أقول: لماذا قال عمر -﵁ وأرضاه- عن صلاة التراويح: "نعمة البدعة" والبدعة ما عمل على غير مثالٍ سابق؟
الجواب: عن هذا السؤال مرّ في كلامنا، وأن شيخ الإسلام قال: إنها بدعة لغوية، والشاطبي قال: مجاز، والذي قررناه أن هذا من باب المشاكلة، والمشاكلة كما تحصل في صريح الكلام، كما أوردنا من الآية والبيت، هذا صريح في مشاكلة اللفظ، لكن هناك من المشاكلة ما يرد في تقدير الكلام، وهذا نص عليه علماء البلاغة، يكون الكلام مقدر، كأن قائلًا قال: ابتدعت يا عمر، أو خشي عمر -﵁- أن يقال له: ابتدعت، فقال: نعمت البدعة، وأسلوب المشاكلة معروف في لغة العرب، وجاءت به النصوص، حتى حمل عليه بعض نصوص الصفات، كالمكر والخديعة والاستهزاء و«إن الله لا يمل حتى تملوا» قال بعضهم أن هذا من باب المشاكلة، ولا يمكن أن يضاف الملل وينسب إلى الله -جل وعلا-، فالقول بالمشاكلة معروف ومطروق عند أهل العلم.
هناك أخت تسأل: تقول: إذا اعتبرت صلاة التراويح من العمل المفتوح، وليس البدعة، فما رأيك بإقامة الموالد مع العلم أن إقامتها لا تمس العبادات بشيء، وأنت تعلم ما صاحب إقامة هذه الموالد من تكفير الناس؟
أولًا: المولد لم يحدث في القرون المفضلة، وكونه أمر عادي هذا ليس بصحيح؛ لأن من يقيمه يرجو به ثواب الله -جل وعلا- ويتعبد به، ولم يسبق له شرعية من كتابٍ ولا سنة، ما فعله النبي -﵊- ولا فعله خيار الأمة من صحابته الكرام الذين هم أحرص الناس على اتباعه، وما وجد إلا بعد القرون المفضلة، وجد في عهد الفاطميين، وأما قبل ذلك فلم يوجد، فعلى كل حال هو بدعة.
[ ٨ / ١ ]
وأما ما قيل من تكفير الناس، هذا لم يقل به أحد، المولد بدعة لكن ليست بدعة مكفرة، اللهم إلا إذا صاحبها غلو بالنبي -﵊- يرفعه عن مرتبة العبودية والرسالة إلى مرتبة الربوبية والألوهية كما حصل من بعض من تصدى لمدحه -﵊- النبي -﵊- أعلم الخلق، وأكمل الخلق، وأشرف الخلق، وأخشى الخلق، وأكرمهم على الله، وأعلمهم وأتقاهم وأكرمهم وأشجعهم، هذا لا ينازع فيه أحد، لكن لا يجوز أن يصرف له شيء من حقوق الرب -جل وعلا-، فهو يقول في ما صح عنه: «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو».
وقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم» والقائل ممن ينتسب إليه ويزعم أنه يتقرب بمدحه إلى الله -جل وعلا- يقول:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العممِ إذا كان لا يوجد من يلوذ به، أين الله؟ هذا غلو يرفع النبي -﵊- من مرتبته التي وضعه الله فيها بين العبودية والرسالة إلى مقام الربوبية يقول:
[ ٨ / ٢ ]
فإن من جودك الدنيا وضرّته ا جج ومن علومك علم اللوح والقلمِ ماذا أبقى لله -جل وعلا-؟ إذا كانت الدنيا والآخرة من جود النبي -﵊- فماذا أبقى لله -جل وعلا-؟ ومرتبة النبي -﵊- معروفة ومحفوظة في النفوس، وهو أحب إلى المسلم يجب أن يكون أحب إلى المسلم من نفسه، وجاء في الحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» وهذا في الصحيحين، وفي البخاري من حديث عمر: لأنت أحبّ الناس إليّ إلا من نفسي، فقال: «بل ومن نفسك يا عمر» قال: بل أنت أحبّ الناس إليّ من نفسي، قال: «الآن يا عمر» هذا شيء، المحبة والمودة والتعظيم والاحترام والإجلال وإنزاله منزلته التي أنزله الله بها، وجاء في أوصافه أنه الأعلم، الأخشع، الأتقى لله -جل وعلا-، هذا لا يعني أننا نصرف له شيئًا من حقوق الرب -جل وعلا-، فالرب له حقوقه، والرسول -﵊- له حقوقه، ولا شك أن من المسلمين بل كثير من المسلمين بل ممن يقيم هذه الموالد ويدعي حب النبي -﵊- في محبته للنبي -﵊- خلل وتقصير شديد؛ لأن مجرد الدعوة، الكلام دعوة، تحتاج إلى برهان، ما البرهان على صدق هذه الدعوة، الاتباع، فإذا ابتدعنا في الدين ما صدقنا في دعوانا، فلا بد أن نتبع ولا نبتدع.
