ثم بعد ذلك يقرأ دعاء الاستفتاح، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة -﵁- قال: "كان رسول الله -ﷺإذا كبر للصلاة سكت هنيهةً قبل أن يقرأ –سكت مدةً بين التكبير والقراءة – فسأله -أبو هريرة يسأل النبي -﵊- وهو معروف بالحرص على الخير– أرأيت سكوتك ما تقول؟ فقال: «أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد» هذا مخرج في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة.
هنا يقول: «اللهم باعد بيني» بالإفراد، ما قال: (باعد بيننا)، وجاء في حديث ثوبان وغيره الوعيد الشديد على من أَمَّ الناس في الصلاة وخص نفسه بالدعاء دونهم «إذا أم أحدكم قومًا فلا يخص نفسه بالدعاء» «لا يأمن أحد قومًا فيخص نفسه بالدعاء» المقصود أنه جاء النهي عن تخصيص النفس بالدعاء بالنسبة للإمام، وهنا -﵊- ثبت عنه أنه قال: «اللهم باعد بيني» هذا إفراد، خص نفسه بهذا الدعاء، ابن خزيمة لما رأى المعارِض والمعارَض بينهما بون في الثبوت، فهذا في الصحيحين وذاك حديث حسن، حكم على الحديث الآخر بأنه موضوع، لماذا؟ لأنه مخالف لما ثبت في الصحيحين، لكن إذا أمكن الجمع، والإسناد لا بأس به، لا داعي إلى الحكم بالوضع؛ لأن النظر في المعارضة تأتي بعد تعذر الجمع، والجمع ممكن.
[ ١٧ / ١٢ ]
شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يقول: تخصيص النفس بالدعاء المراد به الدعاء الذي يُؤمَّن عليه، أما دعاء الإمام الذي لا يُؤمِّن عليه المأموم فلا مانع من أن يخص نفسه بالدعاء، ولا مانع أن يقول: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي) ويدعو لنفسه في السجود ويدعو بين السجدتين (اللهم اغفر لي) كما ثبت عن النبي -﵊- يخص نفسه بالدعاء الذي لا يُؤمَّن عليه.
لكن هل يُعقَل في دعاء القنوت مثلًا أن يقول الإمام: (اللهم اهدني فيمن هديت، اللهم عافني فيمن عافيت) والمأمومون يقولون: (آمين)؟ يمكن أن يقال هذا؟ يدعو لنفسه ويؤمن المأمومون على دعائه لنفسه؟ هذا لا يجوز بحال، بل قد يتصرف بعض الأئمة بما يبطل صلاته، إذا خص نفسه بالدعاء والناس يقولون: (آمين) هذا يكون لا شك أنه يعرض صلاة بعض المأمومين -لا سيما من عُرِف بشيء من الحمق- يعرضه للبطلان. قد يقول قائل: إذا قال: اللهم اهدني فيمن هديت والناس رواءه يقولون: آمين، قد يدعو عليه، لكن مثل هذا الدعاء الذي يؤمن عليه، لا يجوز تخصيص الإمام نفسه بالدعاء.
السخاوي وجمع من أهل العلم يرون أن الدعاء الذي لا يجوز تخصيص الإمام نفسه فيه الدعاء الذي لا يشترك فيه الإمام والمأموم في الصلاة، يعني الذي لا يشرع لكل مصلٍّ، لا يجوز للإمام أن يخص نفسه به، يعني إذا جاء بدعاء لم يُشرَع أصله في الصلاة، من الدعاء المطلق مثلًا، في السجود أو بعد أن يستعيذ بالله من أربع، يتخير من المسألة ما شاء، لكن لا يجوز له أن يخص نفسه، إضافةً إلى ما في دعاء القنوت.
لكن كأن رأي شيخ الإسلام -﵀- أوضح.
[ ١٧ / ١٣ ]
إن استفتح بقوله: «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك» وحديث الاستفتاح بهذا روي مرفوعًا عند أحمد وأصحاب السنن، وصح عن عمر -﵁- أنه كان يستفتح به في مقام النبي -ﷺ- ويعلمه الناس، إن استفتح بهذا الدعاء فهو حسن لثبوته عن عمر -﵁-، وكان يستفتح به في مقام النبي -ﷺ- ويجهر به، ويعلمه الناس، رواه مسلم موقوف على عمر، وهو مخرج عند أحمد وأصحاب السنن مرفوع، والإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يرجح هذا الاستفتاح، الاستفتاح بـ «سبحانك اللهم وبحمدك » من وجوه، ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- وجوه كثيرة لترجيح هذا الاستفتاح، لكن ما دام ثبت المرفوع وفي الصحيحين أيضًا كما تقدم لا شك أنه يكون أرجح؛ لكن إن استفتح بهذا الدعاء المأثور عن هذا الخليفة الراشد وجهر به بين الصحابة في أمر توقيفي في عبادة، المظنون به أنه تلقاه عن النبي -ﷺ-.
وقد صح عن النبي -﵊- في دعاء الاستفتاح ألفاظ وصيغ كثيرة، منها المختصر، ومنها المطول، غالبها وجلها في صلاة الليل «اللهم رب جبرائيل وميكائيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» ثبت عنه، لكن هذا في صلاة الليل، وثبت عنه أدعية مطولة، وعلى المسلم أن يحفظ هذه الأدعية، جوامع هذه الأدعية، ويحفظها، ويأتي بها على التعاقب؛ لأن الاختلاف بينها ليس اختلاف تضاد بأن نرجح بعضها على بعض ونقتصر عليه، وإنما هو اختلاف تنوع، وكلها ثابتة عن النبي -﵊-، كما أشار إلى ذلك الإمام أحمد، يقول: أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر -﵁-، ولو أن رجلًا استفتح ببعض ما روي عن النبي -ﷺ- من الاستفتاح كان حسنًا.
[ ١٧ / ١٤ ]
لكن دعاء الاستفتاح جاء بصيغ على المسلم لا سيما من ينتسب إلى العلم وطلبه أن يحفظ هذه الأدعية، ويأتي بها على التعاقب لا يجمع بينها، يأتي بها على التعاقب، أحيانًا يستفتح بهذا، وأحيانًا يستفتح بهذا، وفي صلاة الليل يستفتح بكذا، وهكذا.