ثم بعد ذلك يقرأ الفاتحة، والفاتحة ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا بها، في حديث عبادة بن الصامت: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» فدل على أنها لا بد منها فهي ركن من أركان الصلاة، لكن تلزم من؟
[ ١٧ / ١٦ ]
هل تلزم كل مصلٍّ؟ هل كل مصلي تلزمه الفاتحة كما يقول أبو هريرة وهو اختيار البخاري والشوكاني؟ كل مصلي تلزمه الفاتحة، فعلى هذا لو جاء والإمام راكع، وأدرك الركوع، ما أدرك الركعة، لماذا؟ لأنه لن يتمكن من قراءة الفاتحة، والفاتحة ركن لكل مصلٍّ على هذا القول.
والقول الثاني: أنها تلزم كل مصلٍّ إلا المسبوق، تلزم الإمام والمأموم والمنفرد في كل ركعة، حاشا المسبوق، فالمسبوق الذي دخل والإمام راكع فأدرك الركوع تسقط عنه قراءة الفاتحة، بدليل حديث أبي بكرة، وهذا قول الإمام الشافعي، وأنها لازمة لكل مصلٍّ حاشا أو عدا المسبوق.
المعروف عند كثير من أهل العلم أنها تلزم الإمام والمنفرد، أما المأموم فلا تلزمه؛ لأن قراءة الإمام قراءة لمن خلفه «وإذا قرأ فأنصتوا» ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾ [(٢٠٤) سورة الأعراف]
ومنهم من يفرق بين الصلاة السرية والصلاة الجهرية، فتلزم المأموم في السرية دون الجهرية، ليجمع بين النصوص في هذا.
وعلى كل حال القول المرجح المتوجه أنها تلزم الإمام والمأموم والمنفرد، سواء جهر الإمام أو أسر؛ لأن حديث عبادة بن الصامت صحيح صريح، ونفيٌ للصلاة، والصلاة المنفية هي الصلاة الشرعية المجزئة، أي لا صلاة صحيحة إلا بفاتحة الكتاب، فعلى هذا على الإنسان أن يُعنَى بها ويهتم بها ولا يتساهل بشأنها، قد يقول قائل: إذا جهر الإمام أنا لا أستطيع أن أقرأ، ألا يوجد بعض الناس من هذا النوع؟!
يوجد من الناس من إذا سمع شيئًا خلاص ارتج عليه لا يستطيع أن يقرأ والإمام يقرأ، نقول: مثل هذا حكمه حكم العاجز، حكمه حكم العاجز عن القراءة، قد يقول قائل: أنا أصلي مع إمام يستعجل في قراءته، فلا أتمكن من قراءة الفاتحة خلفه، إذا قرأ ثلاث أو أربع آيات ركع الإمام، نقول: حكمك حكم المسبوق، وصلاتك صحيحة، لكن الذي يستطيع القراءة خلف الإمام ولو جهر الإمام، القراءة في حقه ركن من أركان الصلاة.
[ ١٧ / ١٧ ]
وكانت قراءته -﵊- مدًا، يمد القراءة، يقف عند كل آية، ففي البخاري عن قتادة قال: سُئِلَ أنس -﵁- قال: كيف كانت قراءة النبي -ﷺ-؟ فقال: كانت مدًا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بـ (بسم الله) ويمد بـ (الرحمن) ويمد بـ (الرحيم).
هذه قراءته -﵊- المد، لكن يمد المد المعتدل؛ لأن بعض الناس يبالغ في المد، فيخرج القراءة عن حقيقتها، ويترتب على قراءته زيادة حروف، فالقراءة في الصلاة لا سيما الفاتحة التي هي ركن من أركانها لا بد أن يتقنها المسلم، فلو أخل بشيء منها ولو بشدة، ولو بحرف من حروفها، خطر على الصلاة تبطل، إذا لحن فيها لحنًا يحيل المعنى بطلت الصلاة، فيُعنَى المسلم بالفاتحة؛ لأنها لا تصح الصلاة إلا بها.