يا شيخ وماذا عن أعياد الميلاد، هل تعتبر من البدع المانعة، من الورود على حوض النبي -﵊- والشرب منه؟
أما أعياد الميلاد المعتبرة عند الكفار، فلا شك أن هذه مشابهة لهم، هذه مشابهة لهم، وأمر كما قرر أهل العلم خطير؛ لأن مشابهتهم في الظاهر تدعو إلى مشابهتهم في الباطن، أما كون الإنسان يضع يومًا يحدده في السنة يعود ويتكرر عليه؛ لأنه ولد فيه هو وهذا أيضًا فيه مشابهة وليس من عمل المسلمين، واتخاذ يوم يعود ويتكرر لا شك أنه عيد، وقد نفى النبي -﵊- أن يوجد عيد للمسلمين إلا الأضحى والفطر فقط.
وأما كونه يذاد بسبب كونه اتخذ عيدًا لميلاده أو لميلاد أبيه أو أمه فهذه مسألة تحتاج إلى نظر، بحسب ما يحتف بهذا العيد وما يزاول فيه من منكرات، وهو في أصله ممنوع.
[ ٨ / ٣ ]
هناك سائلة تقول: هل تجمل المرأة مثلًا بصبغ الشعر بالميش أو بالتشقير من البدع؟
الأصل في مثل هذه الأمور الإباحة إلا ما ورد في الشرع منعه، فصبغ الشعر بالسواد لا يجوز؛ لأن النبي -ﷺ- قال: «وجنبوه السواد» وصبغها بما يشبه البشرة، صبغ الشعر بما يشبه البشرة بحيث يقول من يرى هذه المرأة: أنها نامصة أيضًا لا يجوز، أما صبغها من الأصباغ الأخرى إذا سلم وتجرد عن التشبه بالكفار فلا أرى مانعًا منه -إن شاء الله تعالى-.
تقول السائلة: جاء في الحديث بأن سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، منهم الذين لا يكتوون، هل الكوي بجميع الصور يعتبر من الأشياء التي تدخل ضمن هذا الكلام، وهل إنسان لو الآن اتبع من الآن النصيحة ولم يهتم بالاكتواء والتطير، هل ممكن أن يرد على حوض النبي -ﷺ-؟
بالنسبة لهذه الأمور الذي جاء فيها أنهم يدخلون الجنة بغير حساب، وجاء في الكي ما يدل على أنه مفضول، ولا يدل على أنه محرم، يعني في قوله: «ولا يكتوون» هذه مرتبة عليا كون الإنسان يدخل الجنة بغير حساب، مرتبة عليا، ولا يعني أن من اكتوى يعذب، لا، أو لا يرد الحوض، النبي -﵊- كوى، وكون هذا الشخص لا يسترقي، لا يتطير، ولا يكتوي، لا شك أن هذه درجة كمال، بحيث يستحق دخول الجنة بغير حساب، وهذا إذا حقق جميع الأوامر واجتنب النواهي.
وبالنسبة لمن فعل بعض هذه الأمور ثم بلغه الخبر فأقلع عنها، فالمرجو أنه يدخل في هذا الوعد، وفي الصحيح عن عمران بن حصين أنه كان يسلم عليه في مرضه، تسلم عليه الملائكة بكلامٍ يسمع، ويرد ﵈ فاكتوى -رضي الله تعالى عنه- فانقطع التسليم، ثم ندم على ذلك فعاد التسليم فدل على أن من أقلع وندم وعزم على أن لا يعود أنه يرجى له أن يدخل في حديث السبعين -إن شاء الله تعالى-.
