحياء: (١٤٠-١٤٥)، وقال الخطابي في كتاب العزلة: (٨٦) معلقًا على حديث كعب بن عجرة – رضي الله تعالى عنه – وقد تقدم في صفحة: () ليت شعري الذي يدخل عليهم اليوم فلا يصدقهم على كذبهم، ومن الذي يتكلم بالعدل إذا شهد مجالسهم، ومن الذي ينصح، ومن الذي ينتصح منهم؟ إن أسلم لك – يا أخي – في هذا الزمان، وأحوط لدينك أن تقل من مخالطتهم وغشيان أبوابهم، ونسأل الله – ﵎ – الغنى عنهم، والتوفيق لهم ١٠هـ وذكر نحو ذلك ابن الجوزي في صيد الخاطر: (٢٨٦-٢٨٨)، والسمرقندي في تنبيه الغافلين: ٢٧٠-٢٧٣، وانظر مسلك الإمام أحمد مع الخليفة المتوكل، ومع أمير خراسان ابن طاهر في مناقب الإمام أحمد: (٣٧٥-٣٧٩) وعقب ابن الجوزي على ذلك بقوله: وإنما امتنع الإمام أحمد من زيارة ابن طاهر لأنه كان سلطانًا، وإلا فقد كان يزور أهل العلم والتدين، وانظر كتاب الإسلام بين العلماء والحكام، ويقع في قرابة خمسين ومائتي صفحة، وركز النظر على فصل: العلماء ينصحون الحكام، وفصل: العلماء ومواجهة الحكام. وانظر قصة أبي حازم مع سليمان بن عبد الملك عند لقائه إياه، واجتماعه به في سنن الدارمي – المقدمة – باب في إعظام العلم –: (١/١٢٥-١٢٦)، وانظر قول ابن أبي ذئب لأبي جعفر المنصور: إنك لا تعدل في الرعية، ولا تقسم بالسوية، في آداب الشافعي ومناقبه: (٣٢٠-٣٢١)، وانظر أخبارًا أخرى له مع المنصور تشبه ما تقدم في تاريخ بغداد: (٢/٢٩٨-٣٠٠)، وانظر لزامًا معاتبة شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك لإسماعيل بن عُلَيَّة؛ لاتصاله بهارون الرشيد، وولايته له ديوان المظالم في ميزان الاعتدال: (١/٢١٨)، وتهذيب التهذيب: (١/٢٧٧)، وجامع بيان العلم: (١/١٦٥)، والصواعق المحرقة: (٣٠٩) . واعلم – وفقك الله – أن ذينك المسلكين – الاعتزال، أو الدخول للنصح – من سلفنا الكرام تجاه الحكام، كان في ظل الخلافة الإسلامية، لكن أكثر أولئك الأمراء دخلوا في بعض الأمور الردية، وقد تغيرت الأمور تغييرًا جذريًا بعد ضياع الخلافة الإسلامية، وبذل الكفار كل غالٍ ورخيص في القضاء عليها، وأصبح الذين يتقلدون الأمور هم حثالة الناس وسقطهم، وهم شياطين في صورة آدميين، إلا من عصم الله منهم ورحم، وقد أخبرنا النبي – ﷺ – عن وقوع ذلك واعتبره من علامات فساد الكون، وأشراط الساعة، فقال – ﷺ –: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع". انظر سنن الترمذي – كتاب الفتن – باب ٣٧: (٦/٣٦٣) عن حذيفة – رضي الله تعالى عنه – وقال الترمذي: هذا حديث حسن، والمسند: (٥/٣٨٩)، ورواه الإمام أحمد في المسند أيضًا عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – في: (٢/٣٢٦، ٣٥٨)، وعن بعض أصحاب النبي – ﷺ – في: (٥/٤٣٠) ولم يرفعه، وعن أبي بردة بن نيار – رضي الله تعالى عنه – في: (٣/٤٦٦)، وروايته أخرجها الطبراني باختصار كما في مجمع الزوائد: (٧/٣٢٠)، وقال الهيثمي: رجال أحمد ثقات، وعنون عليه بابًا في كتاب الفتن، فقال: باب لا تذهب الدنيا حتى تكون للكع بن لكع، ثم قال: ويأتي لهذا الحديث طرق في أمارات الساعة من حديث عمر وأنس وأبي ذر رضي الله تعالى عنهم أجمعين –، وقد ذكر رواياتهم في مجمع الزوائد: (٧٤/٣٢٥-٣٢٦)، فرواية عمر أخرجها الطبراني في الأوسط بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات، ورواية أنس رواها أيضًا الطبراني في الأوسط ورجال السند رجال الصحيح غير الوليد بن عبد الملك بن مرح، وهو ثقة، ورواية أبي ذر رواها الطبراني في الأوسط أيضًا، ورجال السند وثقوا، وفي بعضهم ضعف ١٠هـ. واللكع هو: اللئيم، والوسخ، والأحمق، قال النضر بن شُمَيْل: يقال للرجل إذا كان خبيث الفعال شحيحًا قليل الخير: إنه للكوع ١هـ من اللسان: (١٠/١٩٩) "لكع"، وقد فسره الأسود بن عامر أحد رواة الحديث في المسند: (٢/٣٢٦) بالمتهم بن المتهم، وانظر غريب الحديث: (٢/٢٣٣-٢٣٤)، والفائق: (٢/٤٧٤)، وقد اعتبر النبي – ﷺ – من علامة حلول البلاء بالأمة كون زعيم القوم أرذلهم، كما في سنن الترمذي – كتاب الفتن – باب ما جاء في علامة حلول المسخ والقذف: (٦/٣٦٣)، عن علي – رضي الله تعالى عنه – مرفوعًا، وقال الترمذي: حديث غريب، ورواه عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – مرفوعًا أيضًا، وقال إنه غريب، نسأل الله الفرج، وحسن الخاتمة، إنه سميع مجيب.
[ ١٢٠ / ١٤ ]
".
التنبيه الثاني:
لا يجوز أن يكون للمسلمين في الدنيا إلا خليفة واحد، كما قرر ذلك الشرع المطهر، لئلا يتفرق شمل المسلمين، ويتشتت شملهم، وتضع منزلتهم، وتتلاشى مكانتهم، وتضمحل هيبتهم، وتذهب ريحهم وقوتهم، ويصيح بأسهم بينهم، ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدري – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما (١)
_________________
(١) انظر صحيح مسلم – كتاب الإمارة – باب إذا بويع لخليفتين: (٢/٢٤٢) بشرح النووي، ورواه البيهقي في السنن الكبرى – كتاب قتال أهل البغي – باب لا يصلح إمامان في عصر واحد –: (٨/١٤٤) والبغوي في شرح السنة – كتاب الإمارة والقضاء – باب من يخرج على الإمام والوفاء ببيعة الأول: (١٠/٥٦)، وفي المستدرك: (٢/١٥٦)، وقد أخرج مسلم، ثم ذكر ما تقدم، والحديث رواه الطبراني في الأوسط، والبزار عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – وفيه أبو هلال وهو ثقة كما في مجمع الزوائد – كتاب الخلافة – باب النهي عن مبايعة خليفتين: (٥/١٩٨)، ورواه الطبراني في الكبير والأوسط بسند رجاله ثقات عن سعيد بن جبير أن عبد الله بن الزبير قال لمعاوية – رضي الله تعالى عنهم أجمعين –: وأنت يا معاوية أخبرتني أن رسول الله – ﷺ – قال: "إذا كان في الأرض خليفتان، فاقتلوا أخرهما" انظر مجمع الزوائد: (٥/١٩٨)، ورواه الخطيب في تاريخ بغداد: (١/٢٣٩) عن أنس – رضي الله تعالى عنه – وورد في سنن البيهقي: (٨/١٤٤) قال البيهقي: وروينا في حديث السقيفة أن الأنصار حين قالوا: منا رجل ومنكم رجل، قال عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – يومئذ: سيفان في غمد لا يصطلحان، وقال أبو بكر – رضي الله تعالى عنه – في خطبته يومئذ: وإنه لا يحل أن يكون للمسلمين أميران، هنالك تترك السنة، وتظهر البدعة، وتعظم الفتنة، وليس لأحد على ذلك صلاح. وقال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين – إن تعدد الحكام في بلاد المسلمين، لا يقل خطورة وشناعة عن تعدد الأزواج لزوجة واحدة، ومعلوم ما في ذلك من الفساد المبين – حفظنا الله بمنه وكرمه من سائر الفتن أجمعين.
