[ ٣ / ٢ ]
إذا عرفنا هذا، عرفنا أن الإيمان بالملائكة ركن، بل هو الركن الثاني من أركان الإيمان بعد الإيمان بالله -جل وعلا- فمن الملائكة؟ وما أصل هذه الكلمة؟ وما اشتقاقها؟ وهل هي مشتقة أو جامدة ليست مشتقة؟ كلام أهل اللغة في هذا كثير، ويقولون كما في (بصائر ذوي التمييز) للفيروز آبادي يقول: "الملك واحد الملائكة، الملك واحد الملائكة، والملائك قيل: أصله أَلِك، والمالكة والمألكة والمألك الرسالة، ومنه اشتُق الملائكة لأنهم رسل الله؛ لأنهم رسل الله، وقيل: القول الأول أنه مأخوذ من أَلِك، وقيل: من لأك بتقديم اللام على الهمزة، والملأكة: الرسالة، وأَلِكْني إلى فلان أي أبلغه عني، وأصله ألئكني، حذفت الهمزة، ونقلت حركتها إلى ما قبلها، والملأك: الملك؛ لأنه يبلغ عن الله تعالى، ووزنه مفعل، العين محذوفة ألزمت التخفيف إلا شاذًا".
[ ٣ / ٣ ]
في المفردات للراغب يقول بعض المحققين: الملك من المُلك، قال: والمتولي من الملائكة شيئًا من السياسات يقال له: مَلَك محركة، ومن البشر يقال له: مَلِك، يعني من الملائكة من يتولى على بعض الأشياء، الصافات، الذاريات، هذا يتولى عمل موكل به، وجبريل له مهمة وميكائيل له مهمة، وإسرافيل له مهمة، وملك الموت له أيضًا ..، موكل إليه أمر مهم وهكذا، هؤلاء يقال للواحد منهم: مَلَك، تولى شيئًا من تدبير بعض الأمور، ومن البشر إذا تولى تدبير شيئًا من الأمور يقال له: مَلِك، مَلِك بكسر اللام، يقول: فكل مَلَك ملائكة، وليس كل ملائكة ملكًا، يعني جموع غفيرة من الملائكة جمعهم يقال لهم: ملائكة، وعلى كلامه لا يقال لواحدهم: ملك، يدخل البيت المعمور في كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة، سبعون ألفًا من الملائكة هؤلاء في الجملة لم يوكلوا بشيء على حد زعم هذا القائل فلا يقال للواحد منهم: ملك، يقال لهم: ملائكة؛ لأن المَلك والملِك من أوكل إليه تدبير أمر مهم من الأمور، الواحد يقال له: مَلَك من الملائكة، ومَلِك من البشر، هذا كلامه، قال: وليس كل ملائكة ملكًا، بل المَلَك عندهم هم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [(٥) سورة النازعات] ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ﴾ [(٤) سورة الذاريات] ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ [(١) سورة النازعات] ونحو ذلك، يعني من أوكل إليهم تدبير هذه الأمور الواحد يقال له منهم: مَلَك، في مقابل الواحد من البشر الذي يتولى أمرًا من الأمور يقال له: مَلِك، كذا قال، وكلامه فيه غرابة؛ لأنه يدخل البيت المعمور في كل يوم سبعون ألف مَلَك، الواحد منهم يقال له: مَلَك، وإن لم يعرف لكل واحد منهم بعينه تدبيرًا معينًا، وحديث الأطيط: «أطت السماء» وإن كان لأهل العلم فيه كلام «وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك ساجد أو قائم» لا شك أن هذا الكلام فيه غرابة.
يقول القرطبي في تفسيره: الملائكة واحدها ملك، قال ابن كيسان وغيره: وزنه ..، وزن ملك فعل من المِلك.
وقال أبو عبيدة: هو من مفعل أصله ملأك من لأك إذا أرسل، والألوكة والمألكة والمألوكة: الرسالة، قال لبيد:
وغلام أرسلته أمه بألوكٍ فبذلنا ما سأل
[ ٣ / ٤ ]
بألوك يعني: برسالة، وقال آخر:
أبلغ النعمان عني مألكا إنني قد طال حبسي وانتظاري
ويقال: ألكني أي: أرسلني، فأصله على هذا مألك، الهمزة فاء الفعل ثم إنهم قلبوها إلى عينه فقالوا: ملأك، ملأك، يعني صار فيه تقديم وتأخير، الأصل تقديم الهمزة ثم قدمت اللام عليها، ثم سهلوها، سهلوا الهمزة فقالوا: مَلَك.
وقيل: أصله ملأك من ملك يملك، نحو شمأل من شمل، فالهمزة زائدة عن ابن كيسان أيضًا، وقد تأتي في الشعر على الأصل، كما قال الشاعر:
فلست لإنسيٍ ولكن لملأكٍ تنزل من جو السماء يصوبُ
يصوب يعني: ينزل، ومنه: «اللهم اجعله صيبًا نافعًا» يعني نازلًا بالخير والبركة، يعني: المطر، ومنه في الحديث: "لم يشخص رأسه ولم يصوبه" يعني لم يرفع رأسه في الركوع ولا ينزله.
