ثم بعد ذلك يركع رافعًا يديه مكبرًا، يركع مكبرًا رافعًا يديه، وهذا هو الموضع الثاني من مواضع رفع اليدين، الأول مع تكبيرة الإحرام، والثاني مع تكبيرة الركوع، رافعًا يديه كبر وأمكن يديه من ركبتيه، إذا كبر وركع مكن يديه من ركبتيه كأنه قابضهما، يعني يمكن يديه من ركبتيه.
وأما التطبيق فقد كان في أول الأمر ثم نُسِخ، وهو وضع اليدين بين الركبتين، هذا يسمونه التطبيق، وهو منسوخ، أمكن يديه من ركبتيه (ثم هصر ظهره) كما في حديث أبي حميد في البخاري وغيره، هصر ظهره يعنى ثنى ظهره (ووتَّر يديه) جعل يديه إذا قبض بهما ركبتيه كالوتر، بمعنى أنهما مستقيمتان، ونحاهما عن جنبيه (وبسط ظهره) أي مد ظهره وعدَّله، وجاء في وصف حاله -﵊- أثناء الركوع أنه بحيث لو صُبَّ الماء على ظهره لاستقر، متى يستقر الماء؟ إذا لم يكن فيه ميلان ولا انحناء.
[ ١٧ / ٢٦ ]
يبسط ظهره ويمده، وفي حديث عائشة -﵂-: (كان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوِّبه، ولكن بين ذلك) رواه مسلم (يشخص رأسه) يرفعه، (لم يصوِّبه) لم يخفضه، إيش معنى الإشخاص؟ يشخص رأسه يعني يرفع رأسه، الروح إذا خرجت شَخَص البصر، ارتفع البصر ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [(٤٢) سورة إبراهيم] فالمقصود بهذه اللفظة (لم يشخص) يعني لم يرفع رأسه (ولم يصوبه) يعني لم يخفض رأسه، فالتصويب هو الخفض، ولذا جاء في المطر «اللهم اجعله صيبًا نافعًا» فقوله: «صيبًا» يعني ينزل، الصيب الذي ينزل، فتصويب الرأس إنزاله.
وفي حديث الواهبة التي وهبت نفسها إلى النبي -﵊- كما في الحديث الصحيح، النبي -﵊- صعَّد النظر فيها وصوَّبه، يعني رفع بصره وأنزله، لينظر إلى هذه المرأة الواهبة هل تصلح له أو لا تصلح -﵊-؟. المقصود أنه يكون رأسه بين ذلك، بين الخفض وبين الرفع.
[ ١٧ / ٢٧ ]
وكان يقول: «سبحان ربي العظيم» وتارةً يقول مع ذلك: «سبحان اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي» «سبحان ربي العظيم» لما نزل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [(٧٤) سورة الواقعة] قال: «اجعلوها في ركوعكم» ولما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [(١) سورة الأعلى] قال: «اجعلوها في سجودكم» فالركوع والسجود موضع للتسبيح، وهو التنزيه، ولذا تحرم القراءة، قراءة القرآن في الركوع والسجود، وقد جاء النهي الصحيح عن القراءة في الركوع والسجود، فلا يجوز أن يُقرَأ القرآن في حال الركوع والسجود، وللركوع صفة، وللسجود أخرى: «أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقَمِنٌ أن يستجاب لكم» هنا هل مفهوم هذا أننا لا ندعو في الركوع؟ لا يقتضي هذا، لكن يكون أكثر الذكر في هذا الموضع التعظيم، وإلا جاء قوله: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» هذا دعاء في الركوع، لكن ينبغي أن يكون الدعاء في السجود أكثر، يكون التعظيم في الركوع أكثر وفي السجود الدعاء أكثر، «فقَمِنٌ أن يستجاب لكم».
وكان ركوعه -﵊- المعتاد مقدار عشر تسبيحات، وسجوده كذلك، وكان يقول في ركوعه أيضًا: «سبوح قدوس رب الملائكة والروح» [رواه مسلم]، وتارةً يقول: «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي» [رواه مسلم أيضًا]، لكن قال ابن القيم: أن هذا إنما حُفِظَ عنه في قيام الليل.