ويقول الله -جل وعلا- في محكم التنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ –يعني فرض وأوجب– كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [(١٨٣) سورة البقرة] فالصيام من أعظم ما يحقق التقوى، التي هي وصية الله -جل وعلا- للأولين والآخرين؛ فالتقوى إنما تتحقق بالصيام كما أنها تتحقق ببقية أركان الإسلام كالصلاة والزكاة والحج، وأما الذي لا ينطق بالشهادتين فهذا لم يدخل في الإسلام أصلًا، لقوله -﵊-: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، أو حتى يقولوا: لا إله إلا الله» فالمسألة هي من دخل في الإسلام، وادعى الإسلام ونطق بالشهادتين لا تتحقق له التقوى حتى يأتي بهذا الركن العظيم ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ والتقوى فعل الأوامر واجتناب النواهي.
[ ٢١ / ١ ]
وقد يقول قائل: أن الناس كثير منهم نراهم يصومون ولا يفرطون في الصيام، يصومون الفرض، شهر رمضان، ويكثرون من صيام النوافل ومع ذلك التقوى لم تتحقق، بمعنى أنهم يفرطون في بعض الواجبات، ويرتكبون بعض المحرمات، والله -جل وعلا- يقول: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ نقول: الصيام الذي يحقق التقوى هو الصيام الذي على مراد الله -جل وعلا-، وعلى مراد رسوله -﵊-؛ فالذي يصوم كصومه -﵊- ويصون صيامه عن الخوارم فالصوم جنة، تقي العبد مما يؤذيه سواء كان هذا في الدنيا أو في الآخرة، فهو جنة ما لم يخرقها، كما جاء في الخبر، فإذا خرقها بما ينقص ثوابها ويضاد ويخالف الهدف من مشروعيتها فهو الذي جنى على نفسه، فنجد في المسلمين من يصوم ويحرص على الصيام، ولو دفع له ما على وجه الأرض من متاع في مقابل صيام يوم واحد لرفض، ومع ذلك لم يتحقق له الهدف الذي من أجله شرع الصيام، وذلكم لأنه لم يصم الصوم الموافق لصيامه -﵊-، تجده يصوم ويمسك عن الطعام والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يمسك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ثم بعد ذلك لا يكف لسانه عن القيل والقال، تجده يتحدث في أعراض الناس، ويأكل لحومهم، ثم لا تجده يحمي سمعه عن الحرام، ولا يحمي بصره عن الحرام، فمثل هذا لا تترتب عليه الآثار التي رتبت عليه شرعًا، إذ هذا الصيام ناقص، لا يقال: بأن الصيام باطل، إذا أمسك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، صومه صحيح ولا يؤمر بإعادته، لكن الآثار المترتبة عليه لا تترتب على صيام هذا الشخص، الذي لم يحمي ولم يصن لسانه ولا سمعه ولا بصره عما حرم الله -جل وعلا-، وهذا الصيام فيه قول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] فإذا اتقى الله -جل وعلا- في صيامه فإن صومه مقبول، أما إذا لم يتق الله -جل وعلا- في صيامه بمعنى أنه ارتكب محرمًا أو فرط في واجب، نام عن الصلوات المفروضة، صلاها بعد خروج وقتها، لم يصلها مع جماعة المسلمين كما أوجب الله -جل وعلا- مثل هذا لم يتق الله -جل وعلا- في صيامه والله -جل وعلا- يقول:
[ ٢١ / ٢ ]
﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
المراد بنفي القبول هنا هو نفي الثواب المرتب على هذه العبادة، فلا ثواب له عليها، ولكن القبول بمعنى الصحة، الصوم لا يؤمر بإعادته كما هو مقرر عند أهل العلم، لكن معه ذلك الثواب المرتب عليه لا يستحقه هذا الذي لم يصن صيامه عن المحرمات، ونظير ذلك ما جاء في الصلاة ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ [(٤٥) سورة العنكبوت] المسلم يحرص على الصلاة، ونرى في المسلمين -ولله الحمد- من يحافظ على الصلوات، بشروطها وأركانها ومع جماعة المسلمين، ولا يفرط في هذا، لكنه مع ذلك قد يرتكب بعض المحرمات، فهل هذا خلف في وعد الله -جل وعلا-؟ كلا، وعد الله لا يخلف ﴿إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [(١٩٤) سورة آل عمران] ولكن هذا لخلل في صلاته، ما صلى كما صلى النبي -﵊-.