[ ١٢٠ / ١٥ ]
" قال الإمام النووي – عليه رحمة الله تعالى –: واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد، سواء اتسعت دار الإسلام، أم لا، وقال إمام الحرمين في كتابه "الإرشاد" قال أصحابنا لا يجوز عقد لشخصين، قال: وعندي أنه لا يجوز عقدها لاثنين في صقع واحد، وهذا مجمع عليه، قال: فإن بعد ما بين الإمامين، وتخلت بينهما شسوع فللاحتمال فيه مجال، قال: وهو خارج من القواطع، وحكى المازري: هذا القول عن بعض المتأخرين من أهل الأصل، وأراد به إمام الحرمين، وهو قول فاسد مخالف لما عليه السلف والخلف، لظواهر إطلاق الأحاديث، والله أعلم ١٠هـ (١) .
_________________
(١) انظر شرح صحيح مسلم: (١٢/٣٢)، ونقل الأُبُّي في إكمال المعلم، والسنوسي في مكمل إكمال المعلم مطبوعان معًا الثاني منهما في الحاشية: (٥/٢٠٤) عن القاضي عياض رد قول إمام الحرمين والحكم عليه بأنه غير سديد، وهو مخالف لما عليه السلف والخلف، ولظاهر إطلاق الأحاديث ١٠هـ ومن العجيب أن يرد القرطبي في تفسيره: (١/٢٧٤) قول الكرامية المجوزين نصب خليفتين في عصر واحد لجواز بعث نبيين في عصر واحد، كحال علي ومعاوية – رضي الله تعالى عنهما – بقوله: والجواب أن ذلك جائز لولا منع الشرع منه، لقوله: "فاقتلوا الآخر منهما"، ولأن الأمة مجمعة عليه، وأما معاوية فلم يدع الإمامة لنفسه، وإنما ادعى ولاية الشام بتولية مَنْ َقْبَلُه من الأئمة، ومما يدل على هذا إجماع الأمة في عصرهما على أن الإمام أحدهما، وما قال أحدهما: إني أمام، ومخالفي إمام، فإن قالوا: العقل لا يحيل ذلك، وليس في السمع ما يمنع منه، قلنا: أقوى السمع الإجماع، وقد وجد على المنع ١هـ من العجيب حقًا أن يرد القرطبي قول الكرامية، ويعلل المنع أيضًا بأن وجود إمامين يؤدي إلى النفاق والشقاق، وحدوث الفتن والافتراق، وزوال النعم، ثم يقول: لكن إن تباعدت الأقطار، وتباينت كالأندلس وخراسان جاز ذلك ١هـ كيف يجوز ذلك، والإجماع قام على منع التعدد مطلقًا كما قرر هو وما توهمه من مسوغ التعدد لتباعد الأقطار مجرد وهم، لأن الأمير من قبل الخليفة يدير أمر تلك البلدة مع ارتباطه بالخلافة، لتكون كلمة المسلمين واحدة، مرتبطة بقيادة واحدة، وبذلك تتم وحدتها، ويجتمع شملها. ولزيادة البصيرة بالقول الحق، والثقة به انظر الأحكام السلطانية للماوردي: (٩) وفيه: وإذا عقدت الإمامة لإمامين في بلدين لم تنعقد إمامتهما، لأنه لا يجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد، وإن شذ قوم فجوزره ١هـ وحكى الإمام الشافعي – عليه رحمة الله – في الرسالة: (٤١٩) أن مما أجمع عليه المسلمون أن يكون الخليفة واحدًا وفي الأحكام السلطانية للفرَّاء: ٢٥ ولا يجوز عقد الإمامة لإمامين في بلدين في حالة واحدة ١هـ وفي كتاب مراتب الإجماع لابن حزم وإقرار ابن تيمية له: (١٢٤) واتفقوا أنه لا يجوز أن يكون على المسلمين في وقت واحد في جميع الدنيا إمامان لا متفقان ولا مفترقان، ولا في مكانين ولا في مكان واحد ١هـ وفي المحلي: (٩/٣٦٠)، ولا يصح أن يكون في الدنيا إلا إمام واحد ١هـ والله تعالى أعلم.
[ ١٢٠ / ١٦ ]
وما ذكره الإمام النووي لا ينبغي التوقف في صوابه، كما لا ينبغي التوقف في بطلان قول إمام الحرمين، فالنص بخلافه، وإذا صادم القياس نصًا فهو فاسد الاعتبار، ومطروح لا يلتفت إليه ومع هذا فهو فاسد أيضًا من حيث النظر، فالمفاسد التي تنتج من تعدد الخلفاء جسيمة وخيمة أفظعها تفريق أوصال الأمة، وتشتيت شملها، هذا إذا لم يجر الأمر إلى التناحر والمنازعات بين الخلفاء، مع أن واقع تعدد الأمراء سينتج عنه الشقاق بلا نزاع، والواقع أكبر دليل على ذلك وصدق الله إذ يقول: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ الأنبياء٢٢ فعند تعدد الخلفاء يصبح بأس الأمة فيما بينها، وتترك الأمة تبليغ دعوة ربها، وتهمل نشرها، مع أن ذلك هو عملها ووظيفتها.
والملاحظ أن تعدد الخلفاء مع دلالته على التفرق والتمزق، والتنافر والتناحر فيما بين أولئك فهو يدل دلالة واضحة على تشتيت أمر كل خليفة من أولئك الخلفاء في خلافته، وما تعدد الحكام إلا لتضعضع أمر الخلافة الأولى، وتشتت شملها، حيث أدى ذلك لانقسامات الداخلية، ولاستبداد الأمراء بحكم ولاياتهم، بحيث كان الخليفة صورة لا حقيقية، ولم يكن له من الخلافة إلا الاسم، مما أدى ذلك في النهاية إلى انفصال أجزاء عن بناء الدولة المسلمة، وانسلاخ بلدان عن جسمها، فالتشتت الداخلي أدى للانسلاخ الخارجي، وبذلك تعلم أن تعدد الخلفاء نذير بكل سوء، لدلالته على تفرق الكلمة، وتشتت الشمل داخلًا وخارجًا، والله المستعان، وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
أسباب انتشار مذهب الاعتزال أهل الزيع والضلال:
[ ١٢٠ / ١٧ ]
.. بعد تلك الجولة المباركة، في بيان أسس مذهب الاعتزال الباطلة، وتقرير صحة أقوال أهل السنة الثابتة، سأكمل البيان في بيان سبب انتشار مذهب المعتزلة أهل الزيع والهذيان (١)، وأستمد التوفيق من ربي الرحمن، فهو الجواد ذو الجلال والإكرام.
إن المتفحص في مذاهب المبطلين، يرى أن مذهب المعتزلة أكثرها انتشارًا في بلدان المسلمين ولذلك أسباب كثيرة، أبرزها:
١- اتصالهم بالخلفاء والأمراء: واستطاعوا بدهائهم جلبهم إليهم، فتبنى عدد منهم أقوالهم وركنوا إليهم، وأسندوا إليهم مهام دولتهم، فعمرو بن عبيد المؤسس الثاني لمذهب الاعتزال كان جليس الخليفة أبي جعفر المنصور، وصفيه، وأحمد بن أبي دؤاد كان قاضي القضاة لثلاثة من الخلفاء، المعتصم، ثم الواثق، ثم المتوكل، وفي عهده طرد من القضاء وحل به البلاء، وأبو الهذيل العلاف كان أستاذَ الخليفة المأمون (٢) .
_________________
(١) وبذلك وصفهم هارون الرشيد كما في شرف أصحاب الحديث: (٥٥) فقال: طلبت أربعة فوجدتها في أربعة: طلبت الكفر فوجدته في الجهمية، وطلبت الكلام والشغب فوجدته في المعتزلة، وطلبت الكذب فوجدته في الرافضة، وطلبت الحق فوجدته مع أصحاب الحديث، وقال كما في صفحة: (٧٨) المروءة في أصحاب الحديث، والكلام في المعتزلة، والكذب في الروافض.
(٢) سيأتيك عما قريب ترجمة عمرو بن عبيد، وقد تقدمت ترجمة ابن أبي دؤاد في كتاب التوحيد، وكذلك أبو الهذيل العلاف، وهو إمام القدرية في زمانه، كما في درء تعارض العقل والنقل: (١/٣٠٥) .
