إذا فرغ من الفاتحة قرأ سورة في الركعتين الأوليين، ففي الصحيحين عن أبي قتادة أن النبي -﵊-: كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب، ويسمعنا الآية أحيانًا –يعني في الصلاة صلاة الظهر، الصلاة السرية، يسمعون منه الآية أحيانًا﵊-، فعلى الأئمة أن يفعلوا مثل هذا، إقتداءً به -﵊– ويسمعنا الآية أحيانًا، ويطول في الركعة الأولى –يطيل في الركعة الأولى ما لا يطيل في الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح والحديث مخرج في الصحيحين، ورواه أبو داود وزاد: قال: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى.
[ ١٧ / ٢٣ ]
وعن أبي سعيد الخدري أن النبي -ﷺ- كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر قراءة خمس عشرة آية، أو قال: نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك، رواه مسلم وأحمد فعلى هذا: القراءة تطول في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر، وتكون الركعة الأولى أطول من الثانية، في الركعتين الأخريين إن شاء اقتصر على الفاتحة، وإن قرأ معها سورة أخرى فلا بأس، وهو ثابت، هذا بالنسبة لصلاة الظهر والعصر.
يقول ابن القيم: فإذا فرغ من الفاتحة أخذ في سورة غيرها، وكان يطيلها تارة، ويخففها لعارض من سفر أو غيره، ويتوسط فيها غالبًا، وكان يقرأ في الفجر بنحو ستين آية إلى مائة آية، وصلاها بسورة ق، وصلاها بالروم، وصلاها بـ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [(١) سورة التكوير] وصلاها بـ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [(١) سورة الزلزلة] في الركعتين كلتيهما، وصلاها بالمعوذتين وكان في السفر، وصلاها فافتتح سورة المؤمنون، حتى إذا بلغ ذكر موسى وهارون في الركعة الأولى أخذته سعلةٌ فركع، كح فركع، وكان يصليها يوم الجمعة بـ"ألم تنزيل السجدة" وسورة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾ [(١) سورة الإنسان] كاملتين.
وقرأ في المغرب بالأعراف، وفرَّقها في الركعتين، وصلاها مرةً بالطور، ومرةً بالمرسلات. و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [(١) سورة الأعلى] في حديث جبير بن مطعم في الصحيح أنه سمع النبي -﵊- يقرأ في صلاة المغرب بالطور، يقول: وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبه، وكان قد جاء في فداء أسرى بدر قبل أن يسلم، قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [(١) سورة الأعلى] و﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [(١) سورة التين] والمعوذتين، وكان يقرأ فيها بقصار السور من المفصل، قال ابن عبد البر: وكلها آثار صحاح مشهورة.
[ ١٧ / ٢٤ ]
لكن لم يكن يداوم -﵊- على قصار المفصل، يعني إذا عرفنا أنه قرأ بالأعراف، وهي سورة طويلة، وقرأ بالمرسلات، وقرأ أيضًا بالطور، وقرأ بالقصار، فعلى الإمام ألا يشق على المأمومين، يأخذ هذه القاعدة عامة «إذا أم أحدكم الناس فليخفف، فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة» هذه القاعدة مطردة، لا يشق على الناس، ولا يمل الناس من الصلاة، ولا يجعل الناس يستثقلون الصلاة ويكرهونها، لكن يأتي بالسنة، يأتي بالطوال أحيانًا، يفعل السنة أحيانًا، ويلاحظ أحوال المأمومين، هذا هو الأصل.
يقرأ في صلاة المغرب في الركعتين الأوليين بالفاتحة وسورة، وفي الركعة الثالثة ثبت عن أبي بكر -﵁- في الركعة الثالثة من صلاة المغرب أنه كان يقرأ فيها بعد الفاتحة بقوله -جل وعلا- ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ﴾ [(٨) سورة آل عمران] إلى آخر الآية، هذا ثابت عن أبي بكر الصديق، رواه الإمام مالك.
ويرون أن هذا بمثابة القنوت؛ لأنها آية تتضمن دعاء، والمغرب ثبت أنها وتر النهار، وهذا عمل من هذا الخليفة الراشد المسدد الذي أُمِرنا بالاقتداء به، فلو فُعِلَت اقتداء بهذا الخليفة الراشد فلا بأس، لا سيما أحيانًا، يعني لو لم يداوم عليها الإنسان، ولو تُرِكَت باعتبارها لا يثبت فيها شيء مرفوع فالأمر فيه سعة.
وأما العشاء الآخرة فقرأ فيها بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [(١) سورة التين] ووقَّت لمعاذ بن جبل بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [(١) سورة الشمس] و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [(١) سورة الأعلى] و﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [(١) سورة الليل] ونحوها.
[ ١٧ / ٢٥ ]
وأنكر عليه قراءة البقرة، وقال له: «أفتانٌ أنت يا معاذ؟» قرأ سورة البقرة والناس في صلاة العشاء، وتأخر عليهم؛ لأنه كان يصلي مع النبي -﵊-، ثم يأتي فيصلي بالناس، فشكاه أحد المأمومين بعد أن انصرف إلى النبي -﵊-، فنهاه عن ذلك، ووقَّت له ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [(١) سورة الشمس] و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [(١) سورة الأعلى] و﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [(١) سورة الليل] وأما الجمعة فكان يقرأ فيها بسورتي الجمعة والمنافقين كاملتين، وسورتي سبح والغاشية، وتقدم ذكر السكتة التي بعد القراءة، بقدر ما يتراد إليه النَّفَس.