هناك طلب من الأخوات يطلبن فيه أن تختم المجلس بالدعاء؟
[ ٨ / ٤ ]
أسأل الله -جل وعلا- أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، وأن يرفع شأن المسلمين، وأن ينهض بهم عن هذا الحضيض الذي وصلوه بحيث لم يصلوا إليه في عصرٍ من العصور، وذلك بسبب بعدهم عن دينهم والتزامهم به وتمسكهم به؛ لأنه مما يؤسف له أنه يوجد في مواطن العبادة مخالفات كثيرة، وهذه لا شك أنها فيها نوع محادة؛ لأنه إذا اجتمع الأمر والحظر في وقتٍ واحد، الإنسان مأمور بالصلاة لكنه وهو في هذه الصلاة يرتكب محرم، لا شك أن هذه محادة لذلك الأمر، وهو يطوف أيضًا يرتكب محرم، هذه محادة لهذا الأمر، يوجد من يطوف ويرتكب محرمات، يوجد من يتعرض مثلًا للنساء، ويوجد من النساء من هي متبرجة وهي في هذا المكان الذي هو أقدس البقاع، لا شك مثل هذا محادة لهذه العبادة فيخشى من آثار مثل هذه التصرفات في هذه الأماكن، هذه الأماكن الشريفة يجب تعظيمها وتعظيمها من تقوى القلوب، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [(٣٢) سورة الحج] فلا بد من تعظيم هذه الأماكن وصيانتها عن هذه المخالفات، تجد امرأة متبرجة متطيبة متعطرة، والمرأة إذا خرجت من بيتها متعطرة لعنتها الملائكة -نسأل الله السلامة والعافية-، وأيضًا جاء في النساء اللواتي يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، جاء الأمر بلعنهن، فالعنوهن فإنهن ملعونات، فلا بد من التستر عند الخروج وجاء في مدح نساء الأنصار لما نزل الحجاب خرجن كالغربان، لا يرى منهن شيء، فعلى المرأة أن تهتم بهذا الأمر، والمجتمع مجتمع نساء الذي نتحدث فيه فعليهن أن يهتممن بذلك، وأن يبذلن الخير لغيرهن، فمن رأت من النساء متبرجة تبذل لها النصيحة وتقول لها: أن هؤلاء النسوة اللاتي يتسترن في الدنيا لا شك أنهن في الآخرة أفضل وأكرم على الله -جل وعلا- من الحور العين، فبذل النصيحة واجب، وإنكار المنكر واجب، وعلى الإنسان أن يهتم لنفسه، وأن يعتني بها، ويسعى إلى خلاصه، ولا يكون إمعة من الناس، الناس لبسوا فنلبس، الناس ركبوا نركب، ليس بصحيح، على الإنسان أن يسعى لخلاص نفسه.
[ ٨ / ٥ ]
مما يسأل عنه كثيرًا في مثل هذا المجال، وفي مثل هذه المناسبة بالنسبة لعورة المرأة عند المرأة، وجد في المناسبات مع الأسف في المناسبات التي في الأعياد وفي الأفراح، في الأعراس وفي غيرها تجاوز كبير من النسوة في هذا الباب، وعورة المرأة عند المرأة كعورتها عند محارمها، فالذي تبديه وتظهره لأبيها أو لأخيها أو لوالد زوجها أو لولد زوجها أو لعمها أو لخالها تبديه للنسوة، تبديه للنساء، في هذه المواقع، فتبدي لهن ما يخرج غالبًا، ولا تبدي لها شيئًا مما لا يخرج، هل تبدي المرأة صدرها وظهرها وأعلى السيقان مثلًا، هل تبديه لأخيها؟ لا يمكن ولا يجوز أن تبديه لأخيها؛ لأنه مثار فتنة، وما دام لا يجوز إبداؤه للأخ فلا يجوز إبداؤه للنساء؛ لأن النساء عطفن على المحارم، في آيتي النور والأحزاب، فلا يجوز للمرأة أن تظهر من العورة أكثر من ذلك.
علمًا بأن الظرف الذي نعيشه نظرًا لوجود هذه الوسائل، وسائل الاتصال، وسائل النقل، وسائل التصوير، يعني حدث بسبب ذلك عظائم الأمور، تأتي المرأة على غرةٍ منها وعلى غير قصدٍ سيء، تأتي متبرجة وقد كشفت عن شيءٍ من محاسنها ثم تصور، ثم بعد ذلك يدبلج عليها أشياء ثم تساوم بها، وقد تعرض في مجالات عامة كالانترنت أو غيرها أو في رسائل جوال أو ما أشبه ذلك ثم تساوم بهذه الصورة.
فعلى النساء أن يتقين الله -جل وعلا-، وأن يلتزمن بما أوجب الله عليهن.
والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٨ / ٦ ]