[ ٦ / ١٠ ]
أكل الحرام، شرب الحرام، لبس الحرام، التغذية بالحرام، «ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!» استبعاد، كيف يستجاب لمثل هذا؟ الذي يتقلب في الحرام في جميع تصرفاته كيف يستجاب له؟ فصدر الحديث يدل على بذل السبب، سبب القبول وآخر الحديث يدل على أنه لا بد من انتفاء المانع من القبول، ولذا الأسباب وحدها لا تؤتي ثمارها ما لم تكن الموانع منتفية، فلا بد مع توافر الأسباب انتفاء الموانع، فآخر الحديث يشهد لأوله، فالحرص على طيب الكسب وطيب المطعم، وطيب المشرب، وطيب الملبس سبب للقبول، لكن هل يستقل هذا السبب بالقبول، أو لا بد من انتفاء المانع؟
والسبب عند أهل السنة والجماعة جعله الله -جل وعلا- سببًا وجعل فيه تأثير، فالله -جل وعلا- هو المسبب وهو الذي جعل التأثير، ولا يستقل السبب بالتأثير كما تقول المعتزلة: أن السبب يستقل بالتأثير، وليس وجود السبب كعدمه كما تقول الأشعرية، يقولون: أن السبب وجوده مثل عدمه، ولذا يقررون في كتبهم أنه ليس هذا من باب الإلزام، بل صرحوا به، قالوا: أنه يجوز أن يرى الأعمى -وهو في الصين- البقة وهو في الأندلس، صغار البعوض أعمى في الصين في أقصى المشرق، يرى صغار البعوض –البقة- وهي في الأندلس، تراهم يا إخوان أصحاب عقول أصحاب ذكاء، لكن لما بعدوا عن النصوص وخلي بينهم وبين عقولهم أتوا بمثل هذه المضحكات، وإلا أدنى عاقل يقول لك أعمى في الصين يرى بقة في الأندلس؟!
[ ٦ / ١١ ]
أقول الأسباب لا شك أن لها أثرًا جعله الله -جل وعلا- فيها، نضرب مثال في فصل الشتاء في البرد الشديد يلبس الإنسان من الثياب ما يجزم أو يغلب على ظنه أنه يقيه البرد، نعم، قد يصاب بمرض مع وجود هذا السبب، هذا سبب ومحسوس وجعله الله -جل وعلا- سببًا، سبب عادي، لكن قد تترتب عليه آثار وقد تتخلف، هل يقول قائل: أن من يلبس الثياب في الشتاء ويحتاط لنفسه بآلات التدفئة مثل شخص اغتسل بثيابه وبرز إلى الشارع أو إلى البر، هناك فرق أو لا ما فيه فرق في الشتاء؟ فيه فرق كبير، هذا بذل السبب وهذا فرط، والسبب نافع بإذن الله -جل وعلا-، فالله -جل وعلا- جعل في الأسباب تأثيرًا، لكنها لا تستقل بالتأثير بدليل أنه قد توجد هذه الأسباب ويصاب الإنسان بما وضعت هذه الأسباب من أجل دفعه.
[ ٦ / ١٢ ]
قد يؤتى الإنسان من شدة حرصه، يعني شخص بذل السبب وما فرط في رعاية صحته، اعتنى بأكله الأكل المناسب لجسمه ولسنه بالقدر المطلوب، الذي يقرر الأطباء أنه في الغالب ينفع ولا يضر، وعلى صلة مستمرة بالأطباء والتحاليل باستمرار أسبوعيًا –هذه المسألة واقعة– شخص محتاط لنفسه، ويحلل في كل أسبوع من أجل زاد كذا نقص كذا، هذا بذل السبب، لكن ما الذي حصل بعد كم أسبوع؟ قال له الأطباء: إنك مصاب بسرطان الدم، طيب وين احتياطاتك؟ ووين أسبابك؟ وكم من شخص مفرط .. لكن لا يعني أن الأسباب لا تأثير لها، الأسباب لها تأثير، وقد أمرنا بفعل الأسباب، وترك الأسباب قدح في العقل، والاعتماد عليها قدح في الشرع، لا شك أن الأكل «أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة» سبب في استجابة الدعوة، ولا بد من انتفاء الموانع، قد يوجد السبب وينتفي المانع، ويتخلف الأثر، قد يدعو الإنسان مع توافر الأسباب وانتفاء الموانع ولا تستجاب دعوته؟ الأسباب متوافرة والموانع منتفية، ما أجيبت الدعوة؛ لأن الله -جل وعلا- وعده إما أن يجيب دعوته، أو يدفع عنه من الشر أعظم مما دعا به، أو تدخر له هذه الدعوة يوم القيامة أحوج ما يكون إليها، وبعض الناس يقول: الدعاء لا قيمة له، والله -جل وعلا- يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [(٦٠) سورة غافر] بعض من ينتسب إلى التصوف يقول: الدعاء لا قيمة له، فإذا كان الله -جل وعلا- قد قدر لي هذا الشيء لا بد أن يحصل دعوت أو لم أدع، وإذا لم يقدر لي فإنه لن يحصل لي دعوت أو لم أدع، نقول: ومع ذلك ادع، أنت مأمور ببذل ما أمرت به، وليست النتائج بيدك، ولا الإطلاع على ما في اللوح المحفوظ بيدك، أنت مأمور بالدعاء ادع، ولذا لا يطرد هذا المبدأ عندهم، هذا المبدأ لا يطرد عندهم، تقول له: يا أخي ليش تتزوج؟ قال: أريد الولد، قلت له: لا يا أخي لا تتزوج إن كان مكتوب لك أولاد بيجون، وإن كان ما كتب لك أولاد لو تنكح مائة امرأة ما جايك عيال، يقول: لا يا أخي لا بد من بذل الأسباب، طيب وين الأسباب الثانية، نعم، فيضطرب مذهبه في هذا.
