[ ٦ / ٤ ]
«إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» القبول جاء في النصوص، وعدم القبول كما هنا (لا يقبل) نفي القبول جاء في بعض النصوص ما يدل على نفي الصحة، وجاء في بعضها ما يدل على نفي الثواب المرتب على العبادة، فمثلًا في حديث: «لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ» هذا يراد بنفي القبول نفي الصحة؛ لأن الأدلة دلت على أن الطهارة شرط لصحة الصلاة، وما تخلف شرطه لا يصح؛ لأن الشرط يلزم من عدمه العدم، «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» كذلك، وجاء إطلاق نفي القبول ويراد به نفي الثواب المرتب على الصحة، على العبادة، تكون العبادة صحيحة، أيش معنى صحيحة؟ مجزئة مسقطة للطلب، بمعنى أنه لا يؤمر بإعادتها، لكن الثواب المرتب عليها لا يستحقه الفاعل «لا يقبل الله صلاة عبد آبق» «لا يقبل الله صلاة من في جوفه خمر» ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] مفهومه أن الله -جل وعلا- لا يتقبل من غير المتقين، غير المتقين الفساق مفهوم الآية أن الله -جل وعلا- لا يتقبل منهم؛ لأن الحصر في القبول للمتقين، مفهومه أن الله -جل وعلا- لا يقبل من غيرهم من الفساق، فإذا قلنا: المراد بنفي القبول هنا الصحة، قلنا: جميع تصرفات الفساق باطلة، إذا صلى وهو مرتكب لذنب، قلنا: لا بد من إعادة، إذا صام وهو مرتكب لذنب، قلنا: لا بد من إعادة، إذا حج وهو مرتكب لذنب لا بد من الإعادة، لأنه ليس من المتقين، العاصي ليس من المتقين، والله -جل وعلا- إنما يتقبل من المتقين.
أهل العلم يقررون أن المراد بنفي القبول هنا نفي الثواب المرتب على الصحة، وإلا فالصحة حاصلة، الصلاة صحيحة، بمعنى أنها مجزئة ومسقطة للطلب، فلا يؤمر بإعادتها.
[ ٦ / ٥ ]
«إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» وعلى هذا من تصدق بصدقة مما ينتفع به وهو ليس من النوع الطيب، من النوع الرديء، عندك ثلاثة أنواع من التمر، طيب ومتوسط ورديء، لو تصدقت من هذا الرديء، تصدقت صدقة مطلقة نفل، ممن يستسيغه ويأكله تؤجر أو لا ما تؤجر؟ الله -جل وعلا- يقول: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ [(٢٦٧) سورة البقرة] لا شك أنه في الزكاة الواجبة لا يجزئ الرديء، ولذا أنت لا تقبله وفاء لدينك؛ لأنه رديء إلا أن تتسامح، أما في الصدقة المطلقة تتصدق على فقير بنوع أقل مما تأكله أنت وأولادك، الصدقة تؤجر عليها؛ لأنه ينتفع بها، ولذا لو أن إنسانًا اقتنى ثوبًا جديدًا وتصدق بالثوب القديم يلام أو لا يلام؟ هو رديء بالنسبة للثوب الجديد، وعلى كل حال، الطيب وما يضاده أمور نسبية.
أما الرديء الذي لا ينتفع به البتة لا تجوز الصدقة فيه؛ لأن هذا بحيث لا ينتفع به هذا استخفاف، أما النوع المفضول -وإن سماه الناس ردئيًا- إذا كان ينتفع به فالصدقة به يرتب عليها الثواب ما لم تكن الرداءة به تصل إلى حد بحيث لا يستسيغه من تصدق عليه به، ولذا المأمور بإخراجه في الزكاة من أوساط المال، والوسط من المال بالنسبة للأعلى رديء، وبالنسبة لما دونه طيب، فمثل ما ذكرنا الطيب وما يضاده أمور نسبية، ففي النفقة أو في الصدقة المستحبة، الأمر فيه سعة، إذا كان المتصدق به مما ينتفع به.
عندك كتاب مثلًا مستعمل وأثر الاستعمال عليه ظاهر، واقتنيت نسخة نظيفة تدفع هذه النسخة القديمة إلى غيرك، فهو طيب من جهة باعتبار أنه ينتفع به، هو طيب من هذه الحيثية، أما لو كان من النوع الذي لا يمكن أن ينتفع به فليس بطيب، ويصدق عليه حديث «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا».