إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٨].
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
سلام الله عليكم في روضة من رياض المصطفى ﷺ يوم يجلس المؤمن مع الحبيب ﵊، فيتربى في رياضه، ويتعلم بآدابه، فإنه -بأبي هو وأمي- هو الذي رضيه الله ﷾ للناس، وأوصد من بعده أبواب الجنة فلا تفتح إلا من بابه، فعلى قوله توزن الأقوال، وعلى حاله تقاس الأحوال، وعلى فعله تقبل أو ترد الأفعال، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
وبجلوسكم هذا لاستماع حديثه ﷺ فإنكم تطلبون علمًا من علم المصطفى ﷺ، لست أنا المعلم في هذه الجلسة، بل المعلم رسول الهدى ﷺ، والملائكة تحفكم بأجنحتها، فيبارك الله الجمع، وينزل الله الرحمة، ويغشيكم بالسكينة، ويرشدكم سواء السبيل، وجلوسكم في هذا المجلس طرد للنفاق وللريبة والشك والشبهة؛ لأن أهل النفاق لا يجلسون هذه المجالس، وأهل الدنيا لا يحبون هذه الأحاديث؛ لأن لهم أحاديث أخرى، لكن أحاديث أتباع الرسول ﵊ هي في هذه المجالس، يتغذون منها، ومنها يشربون ويستسقون.
لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الطعام وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور تستضيء به ومن حديثك في أعقابها حادي
إذا تشكت كلال السير أسعفها شوق القدوم فتحيا عند ميعاد
معنا حديث في صحيح مسلم الذي هو قمر بعد الشمس والشمس صحيح البخاري كما قال ابن القيم: البخاري ومسلم اللذان هما لنا شمسان، ومسلم أبو الحسين، مسلم بن الحجاج عالم رباني قدم هذا الكتاب هدية للأمة، فنحن نقتطف هذه الليلة حديثًا من صحيحه، وأنت إذا سمعت حديثًا رواه البخاري ومسلم فعض عليه بالنواجذ، فقد جاوز القنطرة، وقد أصبح رجاله عدولًا، رضيهم الله ﷾، وهم من خيرة الأمة لولا ذنوب البشر.
الحديث الذي معنا عن جابر بن عبد الله ﵁ وأرضاه قال: قدم p=١٠٠٠٠١٠>> الطفيل بن عمرو الدوسي على رسول الله ﷺ وهو في مكة فقال: يا رسول الله! هل لك في حصن حصين ومنعة؟ قال ﵊: بماذا؟ قال: لنا حصن نحن معشر دوس في الجاهلية لا أمنع منه حصنًا، فهاجر إلينا يا رسول الله! نمنعك من أعدائك فأبى ﷺ لما ادخر الله للأنصار من الخير، فلما هاجر ﷺ إلى المدينة، هاجر p=١٠٠٠٠١٠>> الطفيل بن عمرو الدوسي إليه في المدينة، ومعه رجل آخر من دوس، فمرض هذا الرجل الدوسي صاحب الطفيل بن عمرو، فلما مرض جزع من المرض، فأقدم على براجمه فقطعها بمشاقص، فمات من آثار الدم، فلما توفي رآه p=١٠٠٠٠١٠>> الطفيل بن عمرو الدوسي في المنام وهو في أحسن هيئة، وفي أجمل منظر، وهو يخبئ يديه في المنام، قال له: ما فعل الله بك؟
قال: غفر الله لي ذنوبي بهجرتي إلى رسول الله ﷺ.
قال: فما بال يديك؟
قال: قدمت على ربي وقد قطعت براجمي فقال الله: لا نصلح من جسمك ما أفسدت.
قال الطفيل: فأتيت الرسول ﵊ في الصباح فأخبرته، قال: ﴿اللهم وليديه﴾ هذه روايه مسلم وله اختلاف في اللفظ؛ لأن الإمام مسلمًا أتى به ثلاث مرات زاد بعض الزيادات وأنقص، ونسأل الله أن تكون هذه الرواية وافية أو قريبة.
جابر بن عبد الله الأنصاري يخبر الناس بقصة الطفيل بن عمروالدوسي ودوس: قبيلة من قبائل زهران، ويكفيها أن منها الطفيل بن عمرو وأبا هريرة الراوي النحرير، والعلامة الكبير، صاحب الحديث النبوي، وراوية الإسلام، ودوس من القبائل الجنوبية التي تسكن جبال السروات قبيلة من قبائل زهران.
