حسن التمثيل يزيد الفكرة وضوحا والصورة جمالا، وقد رسمنا للدعوة إلى الله صورة كما بينها القرآن وكما فهمها السلف الصالحون، وزيادة في البيان والوضوح وحرصا على فائدة القارئ الكريم نعرض في هذا الفصل النماذج التالية التي نرجو من رجال الدعوة إلى الله أن يتخذوها مادتهم في دروسهم وأن يحتفظوا بها كزاد في طريق الدعوة إلى الله: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ ودخل أعرابي على هشام بن عبد الله فقال: عظني يا أعرابي فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم قال: يا أمير المؤمنين هذا جزاء من يطفف الكيل والميزان فما ظنك بمن أخذه كله؟
وخطب النبي ﷺ أول بعثه فقال: "إن الرائد لا يكذب أهله والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم ولو غششت الناس جميعا ما غششتكم والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسؤ سؤا وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا" وقال ﷺ: "كلكم يدخل الجنة إلا من أبى، وقالوا:
[ ٤٧ ]
ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" ووفد أعرابي على النبي ﷺ فقال له: متى الساعة يا رسول الله؟ قال ﷺ: وماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كثرة صلاة ولا صوم وإنما أحب الله ورسوله قال: ﷺ "المرء مع من أحب". وما أعظم العبرة في قوله ﷺ للأعرابي "وماذا أعددت لها" إذ صرفه من الإهتمام بالموت إلى الإهتمام بالإستعداد له فكأن النبي ﷺ يقول: إن الموت آت لابد منه فالتفكير فيه لا يهدي إلى حيلة تصرفه أو تؤخر وروده، وإذن فلا فائدة في التفكير فيه إنما الذي يفيد ويهم هو الإستعداد وأخذ الزاد، ومن غفلة الإنسان أن يسأل عن القيامة كأن كل إنسان لا يموت حتى تقوم القيامة مع أنه يرى الموت بعينيه كل يوم ويدفن بيديه كل عزيز لديه وفيمن يموتون ويدفنون الصبي الذي لم يفطم والطفل الذي لم يبلغ الحلم والشاب الذي لم يجن بعد ثمرات المنى، يرى كل هذا بعينيه ويحسب أنه لا يموت حتى تقوم الساعة، والساعة تقوم كل يوم (ومن مات قامت قيامته).
وقال عمر بن الخطاب ﵁: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية" وقال: "سيأتي على الناس زمان يكون صالحهم فيه من لا يأمر بمعروف ولا ينهي عن منكر فيقول الناس: ما رأينا منه إلا ضرا لكونه لم يغضب الله تعالى" وكان إذا مر بمزبلة يقول: "هذه دنياكم التي تحرصون عليها" وهو شبيه بقول علي وقد مر بقذر في مزبلة أيضا: "هذا ما بخل به الباخلون".
وقال علي ﵁: "إذا كان يوم القيامة أتت الدنيا بأحسن زينتها ثم قالت: يا رب هبني لبعض أوليائك فيقول الله ﷿ لها: إذهبي بلا شيء فلأنت أهون من أن أهبك لبعض أوليائي" فتطوي كما يطوب الثوب الخلق فتلقي في النار" وشيع جنازة فلما وضعت في لحدها عج أهلها وبكوا فقال: "ما بيكون؟ أما والله لو عاينوا ما عاين ميتهم لأذهلتم معاينته عن ميتهم وإن له فيهم لعودة ثم عودة حتى لا يبقي منهم أحد" وسئل عن الخير ما هو؟ فقال: "ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك وأن يعظم حلمك وأن تباهي الناس بعبادة ربك فإن أحسنت حمدت الله وإن أسأت استغفرت الله ولا خير في الدنيا إلا لرجلين رجل أذنب ذنوبا
[ ٤٨ ]
فهو يداركها بالتوبة ورجل يسارع في الخيرات" وقال: "استح من الله بقدر قربه منك وخلفه بقدر قدرته عليك، وأطعه يقدر حاجتك إليه واعصه بقدر صبرك على النار واعمل للدنيا بقدر إقامتك بها واعمل للآخرة بقدر بقائك فيها" وقال أبو عبيدة ﵁: "ألا رب مبيض لثيابه مدنس لدينه" ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين". وقال حاتم الأصم: "فاتتني مرة صلاة الجماعة فعزاني أبو إسحاق البخاري وجده ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة آلاف إنسان لأن مصيبة الدين عند الناس أهون من مصيبة الدنيا" وسمع بشر الحافي أو الشبلي قارئا يقرأ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ فصرخ وقال: "فأين الذين يريدون وجه الله تعالى".
ودخل عمرو بن عبيد على المنصور فقال: "يا أمير المؤمنين إن الله ﷿ يقفك ويسائلك عن مثقال ذرة من الخير والشر وإن الأمة خصماؤك يوم القيامة وإن الله ﷿ لا يرضى منك إلا بما ترضاه لنفسك ألا وإنك لا ترضى لنفسك إلا بأن يعدل عليك إن الله ﷿ لا يرضى منك إلا بأن تعدل في الرعية، يا أمير المؤمنين إن وراء بابك نيرانا تتأجج من الجور والله لا يحكم وراء بابك بكتاب الله ولا بسنة نبيه ﷺ " فبكى المنصور فقال سليمان بن مجالد وهو واقف على رأس المنصور: يا عمرو قد شققت على أمير المؤمنين، فقال عمرو: يا أمير المؤمنين من هذا؟ قال: أخوك سليمان بن مجالد قال عمرو: ويلك يا سليمان إن أمير المؤمنين يموت وإن كل ما تراه يفقد وإنك جيفة غدا بالفناء لا ينفعك إلا عمل صالح قدمته ولقرب هذا الجدار أنفع لأمير المؤمنين من قربك إذ كنت تطوي عنه النصيحة وتنهي من ينصحه، يا أمير المؤمنين إن هؤلاء اتخذوك سلما إلى شهواتهم قال المنصور: فأصنع ماذا؟ ادع لي أصحابك أولهم قال: أدعهم أنت بعمل صالح تحدثه ومر بهذا الخناق فليرفع عن أعناق الناس واستعمل في اليوم الواحد عمالا كلما رابك منهم ريب أو أنكرت على رجل عزلته ووليت غيره فو الله لئن لم تقبل منهم إلا العدل ليتقربن به إليك من لا نية له فيه".
ودخل على الرشيد بعض الوعاظ فقال له: عظني قال:
أما بيوتك في الدنيا فواسعة فليت قبرك بعد الموت يتسع
فبكي ثم قال له: زدني فقال: تصور نفسك في فلاة لا ظل فيها ولا ماء والفصل صيف والحر شديد وقد اشتد بك العطش ولم تجد ماء ثم جاءك شخص بما يطفئ عطشك
[ ٤٩ ]
من الماء ليبيعه لك فماذا كنت تدفع له فيه؟ قال: نصف مملكتي، قال: فإن تعذر خروجه فماذا كنت تعطي مخلصك؟ قال: النصف الآخر، قال: فاحر بمملكه تبيع نصفها بشربة ماء ونصفها الآخر ببولة أن لا تشغلك عن طاعة الله تعالى".
هذه أقباس من الدعوة إلى الله اختلفت مصادرها واتحدت غايتها نرجو أن تثمر ثمرتها وتصيب هدفها فتوقظ المشاعر من هذه الغفوة وترطب القلوب من هذا الجفاف، وتكون للنفوس خير ذكرى. ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
[ ٥٠ ]