[ ١٢٠ / ١٨ ]
.. ذلك هو حال المعتزلة مع جهاز الحكم، وأهل السنة كانوا على نقيض ذلك تمامًا، وسبب ذلك ما قدمته من وجود شيء من الخلل في جهاز الحكم، وتلبس الحكام بشيء من الظلم فآثر أهل السنة الابتعاد عنهم، ومن اضطر لمخالطتهم نصحهم ولم يركن إليهم، وما أرادوا بالأمرين إلا الاحتراز من الشين، وإرضاء رب الكونين، وفي سنن الدارمي عن ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه –: من أراد أن يكرم دينه فلا يدخل على السلطان، ولا يخلون بالنسوان ولا يخاصمن أهل الأهواء (١) . وقد بلغ الأمر بأهل السنة الكرام أن يحترزوا ممن يخالط السلطان، قال سعيد بن المسيب – عليه رحمة الرحمن الرحيم –: إذا رأيتن العالم يغشى الأمراء فاحترزوا منه، فإنه لص، وقيل للأعمش – رحمه الله تعالى –: لقد أحييت العلم لكثرة من يأخذ عنك، فقال: لا تعجبوا، ثلث يموتون قبل الإدراك، وثلث يلزمون أبواب السلاطين فهو شر الخلق والثلث الباقي لا يفلح منه إلا القليل (٢) .
_________________
(١) انظر سنن الدارمي – المقدمة – باب من قال: العلم الخشية وتقوى الله: (١/٧٧) .
(٢) انظر قول سعيد في الإحياء: (١/٦٦، ٧٤)، وقول الأعمش فيه أيضًا: (١/٧٤)، وفي جامع بيان العلم وفضله: (١/١٨٥)، وفيه أيضًا قال الأعمش: شر الأمراء أبعدهم من العلماء، وشر العلماء أقربهم من الأمراء، وانظره في بهجة المجالس: (١/٣٢٢)، وقد ورد معنى هذا في حديث رواه ابن ماجه في – المقدمة – باب الانتفاع بالعلم والعمل به: (١/٩٤) عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله – ﷺ – قال: "إن أبغض القراء إلى الله الذين يزورون الأمراء" قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: (١/٧٤): سنده ضعيف. وللإمام ابن الجوزي – رحمه الله تعالى – نظرات سديدة، وأقوال محكمة رشيدة في هذا الموضوع فمن ذلك قوله في صيد الخاطر: (٤٥٣) العجب ممن عنده مُسْكَةٌ من عقل، أو عنده قليل من دين كيف يؤثر مخالطتهم، فإنه بالمخالطة لهم، أو العمل معهم، يكون قطعًا خائفًا من عزل أو قتل أو سم ولا يمكنه أن يعمل إلا بمقتضى أوامرهم، فإن أمروا بما لا يجوز لم يقدر أن يراجع، فقد باع دينه قطعًا بدنياه إلخ، وقال في صفحة: (٣٤٧): طال تعجبي من مؤمن بالله، مؤمن بجزائه يؤثر خدمة السلطان مع ما يرى منه من الجور الظاهر إلخ، وقال في: (٤٠٢-٤٠٣): وقد تغير الزمان، وفسد أكثر الولاة، وداهنهم العلماء، ومن لا يداهن لا يجد قبولًا للصواب فيسكت، وقد كانت الولايات لا يسألها إلا من أحكمته العلوم، وثقفته التجارب، فصار أكثر الولاة يتساوون في الجهل، فتأتي الولاية على من ليس من أهلها، ومثل هؤلاء ينبغي الحذر منهم، والبعد عنهم، وأخبر عما لقي بنفسه من المخالفة في: (١١٠، ٣٩٩) فقال: كنت قد رزقت قلبًا طيبًا ومناجاة حلوة، فأحضرني بعض أرباب المناصب طعامه، فما أمكن خلافه، فتناولت وأكلت منه فلقيت الشدائد، ورأيت العقوبة في الحال، واستمرت مدة، وغضبت على قلبي، وفقدت ما كنت أجده، فقلت: واعجبًا، لقد كنت في هذا كالمكره، فتفكرت وإذا به قد يمكن مداراة الأمر بلقيمات يسيرة، ولكن التأويل جعل تناول هذا الطعام بشهوة أكثر مما يدفع بالمداراة، فلما تناولت بالتأويل لقمة، واستحليتها بالطبع لقيت الأمرين بفقد القلب فاعتبروا يا أولي الأبصار، ومما يشبه ما جرى لابن الجوزي ما في الإحياء: (٢/٢٠) أن بعض المزكين رد شهادة من حضر طعام سلطان، فقال: كنت مكرهًا، فقال: رأيتك تقصد الأطيب، وتكبر اللقمة، وما كنت مكرهًا عليه ١٠هـ وقد كرر ابن الجوزي الأخبار عن نفسه بما حصل له من تغير وتكدر حالٍ من مخالطة السلاطين، فقال في: (٧٨-٨١): كنت في بداية الصبوة قد ألهمت سلوك طريق الزهاء بإدامة الصوم والصلاة وحبب إليّ الخلوة، فكنت أجد قلبًا طيبًا، وكانت عين بصيرتي قوية الحدة، تتأسف على لحظة تمضي في غير طاعة، وتبادر الوقت في اغتنام الطاعات، ولي نوع أنس وحلاوة ومناجاة، فانتهى الأمر إلى أن صار بعض ولاة الأمور يستحسن كلامي، فأمالني إليه، فمال الطبع، ففقدت تلك الحلاوة ثم استمالني آخر، فكنت أتقي مخالطته، ومطاعمه لخوف الشبهات، وكانت حالي قريبة، ثم حال التأويل فانبسطت فيما يباح، فعدمت ما كنت أجده، وصارت المخالطة توجب ظلمة القلب إلى أن عدم النور كله، فكثر ضجيجي من مرضي، وعجزت عن طب نفسي، فاجتذبني لطف مولاي بي إلى الخلوة على كراهة مني، ورد قلبي على بعد نفوره مني، وأراني عجيب ما كنت أوثره، فأفقت من مرضي غفلتي، ثم ذكر أن أسلم شيء للإنسان العزلة، خصوصًا في زمن مات فيه المعروف، وعاش فيه المنكر، ولم يبق لأهل العلم وقع عند الولاة، فمن داخلهم دخل معهم فيما لا يجوز، ولم يقدر على جذبهم مما هم فيه، ومن تأويل العلماء الذين يعملون لهم في الولايات يراهم منسلخين من نفع العلم، قد ساروا كالشرط فليس إلا العزلة عن الخلق، والإعراض عن كل تأويل فاسد في المخالطة، وقد اعترف كل من داخل السلاطين إن كان من الصالحين بما اعترف به الإمام ابن الجوزي، ولذلك قال الإمام ابن الجوزي في صيد الخاطر: (٢٨٨): ولما بليت أقوام بمخالطة الأمراء، أثر ذلك التكدير في أحوالهم كلها، فقال سفيان بن عيينة – رضي الله تعالى عنه –: منذ أخذت من مال فلان الأمير منعت ما كان وهب لي من فهم القرآن، وأثر ابن عيينة رواه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: (١/٣٦٨) . وقد قرر ابن الجوزي أن مداخلة السلاطين، ومساعدتهم في أعمالهم، تلحق فاعل ذلك بهم ففي صفحة: (٤٢٢) يقول: قال السجان للإمام أحمد بن حنبل – عليه رحمة الله تعالى –: هل أ، امن أعوان الظلمة؟ فقال: لا، أنت من الظلمة، إنما أعوان الظلمة من أعانك في أمر ١٠هـ وفي الإحياء: (٢/١٣، ٢٠، ٩٨، ١٤٩) آثار كثيرة عن سلفنا الصالح تشبه هذا القول، فمن ذلك قول سفيان بن عيينة – رحمه الله تعالى –: لا تخالط السلطان، ولا من يخالطه، وقال: صاحب القلم، والدواة وصاحب القرطاس بعضهم شركاء بعض، وقال رجل لابن المبارك – عليه رحمة الله تعالى –: أنا رجل خياط، وأخيط ثياب السلاطين، فهل تخاف عليّ أن أكون من أعوان الظلمة؟ قال: لا، إنما أعوان الظلمة من يبيع منك الخيط والإبرة، أما أنت فمن الظلمة نفسهم.
