[ ٢٠ / ١٢ ]
إذا ثبت دخول الشهر لزم تبييت النية، النية مبيتة عند كل مسلم، بأنه كلما جاء رمضان يصوم، لكن إذا لم يبيت النية قبل طلوع الصبح فإن صيامه لا يصح، والنية شرط لصحة الأعمال، كما في حديث عمر -﵁- «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» فلا بد من تبييت النية، وجاء في الحديث: «لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل» وهذا في الفرض، أما في النفل فقد دل الحديث على أنه كان -﵊- إذا جاء إلى أهله سألهم هل عندهم شيء -يعني مما يؤكل- فإن أجابوا بالنفي، قال: إنه صائم -﵊-، فتصح نية النفل من أثناء النهار، على ألا يذهب غالب النهار؛ لأن الحكم للغالب، والنية حينئذ تنعطف، فيؤجر على صيام اليوم كاملًا، وهذا من فضل الله -جل وعلا-، وإن كان بعضهم إنما له أجر ما نواه من أثناء النهار، لكن باعتبار أن الصيام من أثناء النهار غير صحيح، وليس بشرعي، وأنه لا يصح الصيام إلا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ثبت له هذا الأجر فضل من الله -جل وعلا-، وإن لم ينو إلا في أثناء النهار، ولا بد حينئذ من استيعاب الوقت، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ [(١٨٧) سورة البقرة] لا بد من هذا، وأهل العلم يقولون: إن إمساك جزء من الليل مما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، بمعنى أنه لا يجوز له أن يأكل بعد طلوع الفجر، بل يلزمه أن يمسك قبيل طلوع الفجر؛ لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ لأن الفجر يعني إدراكه لعموم الناس صعب، متعذر، لا يحصل إدراكه إلا للخواص من الناس، فإذا عرفه وبلغ هؤلاء الخواص فإن تبليغهم للعامة لا يمكن أن يأتي في لحظة، وإذا كان إدراكه بدقة متعذر، فلا بد من إمساك جزء من الليل ولو يسير، جزء يسير ليضمن أنه صام من طلوع الفجر إلى غروب.
[ ٢٠ / ١٣ ]
وكذلك لا يفطر حتى يتحقق أن قرص الشمس قد غاب كاملًا، فإن أكل بعد طلوع الفجر ظانًا أنه لم يطلع ولا بد لهذا الظن من مستند، أما التفريط، بعض الناس ينام في مكان مظلم، والمكيف شغال، ما يسمع شيء، فإذا انتبه واستيقظ بعد الأذان أكل، هذا إذا استيقظ عليه أن يتثبت، ويسأل قبل أن يأكل هل طلع الفجر أو لم يطلع؟ نقول: يأكل باعتبار أن الأصل بقاء الليل؟ لا، لا يا أخي أنت مفرط وعليك القضاء حينئذ، أما إذا بذلت الأسباب واستيقظت ونظرت في الأفق، وسألت من حولك، بذلت الأسباب ثم تبين لك أنك أكلت النهار والأصل بقاء الليل، كثير من الناس يفرط، يستيقظ بعد الأذان بنصف ساعة مثلًا أو بربع ساعة أو والناس يصلون، يسمع الإقامة ثم يأكل، نقول: يا أخي أنت مفرط، يقول: الأصل بقاء الليل، لا يا أخي، لو ترك مثل هذا، نقول: بإمكانك أن تنام في قبو، في مطمورة كما يقول أهل العلم، يعني بحيث لا ترى الضياء، إلى الإفطار، تقول الأصل بقاء النهار، ما هو بصحيح هذا، ثم بعد ذلك عليه أن يستمر ممسكًا عن الطعام والشراب والجماع والشهوة، عليه أن يمسك عن المفطرات حتى يتيقن غروب الشمس.
[ ٢٠ / ١٤ ]
ولو أكل ظانًا أن الشمس قد غربت، أو ينظر في الأفق ما يرى الشمس لوجود غيم أو ما أشبه ذلك، أو كسوف مطبق بحيث لا ترى الشمس، ثم طلعت عليه الشمس فإن مثل هذا عليه أن يقضي، لحديث أسماء بنت أبي بكر في الصحيح، أنهم أفطروا، ثم طلعت الشمس، وحينئذ أمروا بالقضاء، وهل بد من القضاء؟ لأن الأصل بقاء النهار في مثل هذه الصورة، والتسامح في مثل هذا بعض الناس ساعته يكون فيها زيادة في الدقائق، مثلًا عشر دقائق أو خمس دقائق، ثم يفطر باعتبار أن هذه الساعة مطابقة للتقويم؛ لأن بعض الناس عنده حرص -وهذا في الغالب- على الدوام، الوظيفة، تجد الساعة يقدمها ربع ساعة، بحيث إذا رآها عجل إلى دوامه ظن أنه متأخر، ثم يستصحب هذا في الإفطار، نقول: يا أخي لو تحرص على دينك مثل حرصك على دنياك، حصلت على خير عظيم، مع أنه هو الأصل، لأنك إنما خلقت لتحقيق العبودية لله -جل وعلا- ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [(٥٦) سورة الذاريات] وأما بالنسبة لأمور الدنيا يعني آخر ما يفكر به ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [(٧٧) سورة القصص] والعكس الآن صار عند كثير من المسلمين، الأصل عنده هذه الدنيا وحطامها، ثم بعد ذلك احتاج إلى أن يقال له: ولا تنس نصيبك من الآخرة، والله المستعان.
فإذا أكل أو شرب –يعني أفطر قبل غروب الشمس– فإنه يلزمه حينئذ القضاء، والدليل على ذلك حديث أسماء المخرج في الصحيح، وأيضًا يعضده الأصل، الأصل بقاء ما كان على ما كان، واليقين لا يزال بالشك، وأهل العلم يلحقون بالشك غلبة الظن، في هذا الباب، بمعنى أنه أكل شاكًا في غروب الشمس، أو غلب على ظنه أن الشمس قد غربت، ثم تبين أنها لم تغرب، يجب عليه القضاء؛ لأن اليقين السابق -وهو بقاء النهار- لا يزال بمجرد الشك، ولو وصل إلى درجة غلبة الظن، لأنه تبين بطلوع الشمس أنه ظن كاذب، ظن غير صادق غير صحيح، فيلزمه حينئذ القضاء.