قدم الطفيل مكة، بعد أن سمع أن الرسول ﵊ أطل مشرقًا على جبال مكة بنور وضاء من الله ﷾، فقدم يطلب الخير والهداية قال: [[فلما قدمت، والله ما زال بي كفار قريش يخوفونني من محمد ﵊، قالوا: احذره على نفسك، حتى أخذت القطن فجعلته في أذني]]-لئلا يسمع شيئًا من الرسول ﷺ!
انظر إلى الدعاية المغرضة، وانظر إلى الإعلام الخائن الذي يشوه سمعة الصالحين! رسول الهدى، منقذ العالم ﷺ؛ يريد إنقاذ البشرية ويلاحقه كفار قريش بالدعاية الآثمة المجرمة الغاشمة.
يقولون: ساحر، شاعر، كاهن! قال: فما زلت حتى وضعت القطن في أذني، فدخلت الحرم فرأيت الرسول ﵊؛ فعرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب -أنت إذا رأيت وجه الرسول ﷺ؛ عرفت من أسارير وجهه أنه لا يكذب أبدًا، حتى يقول ابن رواحة:
لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبئك بالخبر
فهو لا يكذب أبدًا، يقول عبد الله بن سلام -كما في سنن الترمذي -: جفل الناس، وأنا في سوق المدينة فانجفلت من الذي انجفل، فنظرت إلى وجه الرسول ﵊، فلما تبينته عرفته بأن وجهه ليس بوجه كذاب.
يقول الطفيل بن عمرو: قلت يا عجبًا لي! أنا شاعر فصيح، أعرف جد الكلام من هزله، فلماذا لا أسمع ماذا يقول، فإن أعجبني أسلمت وإلا تركت، قال: فأزحت القطن من أذني واقتربت منه، فإذا هو يقرأ القرآن، فوقع الإسلام في قلبي ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤]-يهدي هذا ويضل هذا، ويقدم هذا ويؤخر هذا- قال: فأسلمت ثم عرض عليه القصة، قال له: ﴿يا رسول الله! عندنا حصن حصين -أي: حصن منيع في بلاد زهران - فهاجر إلينا يا رسول الله! فإن عندنا منعة وعزًا ومجدًا -أو كما قال- فأبى ﷺ﴾ قال جابر وهو أنصاري: لما ادخر الله للأنصار من الخير -لأنه شرف في الدنيا والآخرة أن يهاجر إليهم الرسول ﵊- قال: فهاجر ﷺ إلى المدينة، وأما p=١٠٠٠٠١٠>> الطفيل بن عمرو الدوسي فرجع داعية إلى قومه، كما قال تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١] فأسلم معه أكثر دوس.
وقد تأبوا عليه أول الأمر كما في صحيح مسلم في قصة أخرى، أنه قدم المدينة فقال: يا رسول الله! دوس فشا فيهم الزنا، وفي رواية: وكثر الربا، فادع الله يا رسول الله! على دوس، فرفع ﷺ يديه واستقبل القبلة، قال الطفيل: هلكت دوس، هلكت دوس -ظن أن الرسول ﷺ سوف يدعو عليهم بـ: اللهم اقطع دابرهم ودمرهم واجعل كيدهم في نحورهم، وما هكذا أسلوبه ﷺ إنه أتى لإنقاذ الإنسان، ولإحياء القلوب، ولإنقاذ الشعوب من الضلالة، فكيف يدعو عليهم وهم ما سمعوا لا إله إلا الله- فقال ﷺ: ﴿اللهم اهدِ دوسًا وأتِ بهم، اللهم اهدِ دوسًا وأتِ بهم﴾ فعاد الطفيل وطلب من الرسول ﷺ آية حتى يصدقوه وهي من الآيات التي للأولياء، (كرامات للأولياء) فأوتي نورًا فوضع النور في جبينه، فلما أشرف عليهم وإذا وجهه يسطع نورًا حتى أضاء ما قبل عينيه إلى قراهم، فقال: اللهم اجعلها في غير وجهي فإني أخاف أن يقولوا: مثلة -أي: لئلا يقولوا مرضًا، أو أصابه شيء من الجن، أو مس من الشياطين- فوقع النور في رأس السوط، فكان إذا رفع السوط برقت الأودية بالنور -أودية زهران جميعًا- فقدم عليهم فدعاهم فأسلموا، لم يبق منهم إلا بيوت، وفي السير: أسلموا جميعًا عن بكرة أبيهم.