[ ١٢٠ / ١٩ ]
ب- وجود عدد منهم من أهل اللسن والفصاحة في كل طبقة من طبقاتهم، فاستطاعوا بذلك استمالة الناس إليهم، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن نبينا – ﷺ – أنه قال: "إن من البيان لسحرًا (١)
_________________
(١) انظر صحيح البخاري – كتاب النكاح – باب في الخطبة –: (٩/٢٠١)، وكتاب الطب – باب إن من البيان لسحرًا: (١٠/٢٣٧) بشرح ابن حجر فيهما، وسنن أبي داود – كتاب الأدب – باب ما جاء في المتشدق في الكلام: (٥/٢٧٥)، وسنن الترمذي – كتاب البر والصلة –: باب ما جاء في أن من البيان سحرًا –: (٦/٣٠)، والموطأ – كتاب الكلام – باب ما يكره من الكلام بغير ذلك الله –: (٢/٩٨٦)، والمسند: (٢/١٦، ٥٩، ٦٢، ٩٤)، ورواه أحمد عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – في: (١/٢٦٩، ٢٧٣، ٣٠٣، ٣٠٩، ٣٢٧، ٣٣٢)، وسنده صحيح كما في تعليق الشيخ شاكر: (٤/١٣٨) رقم ٢٤٢٤ وعن ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه – في: (١/٣٩٧، ٤٥٤) وإسناده صحيح كما في تعليق الشيخ شاكر: (٥/٢٩٣) ٣٧٧٨، ورواه عن معد بن يزيد السلمي – رضي الله تعالى عنه – في: (٣/٤٧٠)، وعن عمار بن ياسر – رضي الله تعالى عنهما – في: (٤/٢٦٣)، وعنه رواه مسلم في كتاب الجمعة: (٦/١٥٨) بشرح النووي، وهو في سنن الدارمي – كتاب الصلاة – باب في قصر الخطبة –: (١/٣٦٥)، والحديث رواه الطبراني عن أنس – رضي الله تعالى عنه – وفيه العباس بن الفضل وهو متروك كما في مجمع الزوائد: (٨/١٢٣) . وأحسن ما يقال في معنى الحديث أن الكلام، إذا وقع على أتم بيان، بأن دخلته الصنعة من الإنسان، بحيث يروق للسامعين، ويستميل قلوبهم، كحال السحر إذا خلب القلب، وغلب على النفس حتى يحول الشيء عن حقيقته، يصرفه عن جهته، فيلوح للناظر في معرض غيره، وهذا إذا صرف إلى الحق يمدح، وإذا صرف إلى الباطل يذم، انظر تفصيل ذلك في فتح الباري، وشرح النووي – في الأماكن المتقدمة، وعارضة الأحوذي: (٨/١٨٢-١٨٣) .
[ ١٢٠ / ٢٠ ]
" فمؤسس المذهب واصل بن عطاء الغزَّال مِنْطيق فصيح ذكي بليغ، وأبو الهذيل العلاف مناظر مفوه، وخطيب مِصْقَعٌ، كان يستشهد بثلاثمائة بيت من الشعر في مناظرته، وقد تقدم في كتاب التوحيد بيان قوة عارضته، وشدة ذكائه، وألمعيته.
ويضاف إلى ذلك الأمر، عنايتهم بالثرثرة، وعدم الاقتصار في الكلام على الضرورة، فمجالسهم قيل وقال، وشغب وجدال، وذلك مما يخدع به السذج الجهال، وقد شهد أمير المؤمنين هارون الرشيد، باتصافهم بذلك الحال، كما تقدم قريبًا فكن منه على بال.
٣- تعاونهم فيما بينهم على نشر ما يدعون إليه وتساندهم في بث ما اتفقوا عليه، حتى استطاعوا في نهاية الأمر، إقناع المأمون بما يدعون إليه من وزر، فصبا إليهم ومال، وتقلد مذهب الخزي والعار، واضطهدوا أئمة السنة الأبرار، وتغيرت الأمور، وتكدرت الأحوال، وكثر البلاء واستطار، إذ تبع ذلك المذهب غفير من الأغمار، واستمر الحال على ذلك العار حتى أزاله العزيز القهار على يد المتوكل إمام الأبرار.
وقد ضرب المتقدمون الأمثال، بتعاون المعتزلة الضلال، فقالوا معبرين عن مدى الاحتفاء والإجلال: اعتد به، كاعتداد الشيعي بالشيعي، والمعتزلي بالمعتزلي (١) – جمعنا الله على الهدى، وحفظنا من الزيغ والردى.
نشأة تلك الفرقة المنكرة، وحكمها في شريعة الله المطهرة:
_________________
(١) انظر تفصيل الكلام على أسباب انتشار مذهب المعتزلة اللئام، في تقديم الأستاذ محمد محيى الدين عبد الحميد لكتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: (٢١-٢٢)، وفي كتاب التنبيه والرد: (٤٠) يقول الإمام أبو الحسن الملطي – رحمه الله تعالى –: واعلم أن للمعتزلة سوى من ذكرناهم جماعة كثيرة قد وضعوا من الكتب والهوس ما لا يحصى، ولا يبلغ جمعه، وهي في كل بلدة وقرية، ولا تخلو منهم الأرض.
[ ١٢٠ / ٢١ ]
.. ظهر مذهب المعتزلة في أوائل المائة الثانية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – كان الناس في قديم الزمان قد اختلفوا في الفاسق المِلِّي، وهو أول اختلاف حدث في الملة، هل هو كافر أو مؤمن؟ فقالت الخوارج: إنه كافر، وقالت الجماعة أهل السنة: إنه مؤمن، وقالت طائفة: نقول هو فاسق، لا مؤمن، ولا كافر، ننزله منزلة بين المنزلتين، وخلدوه في النار، واعتزلوا حلقة الحسن البصري وأصحابه – رحمهم اله جميعًا – فسموا معتزلة (١) .
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى الكبرى: (٣/١٨٢-١٨٣)، وأفاد في: (١٠/٣٥٨) أن انتشارا أمر المعتزلة تم بعد موت الحسن البصري وابن سيرين – عليهما رحمة الله تعالى – وذكر في: (٨/٢٢٨) أن قتادة وغيره قالوا: أولئك المعتزلة.
[ ١٢٠ / ٢٢ ]
.. وأول من قال إن مرتكب الكبيرة: لا مؤمن ولا كافر، إنما هو منزلة بين الإيمان والكفر في الدنيا ومخلد في النار في الآخرة هو: واصل بن عطاء الغزَّال، المتكلم البليغ المتشدق، وكان من تلاميذ الحسن البصري – رحمه الله تعالى – فلما قال ما قال، طرده من مجلسه، فاعتزل عنه، وجلس في ناحية من مسجد البصرة، وانضم إليه عمرو بن عبيد، فقيل لهما ولأتباعهما: المعتزلون، أو المعتزلة لاعتزالهم مجلس الحسن البصري، ولاعتزالهم قول الأمة في دعواهم: إن الفاسق من أمة الإسلام لا مؤمن ولا كافر ٠ قال الذهبي – عليه رحمة الله – في الميزان: كان واصل من أجلاد المعتزلة، قال أبو الفتح الأزدي: هو رجل سوء كافر، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة (١) .
_________________
(١) انظر إيضاح ذلك وترجمة واصل في وفيات الأعيان: (٣/١٣٠، ٢٤٨، ٥/٦١)، وميزان الاعتدال: (٤/٣٢٩) ولسان الميزان: (٦/٢١٤-٢١٥)، وشذرات الذهب: (١/١٨٢-١٨٣)، والفرق بين الفرق: (٢٠-٢١، ١١٧-١١٩)، والتنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع: ٣٨، والملل والنحل: ١/٥٣-٥٧ واحذر ما جاء في طبقات المعتزلة للمعتزلي عبد الجبار: (٢٣٤-٢٤١ من إسفاف ومجازفة في الثناء على واصل الضال، وما ذكره في صفحة: (٢٣٤) من الحديث في فضل واصل: "سيكون في أمتي رجل يقال له واصل، يفصل بين الحق والباطل" فهو من لهو الحدث، ومن أشنع الكلام الخبيث، ولا يصدر إلا من رقيع خسيس.
