ويقول ﵊: ﴿آكُلُ كما يأكل العبد، فوالذي نفسي بيده لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا كأسًا﴾ رواه هَنَّاد في كتاب الزهد، عن عمرو بن مرة مُرْسَلًا، وهو صحيح.
والمعنى: مرت امرأة بالرسول ﵊، فرأته يأكل وهو على التراب، وهو أشرف مَن خَلَقَ الله، لم يخلق الله في الناس أشرف منه ﷺ، فرأته يأكل على التراب، وكانوا يقولون: إذا أكل -أحيانًا- يجلس على رُكْبَتَيه كهيئة المصلي في التشهد.
وهذه المرأة التي مرت: مشركة متكبرة، قالت للناس على الرسول ﵊: انظروا إليه، يأكل كما يأكل العبد، ويجلس كما يجلس العبد، فَرَدَّ عليها، وقال: ﴿آكُلُ كما يأكل العبد، فوالذي نفسي بيده! لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًاَ كأسًا﴾.
الدنيا سهلة، وليس منزلة الإنسان عند الله بما يعطيه من الدنيا، أفجر الفجرة قد يعطيه الله ﷿ الملايين المُمَلْيَنَة والقصور والدور والدنيا والذهب والفضة؛ ولكن لا يساوي عند الله جناح بعوضة، وتجد المؤمن التقي البار لا يجد كسرة خبز في اليوم؛ وأحيانًا ينام على الرصيف؛ لأن الموازين ليست بالدنيا.
وقوله ﵊: ﴿جناح بعوضة﴾ الجناح: هو طرف هذه البعوضة (النامِسَة) بمعنى: أن الله ﷿ لا يضرب للدنيا وزنًا كوزن جناح البعوضة هذه التي ترونها إذا طارت به.
فالدنيا سهلة عند الله ﷿.
وفي حديث صحيح: ﴿إن الله يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب﴾ فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والله ينظر إلى القلوب، فيرى من يستحق هذه الرسالة والإيمان والقرآن فيمنحه الدين، ويرى أن بعض الناس لا يستحق الإيمان والصلاح، فلا يمنحه الإيمان: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣].
ولما كان الإيمان غاليًا، أعطاه الله بعض الناس من الفقراء والموالي، وحرمه بعض الأشراف من كفار مكة، ولذلك مات بعض الكفار كافرًا، وقُتِلوا في بدر ودخلوا النار، أما الإيمان فعزيز، من أعطاه الله الإيمان فقد أحبه، ومن أدخل الإيمان بيته فقد أحبه.
وقوله: ﴿ما سقى منها كافرًا كأسًا﴾ مع العلم أن الكفار قد يتمتعون من الدنيا أكثر مِمَّا يتمتع المؤمن: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥].
[ ٢١٠ / ١٤ ]