ثم يرفع رأسه بعد ذلك رافعًا يديه، يرفع رأسه من الركوع بعد ذلك، بعد أن يطمئن في ركوعه ويذكر ما ورد من أذكار في الركوع على الوصف الذي ذُكِر يرفع رأسه من الركوع رافعًا يديه، وهذا هو الموضع الثالث من مواضع رفع اليدين، قائلًا: «سمع الله لمن حمده» فهذا ثلاثة مواضع تُرفَع فيها اليدان، جاءت بها النصوص الصحيحة الصريحة، وعرفنا أن الموضع الرابع هو بعد القيام من التشهد الأول.
[ ١٧ / ٢٨ ]
فإذا استوى قائمًا من ركوعه قال: «ربنا ولك الحمد» يقول الإمام: (سمع الله لمن حمده) أثناء الركوع؛ لأنه ذكر الانتقال، مثل التكبير، فإذا استوى قائمًا قال: «ربنا ولك الحمد» وربما قال: «ربنا لك الحمد» بدون واو، وربما قال: «اللهم ربنا لك الحمد» بـ (اللهم) دون الواو، وربما جمع بينهما فقال: «اللهم ربنا ولك الحمد» فهذه هي أربع صيغ، كلها ثابتة، وإن زعم ابن القيم -رحمه الله تعالى- أن الصيغة الرابعة، وهي الجمع بين اللهم والواو لم تصح، لكنها صحيحة ثابتة في صحيح البخاري، ونعلم أن ابن القيم -رحمه الله تعالى- إنما ألف كتابه زاد المعاد في حال السفر، ليس عنده مراجع ولا كتب، لكنه إمام حافظ، ومن يعرو من الخطأ والنسيان والذهول، فهو ليس بمعصوم -رحمة الله عليه-.
[ ١٧ / ٢٩ ]
أقول: الجمع بين (اللهم) والواو صحيح ثابت في صحيح البخاري، ويجمع الإمام والمنفرد بين التسميع والتحميد، فيقول كل من الإمام والمنفرد: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد) اقتداءً بالنبي -ﷺ-، لكن المأموم هل يجمع بينهما؟ ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي، فعند الشافعية يجمع المأموم بين: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد» لأنه ثبت أن النبي -﵊- يقول: (سمع الله لمن حمده) ويقول: (ربنا ولك الحمد) والمأموم مطالب بالاقتداء بالنبي -﵊- والأئتساء به، وغيره يقول: الإمام يقول: (سمع الله لمن حمده) والمأموم يقول: (ربنا ولك الحمد) والإمام أيضًا يقول: (ربنا ولك الحمد) فقد صح عنه -ﷺ- أنه كان يقول: «سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» [رواه مسلم]، إذن الإمام والمنفرد يجمع بين التسميع والتحميد، والمأموم يقول: (ربنا ولك الحمد) ولا يقول: (سمع الله لمن حمده) لماذا نقول: لا يقول المأموم (سمع الله لمن حمده)؟ لأنه جاء في الحديث الصحيح: «فإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد» فهذه وظيفة الإمام، وتلك وظيفة المأموم، قد يقول قائل: الرسول -﵊- هو القدوة وجمع بينهما؟ نقول: هو قدوة في حاله، وفي مثل حاله -﵊-، يكون قدوة للإمام في هذا، فهذا وصفه حال كونه إمامًا، وما الذي يخرج المأموم؟ يخرجه قوله -﵊-: «فإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد» «فقولوا» لأن العطف بالفاء يقتضي الترتيب مع التعقيب، فمجرد ما يقول الإمام: (سمع الله لمن حمده) يقول المأموم: (ربنا ولك الحمد)، كما مضى نظيره «فإذا قال: ولا الضالين، فقولوا: آمين» هل معنى هذا أننا مع الإمام نقول: (ولا الضالين)؟ لا، نقول بعد انقطاع نفسه من قوله: (ولا الضالين) نقول: (آمين) وبعد انقطاع نفسه من قوله: (سمع الله لمن حمده) نقول: (ربنا ولك الحمد)
[ ١٧ / ٣٠ ]
لأن العطف بالفاء يقتضي هذا.
صح عنه أنه كان يقول: «اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد، ونقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب» وذكر مسلم عن أنس -﵁- قال: كان رسول الله -ﷺإذا قال: (سمع الله لمن حمده) قام حتى نقول: قد أوهم، ثم يسجد، ثم يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم.
لأنكم تشاهدون بعض الناس عنده خلل كبير في هذين الركنين، أعني ركن القيام من الركوع والقيام من السجود، فهو مجرد نقر، بعض الناس يفعل هذا بحيث إذا رفع هبط مباشرة. نعم قد يكونون من الناس الوافدين الذين اعتنقوا مذاهب أخرى، قد يوجد هذا، لكن النبي -﵊- إذا قال: (سمع الله لمن حمده) قام حتى نقول: قد أوهم، وذلك في صحيح مسلم، -يعني يطيل هذا الركن، الذي هو القيام- ثم يسجد، ثم يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم.
وفي حديث أبي حميد: (فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار إلى مكانه) ما المراد بقوله: (إلى مكانه)؟ إلى مكانه إيش قبل الركوع أو قبل الدخول في الصلاة؟ هو الآن قبل الركوع قابض، واضع يديه على صدره، وقبض ركبتيه، ثم رفع من ذلك الركوع، فإذا رفع استوى حتى يعود كل فقار إلى مكانه، هل المراد إلى مكانه قبل الركوع أو قبل الدخول في الصلاة؟ وما الذي يترتب على هذين الاحتمالين؟ إذا قلنا: قبل الركوع، يكون بعد الركوع قابض كما كان قبل الركوع، وهذا هو الأولى، وهو الذي ورد في حديث وائل بن حجر. وإذا قلنا: حتى يعود كل فقار إلى مكانه قبل الدخول في الصلاة، معناه أنه يرسل يديه؛ لأنه قبل الصلاة ما فيه قبض، ولهذا قال بعضهم: أنه لا يقبض يديه بعد الركوع، بل زعم أن ذلك بدعة.
والصواب أنه يقبض يديه بعد الركوع، والمراد: (حتى يعود كل فقار إلى مكانه) ما قبل الركوع، وهو الأقرب.