من أحوال الغارقين: تراهم في الأسواق والمجمعات، يعتنون بالمظاهر والشخصيات، والسرائر خاوية، فنون وأشكال من القصات والموضات والهيئات، شبان وفتيات ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤].
همهم هتك أعراض المسلمين ومطاردة الساذجات، تناسوا أنَّ لهم أمهات وأخوات وقريبات، إنهم يغرقون وهم لا يشعرون! جاء شاب إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إئذن لي بالزنا، فثار المجلس وفار، فقال الرحمة المهداة للشاب بصوت حنون وقلب رحيم: ادنه، فدنا الشاب، فقال له ﷺ: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله فداك أبي وأمي، قال ﷺ: وكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، قال ﷺ: أتحبه لأختك؟ قال: فداك أبي وأمي لا والله، فلا زال يذكره، ويقول له: أتحبه لعمتك؟ وخالتك؟ وابنتك؟ والشاب يقول: لا والله جعلني الله فداك، فوضع النبي ﷺ يده الشريفة عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه، فقام الشاب من ذلك المجلس وليس شيء أبغض إليه من الزنا).
وأنت يا من تغرق ومن أجل ذلك تخطط وتدبر وتسافر، أترضاه لأهلك؟ سأترك الجواب لك، اعلم أنه ما عُصي الله بذنب أعظم من نطفه يضعها الرجل في فرج لا يحل له، لذلك قال الله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢].
إليك خبر من أخبار المتقين قال الحسن البصري: كان في زمن عمر بن الخطاب ﵁ شاب يلازم المسجد للعبادة، فعشقته امرأة، فأتته في خلوة فكلمته -لاحظ هو لم يذهب إليها- فحدثته نفسه بذلك، فشهق شهقة فغشي عليه، فجاءه عم له فحمله إلى بيته، فلما أفاق قال: يا عم! انطلق إلى عمر فأقرئه مني السلام، وقل له: ما جزاء من خاف مقام ربه؟ فانطلق عمه فأخبر عمر فأتاه عمر فلما رآه شهق شهقة فمات، فوقف عليه عمر فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٦ - ٤٧].
أحسبه والله حسيبه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظله (رجل دعته امرأة ذات حسب وجمال، فقال: إني أخاف الله).
فيا دائم الخطايا والعصيان! يا شديد البطر والطغيان! ربح المتقون ولك الخسران ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦].
[ ٤ / ٦ ]