ثم بعد الاستفتاح يتعوذ، يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فكان -﵊- بعد التكبير، وبعد الاستفتاح الذي سبق ذكره يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه» والحديث لا يسلم من مقال، لكنه بشواهده، له شواهد يثبت بها، يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإن قال: «من همزه ونفخه ونفثه» لا سيما في صلاة الليل فحسن، والحديث الذي ذكرناه هو في المسند والسنن من حديث أبي سعيد.
ثم بعد ذلك يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم" دعاء الاستفتاح والاستعاذة والبسملة سنن، بعد التعوذ يقول: بسم الله الرحمن الرحيم سرًا مطلقًا، سواء جهر بالقراءة أو أسر بها، مطلقًا في السرية والجهرية، يسر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) وإن جهر بها أحيانًا فلا بأس، ثبت في الحديث أن النبي -﵊- كان يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ (الحمد لله رب العالمين) فهم منه بعض أهل العلم أن البسملة وما قبل البسملة بعد التكبير لا يشرع، وهذا معروف عند المالكية، (الله أكبر) (الحمد لله رب العالمين) لماذا؟ لأنه صح في الحديث أن النبي -﵊- يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين بل بالغ بعض الرواة في رواية هذا الحديث: "صليت خلف رسول الله -ﷺ- وأبي بكر وعمر فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها" لا يذكرون.
[ ١٧ / ١٥ ]
لكن هل يلزم من كونهم يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ألا يقولوا: بسم الله الرحمن الرحيم سرًا، بحيث لم يسمعها الراوي؟ ولذا الحافظ ابن حجر حمل نفي الذكر على نفي الجهر، وصحح الرواية التي في صحيح مسلم، ومنهم من أعلها؛ لأنها مخالفة لما جاء في أحاديث أخرى، المقصود أن من أهل العلم من أعلها وضعفها، ومُثِّلَ بها لعلة المتن، يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
وعلة المتن كنفي البسملة إذ ظن راوٍ نفيها فنقله
ما سمع، ظن أن النبي -﵊- لم يقلها البتة، فنقله، لكن إذا أمكن حمل الخبر الذي جاء بإسناد صحيح على محمل صحيح، بحيث يتفق ويتسق مع النصوص الأخرى، تعين ذلك، لا سيما وأن الخبر في صحيح مسلم، فإذا حملنا عدم الذكر على عدم الجهر انتهى الإشكال.
ومن أهل العلم من يرى استحباب الجهر بالبسملة مطلقًا؛ لأنها آية من الفاتحة، فهي كغيرها من آيات الفاتحة، يقرأ بها، فإذا قال: يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، يعني بسورة الحمد، والبسملة آية منها على هذا القول، والجمهور على أنها يُسَرُّ بها، لحديث: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين» فدل على أنها ليست بآية من الفاتحة، والمسألة كون البسملة آية من الفاتحة أو ليست بآية مسألة طويلة الذيول، والخلاف فيها كبير بين أهل العلم على أنهم يتفقون على أنها ليست بآية من سورة براءة، وعلى أنها بعض آية من سورة النمل، والخلاف في غيرها من المواضع، وشيخ الإسلام يرجح أنها آية واحدة جاءت للفصل بين السور، فعلى هذا الإسرار بها أفضل، إن جهر بها أحيانًا فلا بأس حينئذ.