[ ١٢٠ / ٢٣ ]
.. وقد تبع عمرو بن عبيد واصل بن عطاء على تلك المقالة النكراء، وبلغ من شدة تعلقه به أن زوجه أخته، والطيور على أشكالها تقع، وقال له: زوجتك أختي إذ لم يكن لي بنت، وما بي إلا أن يكون لك عقب، وأنا خاله، فما حقق الله أمنيته، وقطع نسلهما، وماتا جميعًا، ولم يعقبا، وفي الميزان، وتهذيب التهذيب نقلا ً عن ابن حبان – عليه رحمة الرحيم الرحمن – كان عمرو بن عبيد من أهل الورع والعبادة، إلى أن أحدث ما أحدث، واعتزل مجلس الحسن البصري – عليه رحمة الله تعالى – هو وجماعة معه، فمسوا بالمعتزلة – وكان يشتم الصحابة – رضي الله تعالى عنهم – ويكذب في الحديث وَهْمًا لا تعمُّدًا، قال ابن حجر معلقًا على كلام ابن حبان وغيره: والكلام فيه، والطعن عليه كثيرًا جدًا وبذلك ختم ترجمته ٠ وفي البداية والنهاية نقلا ً عن الحسن البصري – عليه رحمة الله تعالى – قال: عمرو بن عبيد سيد شباب القراء ما لم يحدث، قالوا: فأحدث والله أشد الحدث، وقد قال عبد الله ابن المبارك – عليه رحمة الله تعالى –:
أيها الطالب علمًا ايتِ حماد بن زيدِ
فخذِ العلم بحلم ثم قيده بقيدِ
وذر البدعة من آثار عمرو بن عبيدِ
قال الإمام ابن كثير – عليه رحمة الرب الجليل –: وقد كان عمرو بن عبيد محظيًا عند أبي جعفر المنصور، وكان المنصور يحبه ويعظمه، لأنه كان يفد على المنصور مع القراء، فيعطيهم المنصور فيأخذون، ولا يأخذ عمرو منه شيئًا، وكان يسأله أن يقبل كما يقبل أصحابه، فلا يقبل منه، فكان ذلك مما يغر المنصور ويروج به عليه حاله، لأن المنصور كان بخيلا ً، وكان يعجبه ذلك منه وينشد:
كلكم يمشي رويد كلكم يطلب صيد
غير عمرو بن عبيد
[ ١٢٠ / ٢٤ ]
.. ولو تبصر المنصور لعلم أن كل واحد من أولئك القراء خير من ملء الأرض مثل عمر بن عبيد، والزهد لا يدل على صلاح، فإن بعض الرهبان قد يكون عنده من الزهد مال لا يطيقه عمرو، ولا كثير من المسلمين في زمانه، مات عمر سنة ثلاث وأربعين ومائة (١) .
حكم تلك الفرقة:
_________________
(١) انظر ما تقدم وغيره في ميزان الاعتدال: (٣/٢٧٣-٢٨٠)، وتهذيب التهذيب: (/٧٠-٧٥) والبداية والنهاية: (١٠/٧٨-٨٠)، والفرق بين الفرق: (٢٠، ١٢٠-١٢١)، والملل والنحل: (١/٥٦) وتاريخ بغداد: (١٢/١٦٦-١٨٨)، وفيه في: (١٨٣) عن سلام بن أبي مطيع قال: لأنا أرجي للحجاج مني لعمرو بن عبيد، إن الحجاج إنما قتل الناس على الدنيا، وإن عمرو بن عبيد أحدث فتنة، فقتل الناس بعضهم بعضًا، وانظر وفيات الأعيان: (٣/١٣٠-١٣٣)، والمعارف: (٢١٢)، ومروج الذهب: (٣/٣١٣-٣١٤) وشذرات الذهب: (١/٢١١) .
[ ١٢٠ / ٢٥ ]
.. الذي حط عليه كلام المحققين، الحكم عليهم بالضلال، وتفويض شأنهم إلى الكبير المتعال – ﷻ – قال الإمام الذهبي في الميزان، وقال أحمد بن زهير: سمعت يحيى بن معين – عليهم جميعًا رحمة رب العالمين – يقول: كان عمرو بن عبيد من الدهرية، قلت: وما الدهرية؟ قال: الذين يقولون لا شيء، إنما الناس مثل الزرع، وكان يرى السيف، قال المؤلف – الإمام الذهبي – لعن الله الدهرية، فإنهم كفار، وما كان عمرو هكذا ١٠هـ.
[ ١٢٠ / ٢٦ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – عليه رحمة رب البرية –: نصوص الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم ١٠هـ ونقل عن السلف تكفير من نفى الكتاب والعلم من القدرية، ولم يكفروا من أثبت العلم ولم يثبت خلق الأفعال، قال: وأقدم من بلغنا أنه تكلم في تعيين الفرق الهالكة وتضليلهم يوسف بن أسياط، ثم عبد الله بن المبارك – وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين عليهما رحمة رب العالمين – قالا: أصول البدعة: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، فقيل لابن مبارك: والجهمية؟ فأجاب: بأن أولئك ليسوا من أمة محمد – ﷺ – وكان يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية، وهذا الذي قاله اتبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، وقالوا: إن الجهمية كفار فلا يدخلون في الاثنتين والسبعين فرقة، كما لا يدخل فيهم المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام وهم الزنادقة، وقال آخرون من أصحاب أحمد وغيرهم: بل الجهمية داخلون في الاثنين والسبعين فرقة، وجعلوا أصول البدع خمسة، ثم قال شيخ الإسلام: من أخرج الجهمية منهم لم يكفرهم فإنه لا يكفر سائر أهل البدع، بل يجعلهم من أهل الوعيد بمنزلة الفساق والعصاة، ويجعل قوله – ﷺ –: "هم في النار" مثل ما جاء في سائر الذنوب، مثل أكل مال اليتيم وغيره كما قال – ﷻ –: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ النساء١٠.
ومن أدخل الجهمية فيهم – أي: في الفرق الضالة البالغ عدد ثنتين وسبعين فرقة – منهم على قولين:
[ ١٢٠ / ٢٧ ]
.. منهم من يكفرهم كلهم، وهذا إنما قاله بعض المتأخرين المنتسبين إلى الأئمة، أو المتكلمين وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير "المرجئة" و"الشيعة المفضلة" ونحو ذلك، ولم تختلف نصوص الإمام أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء، وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميعه أهل البدع – من هؤلاء وغيرهم – خلافًا عنه، أو في مذهبه، حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم، وهذا غلط على مذهبه وعلى الشريعة.
ومنهم من لم يكفر أحدًا من هؤلاء إلحاقًا لأهل البدع بأهل المعاصي، قالوا: فكما أن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أحدًا بذنب، فكذلك لا يكفرون أحدًا ببدعة، والمأثور عن السلف والأئمة: إطلاق أقوال بتكفير "الجهمية" المحضة (١) .
_________________
(١) انظر ما تقدم في ميزان الاعتدال: (٣/٢٨٠)، ومجموع الفتاوى: (٢٣/٣٤٨، ٣/٣٥٠-٣٥٢) وكرر نحو ذلك في أماكن من مجموع الفتاوى: (٢٨/٥٠، ٣/٢٢٩، ٢٨٢) .
[ ١٢٠ / ٢٨ ]
.. وصفوة كلامه – رحمه الله تعالى – أن من عدا الجهمية لا يكفرون، وفي تكفير الجهمية نزاع، والمنقول عن السلف القول بكفرهم، وبناء على هذا فالمعتزلة ضلال وليسوا بكفار، وهذا ما قرره شيخ الإسلام ابن قدامة في رسالته إلى الشيخ محمد بن الخضر بن تيمية – عليهم جميعًا رحمة الله تعالى – ومما قاله في ذلك: ثم إن الإمام أحمد – الذي هو أشد الناس على أهل البدع – قد كان يقول للمعتصم: يا أمير المؤمنين، ويرى طاعة الخلفاء الداعين إلى القول بخلق القرآن، وصلاة الجمع والأعياد خلفهم ولو سمع الإمام أحمد من يقول هذا القول – تكفير أهل البدع، وتخليدهم في النار – الذي لم يرد عن النبي – ﷺ – ولا عن أحد قبله – أي: قبل الإمام أحمد – لأنكره أشد الإنكار، فقد كان ينكر أقل من هذا (١) .