فقدم بكثير منهم، فلما وصل المدينة جلس إلى الرسول ﵊ ومع رفيق آخر، فمرض هذا المسلم الآخر فلما مرض كلّ من المرض، وتعب وسئم، فأتى على مشاقص وهي أشبه شيء بالمقصات، أو السكاكين فقطع أصابعه براجمها -والبراجم عقد الأنامل التي يجتمع عليها العفن- فلما قطعها سالت دماؤه ثم توفي، فرآه الطفيل في المنام وهو في أحسن حالة، وصورة، وفي أجمل منظر، قال: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بهجرتي إلى الرسول ﷺ، قال: ما لك تخفي يديك؟ لأنه يخبئها في المنام قال: قال الله لي: لا نصلح من جسمك ما أفسدت، فأخبر الرسول ﵊ في الصباح، فقال: ﴿اللهم وليديه فاغفر﴾.
ما أحسن هذه العبارة" وليديه فاغفر" هذا مجمل قصة الطفيل بن عمرو.
وتتميمًا لقصة هذا الداعية الشهير الطفيل، أخذ فداؤه وتضحيته في سبيل الله، يتنقل به من معركة إلى معركة حتى وصل اليمامة ضد مسيلمة الكذاب وفي تلك الليلة التي يصبح صباحها المعركة رأى في المنام أن رأسه حلق، وأن طائرًا خرج من فمه، وأنه دخل في فرج امرأة، فعرض ذلك على علماء الصحابة في الصباح، قالوا: هذه الشهادة، أما الطائر فروحك تسافر إلى الحي القيوم كما قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]، ولذلك يقول بعض أهل العلم: الطائر في المنام إذا رؤي قد خرج فهي الروح.
وفي البداية والنهاية بسند حسن أورد ابن كثير في ترجمة ابن عباس ﵄ قال: لما توفي في الطائف مكان مسجده الآن عرضت جنازته أمام الناس فرأوا طائرًا أبيض على أكفانه، وسمعوا هاتفًا يقول: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].
وأما المرأة التي تدخل فرجها فهذه الأرض، وأما حلق الرأس فالشهادة، لأنها تحلق الذنوب ولا تبقي خطيئة ولا سيئة، ورأى ابنه يلحقه ولا يدركه قالوا: يطلب الشهادة، ثم قتل ابنه في معركة أخرى.
سلام على أولئك النفر، ورضي الله عنهم جزاء ما قدموا للإسلام.
أما الراوي هنا فهو جابر بن عبد الله، وهنا لطيفة لأهل التخصص في علم الحديث، وهو أن هذا الحديث من رواية أبي الزبير وهي الصحيفة التي رواها أبو الزبير عن جابر، وأبو الزبير من التابعين وهو مدلس، والمدلس يروي عمن يروي دائمًا وينقل، ولكنه لم يسمعه مباشرة منه، وهو تدليس الشيوخ، فهذا الحديث من الأحاديث التي دلسها أبو الزبير، كيف دلسها؟ كيف علم ذلك؟ وذلك لأنه يقول: قال جابر وعن جابر، فيحتمل أنه سمعه مباشرة من جابر أو من غير جابر.
والأستاذ العلامة الألباني رفع الله درجته وأثابه الله يقول: الذي تحصل عند أهل العلم أن كل روايات أبي الزبير عن جابر إذا لم يصرح بها فإنها مظنة الضعف، إلا رواية الليث بن سعد، فإن الليث بن سعد إذا قال: عن أبي الزبير عن جابر فقد صح الحديث.
وقال الذهبي ﵀: إذا روى أبو الزبير عن جابر فدلس ولم يكن من طريق ففي النفس منه شيء، ولو كان في صحيح مسلم، والصحيفة كلامها يطول وإنما ذكرتها لفتةً للمتخصصين في علم الحديث.
[ ٢١٢ / ٢ ]