الحاج يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه لكن شريطة أن يتقي الله -جل وعلا- في حجه، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه لأي حاج؟ لمن اتقى، يعني لا إثم عليه، يرتفع عنه الإثم، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، لكن شريطة أن يتقي الله -جل وعلا-، «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه» بعض الناس يقول: الحج الآن أربعة أيام ويمكن أن يمسك لسانه لا يرفث ولا يفسق، ليرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وهو في حال السعة طول أيامه في أثناء العام شغل وقته بالقيل والقال، ويريد أن يحفظ لسانه في هذه الأيام الأربعة، نقول: أبدًا لا يمكن، وشواهد الأحوال من حال كثير من الحجاج لا تحتاج إلى بيان كثير من الحجاج تجده في عرفة في عشية عرفة يفسق ويرفث ويهزأ ويسخر ويغتاب، هل هذا غني عن المغفرة؟ لا ليس بغني، هل هذا لا يستطيع أن يمسك لسانه؟ الأصل أن يطبق شفتيه ولا يتكلم، لكن مثل هذا لا يعان، إلا إذا تعرف على الله في الرخاء فإنه يعرفه في الشدة.
[ ٢١ / ٣ ]
كثير من الناس يجاور في العشر الأواخر من رمضان في أقدس البقاع في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر ويجلس يلزم المسجد الحرام ويقول: هي ليال معدودة، أريد أن أحفظ نفسي، لكن ماذا عم سلف؟ ما وضعك في أول الشهر في شعبان في رجب فيما قبلها من الشهور؟ إن كنت من أهل القيل والقال فلن تتركه ولو كنت في هذا المكان، ويقول: قراءة القرآن كل حرف بعشر حسنات، وتعظم هذه الحسنات في الشهر المبارك وفي المكان المبارك، لماذا لا أحرص؟ وختم القرآن يتحقق في ست ساعات، يقول: لماذا لا أختم كل يوم؟ الأمر يسير، لكن كما قال النبي -﵊-: «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة» تجد من خيار الناس من طلاب العلم، من يجاور الأيام الفاضلة في المكان المقدس ومع ذلك تضيع ساعاته سدى، يفتح المصحف بعد صلاة العصر منتظرًا الفطور، ثم يقرأ خمس دقائق إذا كان ما اعتاد القراءة خمس دقائق ثم يلتفت يمينًا وشمالًا لينظر هل يرى أحد قد أقبل ممن يعرفه، ليمضي معه بعض الوقت، ثم إذا لم يجد أحد عاد إلى قراءته، ثم في المرة الثانية يقوم هو يبحث عن الناس، وهذا ما يحتاج إلى استدلال هذا كثير –مع الأسف– ممن يقصد تلك البلاد ويعطل أشغاله ويترك أهله ومعاريفه ويتغرب ومع ذلك لا يستفيد الفائدة المرجوة، وذلكم لأنه لم يتعرف على الله في الرخاء.
[ ٢١ / ٤ ]
فعلينا أن نعرف لهذه الأوقات قدرها، ولهذه الأماكن قدرها، والعمر قصير، الأصل أن المسلم إنما خلق أو الخلق كلهم من الجن والإنس إنما خلقوا لتحقيق العبودية لله -جل وعلا-، خلقوا لتحقيق العبودية، ولذا يخشى على المسلم الممتثل حق الامتثال الذي يحقق العبودية كما أمر -جل وعلا- يخشى عليه أن ينسى الدنيا، ولهذا احتاج أن يقال له: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [(٧٧) سورة القصص] فإذا عرضت حالك على مثل هذه النصوص كيف تجد النتيجة؟ كثير منا مع الأسف بحاجة ماسة إلى أن يقال له: ولا تنس نصيبك من الآخرة، شوف بعض الناس انصرفوا إلى الدنيا وتركوا الآخرة، والدنيا لا شيء بالنسبة للآخرة، لا شيء بالنسبة للآخرة، موضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا، وركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها، ركعتان يؤديهما المسلم في دقيقتين خير من الدنيا وما فيها، يعني تصور هذه المليارات أو الترليونات على ما قالوا تعدل ركعتين، ولا تزن عند الله جناح بعوضة، لكن من يعرف حقيقة هذه الدنيا؟ يعرفها من علق قلبه بالله -جل وعلا-.
سعيد بن المسيب جاء من يخطب ابنته لابن الخليفة، سعيد بن المسيب أعلم التابعين كما هو معروف، بل أفضلهم عند الإمام أحمد، وإن كان النزاع بين أهل العلم في هذا في تفضيل أويس القرني الذي جاء فيه النص الصحيح في صحيح مسلم وغيره معروف بين أهل العلم؛ لكن الذي يهمنا أن سعيد بن المسيب سيد من سادات التابعين، ومن سلف هذه الأمة، جاءه الواسطة ليخطب ابنته لابن الخليفة، فقال له الواسطة السفير، قال له: جاءتك الدنيا بحذافيرها، ابن الخليفة يريد بنتك، قال: إذا كانت الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، فماذا ترى أن يقص لي من هذا الجناح؟.
