[ ١٧ / ٢٠ ]
قال ابن القيم: وكان له سكتتان، سكتة بين التكبير والقراءة، يريد بها السكتة التي سأله عنها -﵊- أبو هريرة: أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ هذه السكتة الأولى وهي في الصحيحين، اختلف الثانية، جاء إجمالًا أنه كانت له سكتتان، اختُلِف في الثانية، وجاء ما يدل على أنها بعد الفراغ من الفاتحة، وجاء ما يدل على أنها بعد الفراغ من القراءة، فمن أهل العلم من قال: المراد بالسكتة الثانية، إذا فرغ الإمام من قراءة الفاتحة يسكت ليقرأ المأموم الفاتحة، ليمكِّن المأموم من قراءة الفاتحة، هذا قول، ومنهم من يقول: لا، السكتة الثانية بعد الفراغ من القراءة، ليتراد النَّفَسُ قبل الركوع، ومنهم من يقول: هي ثلاث سكتات، لا يصل بين القراءتين، فإذا قال: (آمين) انتظر قليلًا وهي سكتة، وإذا فرغ من القراءة سكت ليتراد النَّفَس، وكلام أهل العلم في هذه المسألة معروف، فعلى الكلام الأخير تكون ثلاثًا.
يقول ابن القيم: والظاهر أنما هي اثنتان فقط، وأما الثالثة فسكتةٌ لطيفةٌ لأجل تراد النَّفَس، فلم يكن يصل القراءة بالركوع، بخلاف السكتة الأولى، فإنه يجعلها بعد الاستفتاح، والثانية قد قيل: إنها لأجل قراءة المأموم فعلى هذا ينبغي تطويلها بقدر قراءة الفاتحة، ليتمكن المأموم من قراءة الفاتحة، وأما الثالثة فللراحة والنَّفَس فقط، وهي سكتة كما قال ابن القيم لطيفة، فمن لم يذكرها فلقصرها، ومن اعتبرها جعلها سكتة ثالثة، فلا اختلاف بين الروايتين.
[ ١٧ / ٢١ ]
روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث الحسن البصري عن سمرة عن النبي -ﷺ- أنه كان يسكت سكتتين: إذا استفتح، وإذا فرغ من القراءة كلها، وفي رواية: سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [(٧) سورة الفاتحة] مجموع الروايات تدل على أن السكتات ثلاث، لكن هل يثبت مثل هذا الحكم بمثل هذا الإسناد: الحسن عن سمرة؟ هل سمع الحسن من سمرة أو لم يسمع؟ المسألة خلافية بين أهل العلم، أما سماع الحسن من سمرة حديث العقيقة فهذا في صحيح البخاري، عن حبيب بن الشهيد: قال لي محمد بن سيرين: سل الحسن عمن سمعت حديث العقيقة؟ فقال: عن سمرة، فهذا نص على أن الحسن سمع من سمرة حديث العقيقة، لكن هل سمع غيره؟ المسألة خلاف بين أهل العلم، فيبقى كل على مذهبه، من يثبت سماع الحسن من سمرة مطلقًا يقول: الحديث صحيح، ومن لا يثبته يقول: الحديث فيه انقطاع، والحسن -﵀- معروف بالإرسال، وهو موصوف بالتدليس.
على كل حال بعد قراءة الفاتحة يسكت الإمام، ولو لم يكن بقدر قراءة الفاتحة للمأموم، المقصود أنه يفصل بين القراءتين، وإذا أنهى القراءة يسكت ليتراد النَّفَس، وبهذا يكون جمع بين الروايات كلها.
من لا يحسن القراءة وعجز عن تعلمها؛ لأن بعض الناس لا سيما من كبار السن ممن لم يلتفت إلى الحفظ إلا بعد أن طعن في السن، مثل هذا يصعب عليه القراءة، قد يكون حافظًا للفاتحة، لكن حفظه غير مجزئ حفظ غير صحيح، يُخَيَّل للإنسان أنه قارئ، وليس بقارئ بالفعل.
فالذي يقرأ وهو إمام -إمام مسجد- في بلد من البلدان يقول: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [(٨) سورة التكاثر] هل هذا قراءته صحيحة؟ لا، ليست بصحيحة. هل هذا تغيير يسير؟ هذا يقلب المعنى رأسًا على عقب، اللام لام التأكيد تُقلَب (لا) نافية؟ فبعض الناس من هذا النوع يظنه يقرأ و، وسمعنا بعض الشياب من كبار السن من العوام قراءات فيها تصحيف وفيها تحريف، واللحن عاد حدِّث ولا حرج، الذي هو تغيير الحركات التصحيف والتحريف شيء لا يخطر على البال عند بعض العوام، وعنده أنه يحسن القراءة.
[ ١٧ / ٢٢ ]
أنا أقول: الفاتحة وهي ركن من أركان الصلاة على المسلم أن يُعنَى بها، والحمد لله الآن الأمور متيسرة الآن، حلق القرآن في كل مكان، البيوت مملوءة ممن يقرأ القرآن من الذكور والإناث، ويش اللي يمنع يا أخي أن كبير السن من رجل أو امرأة يقول: تعال يا ولد حفظني الفاتحة، تعالي يا بنت حفظيني، إيش المانع؟! ولو يموت وهو يتعلم الفاتحة مو بكثير، هذا يتعلم علم من أهم العلوم، أمر لا تصح الصلاة بدونه، لكن إذا عجز واستغلق عليه الأمر؛ لأن بعض الناس يستحجر خلاص، ما يمكن يحفظ شيء، إذا عجز عن ذلك اكتفى بالتحميد والتكبير والتهليل، فعن رفاعة بن رافع أن رسول الله -ﷺعلم رجلًا الصلاة، فقال: «إذا كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله، ثم اركع» [رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن].
في حكم من لم يستطع تعلم الفاتحة حديث العهد بالإسلام، إذا أسلم شخص ونطق بالشهادة وتعلم عُلِّم الوضوء وتوضأ وجاء إلى الصلاة، يُنتظر به إلى أن يحفظ الفاتحة، وحفظها يحتاج إلى وقت طويل، لا سيما إذا كان كبير سن، فيقال له: كبر واحمد وهلل، وتحفظ بعد ذلك -إن شاء الله تعالى-.