وقال النضر بن شميل: لا اشتقاق للمَلك، الملك غير مشتق، لا اشتقاق للملك عند العرب، يقول: والهاء في الملائكة تأكيد لتأنيث الجمع، ومثله الصلادمة والصلادم: الخيل الشداد، واحدها: صلدم، وقيل: الهاء في الملائكة للمبالغة، كنسابة، وعلامة، وفهامة، وما أشبه ذلك.
الحافظ ابن حجر في فتح الباري يقول: الملائكة جمع ملك بفتح اللام، فقيل: مخفف من مألك، وقيل: مشتق من الألوكة وهي الرسالة، وهذا قول سيبويه والجمهور، وأصله لأك، وقيل: أصله الملْك بفتح ثم سكون وهو الأخذ بقوة، وحينئذٍ لا مدخل للميم فيه، وأصل وزنه مفعل فتركت الهمزة لكثرة الاستعمال، وظهرت في الجمع، وزيدت الهاء إما للمبالغة، وإما لتأنيث الجمع، وجمع على القلب، جمع على القلب وإلا لقيل: مآلكة، ليست ملائكة مآلكة؛ لأن الهمزة متقدمة في أصل المادة، مآلكة.
وعن أبي عبيدة في الملك الميم أصلية، وزنه فعل كأسد، بهذا الكلام الكثير يجعل طالب العلم يتعب في البحث عن أصل المادة في معاجم اللغة، في أي حرف وفي أي مادة يبحث عن لفظة ملك في معاجم اللغة؟
[ ٣ / ٥ ]
المعاجم التي ترتب على أواخر الحروف فيها إشكال وإلا ما فيها إشكال؟ ما فيها إشكال؛ لأن آخر الكلمة كاف، لكن المعاجم التي ترتب المواد على أوائل الحروف يتعب الطالب في البحث عن هذه المسألة في هذه المعاجم؛ لأنه لا يدرى أأصلها لام؟ أصل الحرف الأول لام أو همزة؟ ومعاناة كتب اللغة تحتاج إلى شيء من الانتباه إلى أصل المادة، مثل التقوى إذا بحثت عنها مثلًا في القاموس أو في لسان العرب، أو في الصحاح هذه كلها مرتبة على أواخر الحروف، وإذا بحثت عنها في الأساس، أساس البلاغة، وفي المصباح المنير فإنك تبحث عنها باعتبار الحرف الأول، الحرف الأول، وهذا مهم بالنسبة لمن يعاني كتب اللغة، كيف يرد الكلمة إلى أصلها وقد اختلف في أصلها؟ التقوى من (وقى) من الوقاية، فالحرف الأول واو، والأخير حرف لين هل هو واو يعني يقال: تقوى، أو هو ياء من وقيته؟ المقصود أنه من مادة (وقى)، والبحث في الحروف اللينة يعني في آخر الكتب سهل، سواءً كان أصله واو أو ياء أو ألف، فهناك معاجم أصعب من هذه المعاجم، وهذا استطراد قد يستفيد منه بعض الطلاب من أجل أن يرجعوا إلى المصادر الأصلية حينما يريدون كشف المعاني، معاني الكلمات، هناك قواميس مرتبة على المخارج، وهذه أصعب من الترتيب على أواخر الكلمات أو أوائلها، ولا يمكن الإفادة منها إلا بالفهارس، مثل تهذيب اللغة، ومثل المحكم لابن سيدة، وغيرهما مثل العين، وغيرها من الكتب، فمن أراد أن يبحث في كتب اللغة عن ملك، إن كان يبحث في الكتب التي رتبت على أواخر الحروف فلا إشكال يعني في حرف الكاف، مع أنه في الفصل يحتاج إلى شيء من التعب، يعني في الباب لا يحتاج إلى تعب، باب الكاف ما يحتاج إلى تعب، لكن فصل اللام أو فصل الهمزة يحتاج إلى شيء من العناء، وهذا يجعل الطالب يهتم بمثل هذا الكلام، وإن كان بعضهم يرى أن هذا لا مدخل له في الموضوع، وهذا تضييع، بعض الناس مثل هذا تضييع وقت، هذا ليس بتضييع وقت، هذا من أهم المهمات.
[ ٣ / ٦ ]
قال: وعن أبي عبيدة في الملك الميم أصلية، ووزنه فعل كأسد، هو من الملْك بالفتح وسكون اللام، وهو الأخذ بقوة، وعلى هذا فوزن ملائكة فعائلة، ويؤيده أنهم جوزوا في جمعه: أملاك، وأفعال لا يكون جمعًا لما في أوله ميم زائدة.