_________________
(١) انظر الذيل على طبقات الحنابلة: ٢/١٥٦، والرسالة طويلة لخص منها ابن رجب قرابة أربع صفحات، وأشار إلى تأليف ابن قدامة إلى هذه الرسالة في ترجمة ابن قدامة: (٢/١٣٩) فقال في عد تصانيفه، منها: رسالة إلى الشيخ فخر الدين بن تيمية في تخليد أهل البدع في النار. وانظر نحوه ما ذكره ابن قدامة عن الإمام أحمد في مجموع الفتاوى: (٢٣/٣٤٩) وفي: (٨/٤٣٠، ٤٦٠) قرر عدم تكفير الأئمة للمعتزلة ولا لمقابلهم من الجبرية، إنما كفروا من نفى علم الله بالأشياء قبل وقوعها.
[ ١٢٠ / ٢٩ ]
.. قال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين – إطلاق الكفر على الزائغين المبتدعين، من قبل بعض السلف الصادقين، محمول على واحد من أمور أربعة عن المهتدين، فاعلم ذلك ولا تكن من الغافلين، قال الإمام البغوي – عليه رحمة رب العالمين – بعد أن قرر وجوب هجر الزائغين المفسدين، وسير السلف على ذلك الهدي القويم –: ثم هم مع هجرانهم كفوا عن إطلاق اسم الكفر على أحد من أهل القبلة، لأن النبي – ﷺ – جعلهم كلهم من أمته – أي في الحديث المتقدم في افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة –. وروي عن جماعة من السلف تكفير من قال بخلق القرآن، روي ذلك عن الأئمة الكرام مالك، وابن عيينة، وابن المبارك، والليث بن سعد، ووكيع بن الجراح، وغيرهم – ﵏ جميعًا –. وناظر الشافعي – رحمه الله تعالى – حفصًا الفَرْدَ، فقال: حفص: القرآن مخلوق، فقال الشافعي: كفرت بالله العظيم (١) .
والأمور الأربعة التي يحمل عليها إطلاق الكفر على المبتدعين هي:
_________________
(١) انظر شرح السنة: (١/٢٢٨)، وانظر مناقشة الشافعي لحفص الفرد المعتزلي وحكمه بالكفر على من قال بخلق القرآن في الأسماء والصفات: (٢٥٢)، والسنن الكبرى: (١٠/٢٠٦)، ومناقب الشافعي: (١٠/٤٦٠) والانتقاء: (٨٢)، وتبيين كذب المفترى: (٣٣٩)، والمقاصد الحسنة: (٣٠٤)، وفيه: تكفير الشافعي لحفص الفرد ثابت، وانظر كشف الخفاء: (٢/٩٤)، وتدريب الراوي: (٢١٦)، ومنهج ذوي النظر: (١٠٦)، والبداية والنهاية: (١٠/٢٥٤)، ومجموع الفتاوى: (٢٣/٣٤٩)، وآداب الشافعي ومناقبه: (١٩٤)، وذلك الحكم قاله الإمام أحمد أيضًا ففي مسائل الإمام أحمد: (٢٦٢) قال أبو داود: قلت لأحمد: من قال القرآن مخلوق أكافر هو؟ قال: أقول هو كافر.
[ ١٢٠ / ٣٠ ]
١- كفر لا يخرج عن الملة: فهو كفر دون كفر، قال الإمام البغوي وأجاز الشافعي شهادة أهل البدع، والصلاة خلفهم مع الكراهة على الإطلاق، فهذا القول منه دليل على أنه إن أطلق عليه بعضهم اسم الكفر في موضع أراد به كفرًا دون كفر (١) .
٢- فعل المبتدعين، يشابه فعل الكافرين، ولوجود ذلك الاتفاق بينهما، صح إطلاق لفظ الكفر على المبتدعة منهما، ولم تطبق على المبتدعين أحكام الكفر، لقيام شبهة عندهم لهم فيها شائبة عذر، قال الإمام ابن تيمية: وكذلك الإمام الشافعي لما قال لحفص الفَرْد حين قال: القرآن مخلوق، كفرت بالله العظيم، بين له أن هذا القول كفر، ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك، لأنه لا يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله، وقد صرح في كتبه بشهادة أهل الأهواء والصلاة خلفهم (٢) .
_________________
(١) انظر شرح السنة: (١/٢٢٨)، وانظر نحو ذلك التعليل في الذيل على طبقات الحنابلة: (٢/١٥٦) .
(٢) انظر مجموع الفتاوى: (٢٣/٣٤٩)، وقال قبل ذلك: (٢٣/٣٤٦): وحقيقة الأمر في ذلك – أي في تكفير أهل البدع – أن القول قد يكون كفرًا، فيطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال: من قال كذا فهو كافر. لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، ولم يتمكن من فهمها، وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله فيها، ونحو ذلك في: (٧/٦١٩) .
[ ١٢٠ / ٣١ ]
٣- إن ذلك الزيغ سيؤدي إلى الكفر في نهاية المطاف، لما يتلبس به المبتدع من شنيع الأوصاف وإذا كانت المعاصي بريد الكفر، فإن البدع بريدها السريع، مع الضمان الوثيق، لذلك الوصف الشنيع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – عليه رحمة الله تعالى –: كانوا يقولون: إن البدع مشتقة من الكفر، وآيلة إليه (١) .
٤- إطلاق الكفر على المبتدعين، من باب التغليظ والردع للزائغين، زجرًا لهم عن إفكهم المبين وتنفيرًا لغيرهم من ذلك المسلك الوخيم (٢) .
_________________
(١) انظر قول العلماء الكرام: الصغيرة تجر إلى الكبيرة، وهي تجر إلى الكفر، لأن المعاصي بريد الكفر في الفتح المبين لشرح الأربعين: (١١٨)، وكشف الخفاء: (٢/٢١٣)، ونحو ذلك في الإحياء: (٤/٣٢)، وانظر مجموع الفتاوى: (٦/٣٥٩)، كانوا يقولون: إن البدع مشتقة من الكفر، وآيلة إليه
(٢) انظر توجيه إطلاق لفظ الكفران، ونفي الإيمان، عن أهل الفسوق والعصيان في فتح الباري: (١/١١٢)، وشرح الإمام النووي على صحيح مسلم –: (٢/٥٧)، ومجموع الفتاوى: (٧/٥٢٤-٥٢٥)، ومدارج السالكين: (١/٣٩٥-٣٩٧)، وأجوبة الحافظ ابن حجر عن أحاديث المشكاة: (٣/١٧٧٨-١٧٧٩) .