[ ٦ / ١٣ ]
على كل حال الله -جل وعلا- كما في الحديث طيب لا يقبل إلا ما كان طيبًا، فعلى الإنسان أن يحرص ألا يدخل في جوفه إلا ما يجزم بحله من جهة، وأن يكتسب المال من حله، وأن ينفقه في وجوهه الشرعية؛ فالشخص المخلط الذي لا يحتاط لنفسه في الكسب سواء كان من أهل المعاملات التجارية الذي ترد الشبهات على عقوده وقد يتجاوزها إلى المحرمات وهو مخلط في كسبه، مثل هذا على خطر من هذا الحديث، وقل مثل هذا في الموظف الأجير الذي لا يؤدي الدوام على الوجه المتفق عليه، كثير من الناس تجده من الأخيار ودائمًا يلهج بذكر الله وشكره ودعائه والانكسار بين يديه، لكن ما تجاب دعوته، لكن لا يخطر بباله أنه يأكل الحرام، فالأجير إذا فرط بشيء مما اتفق معه عليه، صار مقابل هذا التفريط غير مباح محرم، نعم هناك أمور جرى العرف على التسامح فيها، يعرف المسئولون أن هذه أمور لا بد أن تقع، ولا يحاسبون عليها؛ لأن الإنسان لا بد أن يحصل له ما يحصل لكن لا يكون عادة وديدن إذا حصل له ذلك يبادر في بذل الأسباب التي تعينه على أداء عمله على أكمل وجه.
المال الذي فيه شبهة، ليس بمحرم صريح، وليس بحلال صحيح، بل هو من الأمور التي بين هذه وهذه من المشتبهات، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: إنه يجوز أن تسدد به الديون، لكن لا يؤكل؛ لأن الأكل وإدخال الجوف ما لا يعلم حله أثره على القلب، ثم بالتالي القلب يؤثر على الجوارح فكأن الشيخ -رحمه الله تعالى- في المال الذي فيه شبهة ليس المال المحرم، الذي فيه شبهة يجيز سداد الديون منه، شخص يأخذ من الصدقات والزكوات ويمر به مسكين هل له أن يتصدق عليه، أو نقول: إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا؟ أهل العلم يقولون: الشيء اليسير الذي يرد به المسكين ولا يؤثر في معيشته ومعيشة من يمون لا يحدث خلل فيه، يقولون: للفقير أن يتصدق به، ويرجى له ثوابه -إن شاء الله تعالى-، وممن نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.
[ ٦ / ١٤ ]
إذا أراد أن يحج فعليه كما يقول أهل العلم: أن يتحرى الكسب الطيب، ليكون حجه مبرورًا مقبولًا، ويجتنب ما فيه شبهة، فضلًا عن الأمور المحرمة؛ لأن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، لكن هل مثل هذا الكلام يقال لشخص معاملاته ليست على الطريقة الشرعية، إما بغش وخداع وحيل أو ربا أو ما أشبه ذلك من عقود محرمة، ثم بعد ذلك إذا جاء الحج يحرص أن يعقد صفقة صحيحة نظيفة ليحج بها؟ هل له ذلك؟ أو نقول: جل ماله محرم، فالذي يغلب على الظن عدم القبول.
إذا حججت بمال أصله سحت فما حججت ولكن حجت العيرُ
فعلى الإنسان أن يحرص على طيب المكسب، وأن يحرص أيضًا على الإنفاق، إنفاق الأموال في وجوهها المشروعة؛ لأن من الناس من يحرص ويحتاط للكسب، لكنه عند الإنفاق يتساهل فلا بد من أخذ المال من حله وإنفاقه في وجهه؛ لأن الشارع نهى عن إضاعة المال ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾ [(٥) سورة النساء] ونهى عن «قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال» فالمال محترم في شريعة الإسلام، وحفظه مما جاء الشرع بالتأكيد عليه كحفظ النفس والعرض والدين من الضرورات، «ومن قتل دون ماله فهو شهيد».
في درس الأمس أطلنا في الشرح وضاق الوقت. . . . . . . . .
أقول: في درس الأمس استغرقنا في الكلام، وإلا الكلام على مثل هذا الحديث لا ينتهي، والصور كثيرة جدًا، والصور المتعلقة بهذا الباب كثيرة لا تنتهي، وبعض الناس يهمه ويستفيد من الأسئلة أكثر من الكلام المرسل، فنأخذ وقت كافي للأسئلة.