[ ٢١ / ٥ ]
هؤلاء الذين عرفوا حقيقة الدنيا، وليس معنى هذا أن على الإنسان أن يترهب، لا رهبانية في الإسلام، لكن عليه أن يعبد الله -جل وعلا- على مراده ﷾، وعليه أن ينوي الخير ويخلص في جميع أعماله، وإذا نوى النية الصالحة انقلبت عاداته عبادات، صار نومه عبادة، أكله عبادة، نزهته عبادة، مزحه عبادة، إذا نوى بنومه التقوي على طاعة الله -جل وعلا- يؤجر عليه، إذا نوى بأكله استعمال هذا البدن لطاعة الله -جل وعلا- أجر عليه، إذا نوى بمزحه الاستجمام للتقوي على طاعة الله -جل وعلا- أجر على ذلك، ما يضعه في امرأته وأولاده كله يؤجر عليه، جماعه لأهله صدقة يؤجر عليها، كما جاء في الحديث الصحيح.
إذن ما بقي شيء يخرج عن دائرة ما يوصل إلى الله -جل وعلا- وإلى مرضاته، حتى ما يظن أنه بعيد كل البعد عن أمور الآخرة، وهو الجماع، قال النبي -﵊-: «وفي بضع أحدكم صدقة -استغرب الصحابة– قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «نعم، أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟» قالوا: بلى.
فالإنسان إذا نوى النية الصالحة، يعني إذا ذهب إلى المحل، محل الأغذية ينوي بذلك التقرب إلى الله -جل وعلا- بما يشتريه من مواد يقوت بها نفسه ويقوت بها من يموله أجر على ذلك، حتى ما يضعه في في امرأته يؤجر عليه، فشتان بين من جميع تصرفاته عبادات، وبين من عباداته عادات، يدخل إلى المسجد يؤدي هذه الصلاة في بدنه لا يعقل منها شيء، هذه صارت عادة ما صارت عبادة، ولا يترتب عليها الثواب المرتب على الصلاة، فإذا كانت الصلوات الخمس كفارات «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» شخص يصلي ببدنه ولا يعقل منها شيء هذا ليس له من الأجر شيء.
ويقول شيخ الإسلام -﵀-: الذي يخرج من صلاته بعشرها هل يرجى أن تكفر من سيئاته شيء؟ هذه إن كفرت نفسها فنعم العمل، نسمع نصوص الوعد ونرجو الله -جل وعلا-، ونوسع في الرجاء، ومع ذلك نفرط في رأس مالنا الذي هو الدين، والله المستعان.
[ ٢١ / ٦ ]
فالصيام كما في الآية يحقق التقوى، كما أنه وسيلة العفاف، جاء في حديث عبد الله بن مسعود المتفق عليه: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» يحقق له العفاف، لكن ما الصوم الذي يحقق العفاف؟ مثل ما قلنا في الصيام الذي يحقق التقوى، كيف تحقق العفاف بصوم تخرقه بتعريض نفسك لمواضع الفتن؟ تخرج إلى الأسواق التي فيها النساء المتبرجات، تنظر إلى الآلات التي فيها العاهرات والماجنات، تنظر في الصحف والمجلات التي فيها صور، الصور المثيرات، هل هذا يحقق عفاف مثل هذا الصيام؟ أبدًا، لكن صم الصوم الشرعي ليتحقق لك ما جاء الوعد به في نصوص الكتاب والسنة.
قد يقول قائل: أنا ما أتعرض للفتن، ولا أرى آلات، أنا ما أخرج من البيت، من البيت إلى المسجد، ومع ذلك إذا نمت بجوار زوجتي صارت شهوتي في رمضان أعظم من غيره؟ الرسول -﵊- يقول: «فعليه بالصوم فإنه له وجاء» وبعض من ينتسب إلى طلب العلم أحيانًا يحصل منه ما يحصل من غيره من التحرش بالزوجة أثناء الصيام، وذلكم لأن بعض الناس في وجبة السحور يأكل من الأكلات أو من الأكل المتنوع ويكثر منه جدًا، ثم بعد ذلك يصلي الفجر ينام إلى الظهر، ثم بعد ذلك يصلي الظهر وقد أخذ الجسد من ألوان الغذاء وترتبت الآثار عليه فأدى الطعام دوره الآن، بدأ يؤدي دوره؛ لأنه نام ما أحرق شيء من طعامه، لكن لو كان أكله خفيف، ومع ذلك ما اشتغل، استغل الوقت بالنوم، عمل واشتغل وأحرق، لا شك أنه يجوع حينئذ لا تثور شهوته، ويتحقق له العفاف، على كل حال، على الإنسان أن يحفظ صيامه.
كان كثير من السلف يحفظون صيامهم بلزوم المسجد، وخير مقام قمت فيه وحلية تحليتها ذكر الإله بمسجد، فلزوم المسجد دأب السلف، وهو بيت كل تقي، فعلى الإنسان أن يحرص على هذا، ولا يلزم من هذا أن يعطل الواجبات ويضيع من تحت يده، ويترك ما أوجب الله عليه من فرائض أخرى، وما استؤجر عليه من عمل لا يلزم هذا، بل يوفق بين هذا وهذا، والموفق من وفقه الله -جل وعلا- لأداء ما أوجب عليه، وترك ما نهاه عنه، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٢١ / ٧ ]