[ ١٢٠ / ٣٢ ]
وبهذه التحقيقات العلية، يتبين الوجه في إطلاق لفظ "المجوس" على القدرية، في قول خير البرية – عليه صلوات الله وسلامه بكرة وعشية –: "القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم (١)
_________________
(١) رواه أبو داود في سننه – كتاب السنة – باب في القدر –: (٥/٦٦)، والحاكم في المستدرك – كتاب الإيمان –: (١/٨٥) وأحمد في المسند: (٢/٨٦، ١٢٥)، وابن أبي عاصم في كتاب السنة: (١/١٤٩-١٥٠)، والآجري في الشريعة: (١٩٠)، والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد: (٧/٢٠٥)، كلهم عن ابن عمر – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – ورواية الحاكم وأبي داود وإحدى روايات ابن أبي عاصم من طريق أبي حازم سلمة بن دينار عن ابن عمر. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر، وأقره الذهبي، قال الهيثمي في تهذيب السنن: (٧/٥٨): هذا منقطع، أبو حازم لم يسمع من ابن عمر، ووصله الآجري وفيه زكريا بن منظور، ومن طريقه أخرجه الطبراني: قال الهيثمي: زكريا بن منظور وثقه أحمد بن صالح وغيره، وضعفه جماعة ١٠هـ والذي حط عليه كلام ابن حجر في التقريب: (١/٢٦١) أنه ضعيف، ورواية أحمد الأولى، وإحدى روايات ابن أبي عاصم عن طريق عمر بن عبد الله، وعمر مولى غفرة لم يسمع أحدًا من الصحابة كما في تهذيب التهذيب: (٧/٤٧٢) نقلا ً عن ابن معين، فالسند منقطع. ومع هذا فقد حكم ابن حجر عليه في التقريب: (٢/٥٩) بالضعف..ورواه أحمد في المكان الثاني متصلا ً عن مولى غفرة عن نافع عن ابن عمر، وقد علمت حال مولى غفرة، ومع ذلك فقد مال الشيخ شاكر في تعليقه على المسند: (٨/٢٧٩) ٦٠٧٧ إلى ترجيح الحكم عليه بالصحة، وأن علة الانقطاع في الرواية الأولى قد زالت، وقد ورد في بعض روايات ابن أبي عاصم، والآجري والطبراني في الصغير: (٢/١٤) من طريق الحكم بن سعيد عن الجعيد بن عبد الرحمن عن نافع به، وساقه البخاري في التاريخ الكبير: (٢/٣٤١) في ترجمة الحكم بن سعيد، وحكم عليه بالنكارة، وكذلك عَدَّ الذهبيُّ في الميزان: (١/٥٧٠) هذا الحديثَ من مناكير الحكم بن سعيد، وأقر ذلك ابن حجر في اللسان: (٢/٣٣٢)، ونقله أيضًا عن العقيلي، وابن عدي، والحديث رواه ابن أبي عاصم أيضًا من طريق إسماعيل بن داود عن سليمان بن بلال عن أبي حسين عن نافع به، وإسماعيل ضعفه أبو حاتم كما في الميزان: (١/٢٢٦)، وقال البخاري في التاريخ الكبير: (١/٣٧٤): إنه منكر الحديث، وانظر حديث ابن عمر أيضًا في الميزان: (٢/٧٩)، والمجروحين لابن حبان: (١/٣١٤) . وقد روي الحديث عن حذيفة بن اليمان – رضي الله تعالى عنهما – بنحو الحديث المتقدم في سنن أبي داود في المكان المتقدم، وفي المسند: (٥/٤٠٦-٤٠٧)، وكتاب السنة لابن أبي عاصم: (١/١٤٤) كلهم عن عمر مولى غفرة عن رجل من الأنصار عن حذيفة، وتقدم الكلام في مولى غفرة، والرجل الأنصاري مجهول كما في تهذيب السنن: (٧/٦١) . وروي الحديث أيضًا عن جابر بن عبد الله – رضي الله تعالى عنهما – في سنن ابن ماجه – المقدمة – باب في القدر –: (١/٣٥)، ومعجم الطبراني الصغير: (١/٢٢١)، وكتاب السنة لابن أبي عاصم: (١/١٤٤) والشريعة للآجري: (١٩٠) بزيادة: "وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم" ورجال السند ثقات إلا أن أبا الزبير محمد بن مسلم بن تدردس المكي مدلس كما في التقريب: (٢/٢٠٧) وقد عنعن. وري الحديث عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – في كتاب السنة لابن أبي عاصم: (١/١٤٦) بنحو ما تقدم، وسنده ضعيف كما قال الشيخ الألباني في تعليقه عليه. وروي عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – في كتاب السنةلابن أبي عاصم –: (١/١٥١) والشريعة للآجري: (١٩١) وهو من رواية مكحول عن أبي هريرة، وروايته عنه مرسلة، لأنه لم يسمع عنه كما في تهذيب التهذيب: (١٠/٢٩٠-٢٩٢) وفي بعض أيضًا مع انقطاعه عطاء الخرساني صدوق يهم كثيرًا، ويرسل ويدلس كما في التقريب: (٢/٢٣) وقد عَنْعَنَهُ، وفيه أيضًا جعفر به الحارث الواسطي صدوق كثير الخطأ كما في التقريب: (١/١٣٠)، وانظر الحديث في تاريخ بغداد: (١٤/١١٤) من رواية سهل بن سعد – رضي الله تعالى عنه – ورواه عنه الطبراني في الأوسط واللالكائي في السنة كما في تنزيه الشريعة: (١/٣١٧) وانظره في الميزان: (٤/٣٧٧)، واللآليء المصنوعة: (١/٢٥٩) . وروي الحديث عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه – في المعجم الأوسط للطبراني ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي، وهو ثقة كما في مجمع الزوائد: (٧/٢٠٥)، وانظر ترجمة هارون في تهذيب التهذيب: (١١/١٣-١٤) ولفظ الحديث: "القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمة فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم". وهذه الرواية الأخيرة ورد ما يشبهها وبعضها في سنن الترمذي – كتاب القدر – باب ما جاء في القدرية –: (٦/٣٢١)، وسنن ابن ماجه – المقدمة – باب في الإيمان –: (١/٢٤، ٢٨)، والشريعة للآجري: (١٤٨، ١٩٣)، والسنة لابن أبي عاصم: (١/١٤٧، ٢/٤٦١-٤٦٢)، كلهم عن ابن عباس وزاد ابن أبي عاصم وابن ماجه عن جابر، وزاد الآجري روايته عن أبي هريرة وزاد ابن أبي عاصم ورايته عن أبي يعلى، ورواه عنه إسحاق بن راهُوْيَهْ كما في المطالب العالية: (٣/٨٨) ورواه إسحاق عن أبي بكر – رضي الله تعالى عنه – أيضًا كما في المطالب العالية، وانظره عن معاذ – رضي الله تعالى عنه – في التاريخ الكبير للبخاري: (١/٣٧٥)، والعلل المتناهية: (١/١٤٤)، ورواه أبو نُعيم في الحلية عن أنس: (٩/٢٥٤) – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – وأمثل طرقه طريق الترمذي وقد حسنه وفي بعض النسخ ضم إلى التحسين الحكم عليه بالصحة فقال: هذا حديث غريب حسن صحيح. انظر الطبعة الحمصية: (٦/٣٢١)، والمصرية: (٤/٥٤)، وعارضة الأحوذي: (٨/٣١٦)، وتنزيه الشريعة: (١/٣١٨)، وفي سنده علي بن نزار، ووالده نزار بن حيان الأسدي وكل منهما ضعيف كما في التقريب: (٢/٤٥، ٢/٢٩٨)، ولذلك حكم الشيخ الأرناؤوط في تعليقه على جامع الأصول: (١٠/١٣٠) عليه بالضعف، ولفظ الحديث: "صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة، والقدرية". قال عبد الرحيم: وصفوة الكلام أن كلًا من الحديثين لا ينزل عن درجة الحسن إن شاء الرحيم الرحمن، وإليك البيان: أما الحديث الأول: "القدرية مجوس هذه الأمة" إلخ فقد تقدم بيان كثرة طرقه، وغالب تلك الطرق فيها شيء من الضعف إما بسبب الانقطاع، أو بسبب عَنْعَنَةِ المدلسين، وقد أطلق الذهبي في تهذيب السنن: (٧/٥٨) أن حديث ابن عمر – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – روي من طرق ليس فيها شيء يثبت، وقال العقيلي كما في لسان الميزان: (٢/٣٣٢) يروى من طرق ضعاف بغير هذا الإسناد، أي إسناد الحكم بن سعيد المتقدم، ولا يصل الحديث إلى درجة الوضع، أو الترك والنكارة، وما أصاب ابن الجوزي في الحكم على الحديث بالوضع وإيراده في الموضوعات: (١/٢٧٥) والعلل المتناهية: (١/١٤٤-١٥٤)، لان مجيء الحديث الضعيف من طرق ترفعه إلى درجة الحسن، مع أن بعض تلك الطرق لها تلك الصفة على انفرادها كرواية الإمام أحمد في المسند حسبما رأى الشيخ أحمد شاكر، وكحديث أنس – رضي الله تعالى عنه – عند الطبراني في الأوسط. وعلى التسليم بعدم وصول كل رواية على انفرادها مرتبة القبول فبمجموعها تبلع ذلك بلا ريب، ولذلك تتابع الأئمة الحفاظ على رد كلام الإمام ابن الجوزي، وحكموا على الحديث بأنه في درجة الحسن على أقل تقدير، فالإمام السيوطي ينقل عن الحافظ صلاح الدين العلائي تحسين الحديث ويقره على ذلك قال في اللآليء المصنوعة: (١/٢٥٨-٢٥٩) ما حاصله: قال الحافظ العلائي: إخراج ابن الجوزي الحديث في الموضوعات ليس بجيد، لأن له طرقًا أخرى لا يحكم عليها بالوضع، فلا فائدة إذن في إخراجه في الموضوعات، لأنه يوهم أن الحديث من أصله موضوع، وليس كذلك، وهكذا إخراجه هذا الحديث في كتاب الأحاديث الواهية، لأنه ليس كذلك بل ينتهي بمجموع طرقه إلى درجة الحسن الجيد المحتج به إن شاء الله تعالى ١هـ ونص الحافظ ابن حجر في أجوبته عن أحاديث المصابيح: (٣/١٧٧٩) على أن الحديث من شرط الحسن ١٠هـ ونقل الحافظ ابن عَرَّاق كلام الحافظ العلائي المتقدم وأقره في تنزيه الشريعة: (١/٣١٧) – الفصل الثاني من كتاب السنة – وحكم الشيخ الألباني بحسنه في تعليقه على أحاديث المشكاة: (١/٣٨) ١٠٧، وحكم عليه بالحسن، وبالصحة أيضًا في تعليقه على كتاب السنة لابن أبي عاصم: (١/١٥٠، ١٥١) . وهكذا حال الحديث الثاني: "صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب" إلخ فقد تقدم تحسين الترمذي له، بل وتصحيحه في بعض النسخ، ومع التنبيه على وجود راوٍ فيه فيه ضعف، ولعل حكم الترمذي عليه بالحسن هو الصواب، وذلك لكثرة طرقه كما هو مقرر عند أولي الألباب، وما حالف ابنَ الجوزيِّ الصوابُ في إيراده الحديث في العلل المتناهية – المكان السابق – ولذلك رد عليه الحافظ العلائي كما في تنزيه الشريعة – المكان المتقدم أيضًا – وأقر ابن عَرَّاق ذلك، وحاصل الكلام: أن تحسين الترمذي ووجود المتابعات له تُخرجه عن كونه موضوعًا أو واهيًا ١هـ ثم نقل ابن عراق عن الحافظ العراقي الحكم على الحديث بالحسن ١هـ وهكذا مال الحافظ ابن حجر في أجوبته عن أحاديث المصابيح: (٣/١٧٧٨) إلى تحسين الحديث، وذكر أن الخبر إذا جاء من طريقتين قوى أحدهما بالآخر، ومن ثم حسنه الترمذي ١هـ. والحكمة من قرن القدرية بالمرجئة ما قاله الإمام ابن العربي – رحمه الله تعالى - في العارضة: (٨/٢٩٧) من أن القدرية أبطلت الحقيقة، والمرجئة أبطلت الشريعة ١هـ ولشيخ الإسلام – عليه الرحمة والرضوان – كلام محكم متين في حكمة اقتران القدرية بالمرجئة الزائغين، وعبارته في مجموع الفتاوى: (٨/١٠٥) قرنت القدرية بالمرجئة في كلام غير واحد من السلف، وروي في ذلك حديث مرفوع، لأن كلًا من هاتين البدعتين تفسد الأمر والنهي، والوعد والوعيد، فالإرجاء يضعف الإيمان بالوعيد، ويهون أمر الفرائض والمحارم، والقدري إن احتج كان عونًا للمرجئي، وإن كذب كان هو والمرجئي قد تقابلا، هذا يبالغ في التشديد حتى لا يجعل العبد يستعين بالله على فعل ما أمر به، وترك ما نهي عنه، وهذا يبالغ في الناحية الأخرى ١٠هـ.
[ ١٢٠ / ٣٣ ]
".
قال ابن الأثير – عليه رحمة الملك الكبير – في جامع الأصول: القدرية في إجماع أهل السنة والجماعة: هم الذين يقولون: الخير من الله، والشر من الإنسان، وإن الله لا يريد أفعال العصاة، وسموا بذلك، لأنهم أثبتوا للعبد قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون الله – جل وعلا – ونفوا أن تكون الأشياء بقدر الله وقضائه، وهؤلاء مع ضلالتهم يضيفون هذا الاسم إلى مخالفيهم من أهل الهدى، فيقولون: أنتم القدرية حين تجعلون الأشياء جارية بقدر من الله، وأنكم أولى بهذا الاسم منا، وهذا الحديث يبطل ما قالوا، فإنه – ﷺ – قال: "القدرية مجوس هذه الأمة" ومعنى ذلك: أنهم لمشابهتهم المجوس في مذهبهم، وقولهم بالأصلين، وهما: النور والظلمة، فإن المجوس يزعمون: أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة فصاروا بذلك ثَنَوِيَّةً، وكذلك القدرية، لما أضافوا الخير إلى الله، والشر إلى العبيد أثبتوا قادِرَيْنِ خالِقَيْنِ للأفعال، كما أثبت المجوس، فأشبهوهم، وليس كذلك غير القدرية، فإن مذهبهم أن الله – ﷿ – خالق الخير والشر، لا يكون شيء منهما إلا بخلقه ومشيئته، فالأمران معًا مضافان إليه خلقًا وإيجادًا، وإلى العباد مباشرة واكتسابًا (١) .
_________________
(١) انظر جامع الأصول: (١٠/١٢٨) نحوه في مجموع الفتاوى: (٨/٤٥٢)، وشرح الإمام النووي على صحيح مسلم: (١/١٥٤) وقد استدل الإمام الآجري في الشريعة: (١٦٨) على شقاء القدرية بالحديث الوارد عن خير البرية – ﷺ – في تشبيههم بشرذمة المجوس الردية، فقال: فإن قال قائل: هم عندك أشقياء؟ قلت: نعم، فإن قال قائل: بماذا؟ قلت: كذا قال النبي – ﷺ –، وسماهم "مجوس هذه الأمة" ١٠هـ وتلك التسمية لا تستلزم كفرهم كما تقدم، قال الحافظ ابن حجر في أجوبته عن أحاديث المشكاة: (٣/١٧٧٩): المراد أنهم كالمجوس في إثبات فاعِلَيْنِ، لا في جميع معتقد المجوس، ومن ثم ساغت إضافتهم إلى هذه الأمة ١هـ.
[ ١٢٠ / ٣٤ ]
فائدة علية هي خاتمة الكلام على تلك الفرقة الردية الغوية:
أفاد شيخ الإسلام – عليه رحمة الرحيم الرحمن – أن القدرية ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قدرية مشركة:
وهو الذين اعترفوا بالقضاء والقدر، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي قال الله – ﷿ –: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ الأنعام١٤٨، مثلها في سورة النحل٣٥: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ .
وهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع، والأمر والنهي، مع الاعتراف بالربوبية العامة لكل مخلوق، وقد ابتلي بهذا الجهميةُ وطوائفُ من الفقراء والصوفية، ولن يستتب لهم ذلك، وإنما يفعلونه عند موافقة أهوائهم كفعل المشركين من العرب، وإذا خولف هوى أحد منهم قام في دفعه متعديًا للحدود غير واقف عند حد كما كانت تفعل المشركين أيضًا قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به، إذ هذه الطريقة تتناقض عند تعارض إرادات البشر فهذا يريد أمرًا، والآخر يريد ضده، وكل من الإرادتين مقدرة، فلابد من ترجيح إحداهما، أو غيرهما.
القسم الثاني قدرية مجوسية:
[ ١٢٠ / ٣٥ ]
.. وهم الذين يجعلون لله – جل وعلا – شركاء في خلقه، كما جعل الأولون لله – جل وعلا – شركاء في عبادته، فيقولون: خالق الخير غير خالق الشر ويقول من كان منهم في ملتنا: إن الذنوب الواقعة ليست بمشيئة الله – ﷿ – وربما قالوا: ولا يعلمها أيضًا فيجحدون مشيئته النافذة، وقدرته الشاملة، ولهذا قال ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما –: الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن وحد الله، وآمن بالقدر تم توحيده، ومن وحد الله، وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده. ويزعمون أن هذا هو العدل، ويضمون إلى ذلك سلب الصفات، ويسمونه: التوحيد، كما يسمي الأولون التلحيد: التوحيد، فيلحد كل منهما في أسماء الله وصفاته، وقد وقع بذلك المعتزلة، والمتأخرون من الشيعة.
القسم الثالث قدرية إبليسية:
وهم الذين صدقوا الله بأن الله – جل وعلا – صدر عنه الأمران، لكن عندهم هذا تناقض، وهذا حال الزنادقة الملاعين، كالمعري وشيعته المجرمين (١) .
هذه هي أصناف الزائغين في قدر رب العالمين، وقد تكرم الله الكريم، بهداية عباده المخلصين إلى صراطه المستقيم، فأثبتوا أمر الله ونهيه، كما أثبتوا قدره وحكمته، وعولوا على القدر في المصائب، واستغفروا ربهم ولاذوا به عند المعايب – جعلنا الله العظيم من حزبه المفلحين، وختم لنا بالحسنى آمين.
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك وإيضاحه في مجموع الفتاوى: (٨/٢٥٦-٢٦١، ٣/١١١-١٢٨، ٨/١٠٧)، وأثر ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – رواه الآجري في الشريعة: (٢١٥) وانظره في شرح الطحاوية: (٢٢٥) .
[ ١٢٠ / ٣٦ ]