عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد:
ففي هذه الليلة المباركة، التي نتحدث فيها مع إخوة فضلاء، وطلاب وزملاء، نسأل الله -جل وعلا- أن ينفع بما يقال، وما يذكر، وما يسمع، وأن يجعل العمل والقول خالصًا لله -جل وعلا- موصلًا إلى جناته ومرضاته.
الموضوع وعنوان الدرس مفاجئ ولم يرتب له، وهو من السعة والانتشار في نصوص الكتاب والسنة بحيث لا يستطاع جمع أطرافه في مدة يسيرة، ولا الحديث عنه في ساعة قصيرة، هذا الموضوع وهو: (مكانة النبي -ﷺ-) موضوع عظيم، تبعًا لعظمة المتحدَث عنه، وهو سيد البشر، وأفضل الخلق، وأعلمهم وأتقاهم وأخشاهم لله ﷿.
هذا الرجل العظيم الرسول الكريم هو أكرم الخلق على الله -جل وعلا-، ولا نجاة لأحد كائنًا من كان إلا بعد معرفته ومعرفة ما جاء به؛ والإيمان به وبما جاء به، على مراده -﵊- معرفة النبي -ﷺ- أحد الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة معرفتها، وليس المراد معرفة حفظ دون معرفة عمل؛ لأن الإنسان، مهما بلغ من المراتب العليا في الدراسات وغيرها ولو كان تخصصه في السيرة النبوية، وصار أعرف الناس بها لكنه لا يتبع ولا يعمل، ما الذي يفيده هذا العلم، إذا سئل في قبره عن ربه، وعن دينه وعن نبيه لن يستطيع الجواب، ما لم يكن متابعًا للنبي -ﷺ- ولو تخصص في السيرة؛ لأنه إن لم مؤمنًا فلن يجيب؛ لأن المنافق والمرتاب ولو كان في دنياه من أعرف الناس بالسيرة، فإنه لا محالة سوف يقول: هاه هاه لا أدري، كنت أسمع الناس يقولون شيئًا فقلته، فالمعول على المتابعة.
[ ١٦ / ١ ]
هذا الأصل العظيم من الأصول الثلاثة التي هي معرفة الله -جل وعلا-، ومعرفة دين الإسلام، ومعرفة نبيه -﵊- اقترانه -﵊-، اقتران معرفته بمعرفة الله -جل وعلا-، ومعرفة الدين الذي من أجله خلق الناس، العبادة، في هذا بيان لمكانته -﵊- بداية الامتحان الحقيقي إنما تكون بالسؤال عن الله -﷿- وعن دينه وعن نبيه -﵊-.
هذا النبي العظيم قرنت الشهادة له بالرسالة بالشهادة لله -جل وعز- بالألوهية، فلا يصح دين إلا بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» ومن لازم صحة لا إله إلا الله، الشهادة لهذا الرسول الكريم بأنه عبد الله ورسوله، هذه الشهادة للنبي -﵊-- بالرسالة أحد شقي الركن الأول من أركان الإسلام، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة ..» إلى آخر الأركان ..
قرن اللهُ –جل وعلا- طاعته -ﷺ- بطاعته -جل وعلا-: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [(٨٠) سورة النساء]، بل اشترط لقبول طاعته طاعة الرسول -﵊-، ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ والهداية لا تحصل إلا لمن اتبعه وأطاعه، ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [(١٥٨) سورة الأعراف]، ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [(٥٤) سورة النور]، طاعة الرسول -﵊- هي السبب في محبة الله للعبد، طاعة الرسول وإتباعه -﵊- هي السبب في محبة الله -جل وعلا- لعبده، قال -جل وعلا-: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [(٣١) سورة آل عمران]، طاعته -﵊- تجعل المطيع رفيقًا لأعظم الخلق وأشرفهم وأكرمهم: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [(٦٩) سورة النساء].
بعثة الرسول عامة:
[ ١٦ / ٢ ]
الرسول -﵊- بعث إلى الناس كافة، بعث إلى الثقلين الجن والإنس، لا يسع أحدًا الخروج عن شريعته -﵊- ولو تعبد بعبادة منزلة من الله جل وعلا.
فمن النواقض المعروفة عند أهل العلم من زعم أن يسعه الخروج عن ملة محمد -ﷺ- كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى، فهذا لا شك في كفره، وأنه من أهل النار، نسأل الله السلامة والعافية، والنبي -﵊- يقول: «والله لا يسمع بي يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي، إلا دخل النار» وذالكم لعموم رسالته -﵊- إلى الثقلين، بخلاف غيرهم من الأنبياء، فقد كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، والنبي -﵊- بعث إلى الناس عامة، كما في حديث الخصائص المشهور، وفي الحديث الصحيح: «لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا إتباعي» وجاء ما يدل على أن عيسى -﵇- إذا نزل في آخر الزمان إنما يحكم بشريعة محمد ﷺ.
يقول الله -جل وعلا-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ [(٨١) سورة آل عمران] يقول ابن الجوزي: "فجعل الأنبياء كالأتباع له -﵊- وألهمهم الانقياد، فلو أدركوه وجب عليهم إتباعه.
[ ١٦ / ٣ ]
الله -جل وعلا-، خاطب كل نبي باسمه، فقال: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ﴾ [(٣٥) سورة البقرة]، و﴿يَا نُوحُ﴾ [(٣٢) سورة هود]، و﴿يَا إِبْرَاهِيم﴾ [(٧٦) سورة هود]، و﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [(١٤٤) سورة الأعراف]، و﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ﴾ [(٢٦) سورة ص]، و﴿يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [(١١٠) سورة المائدة]، و﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ [(٧) سورة مريم]، و﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [(١٢) سورة مريم]، نادى الأنبياء بأسمائهم، ولم يخاطب النبي -﵊- بالاسم، تعظيمًا له، بل قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [(٦٤) سورة الأنفال]، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [(٤١) سورة المائدة]، فلما ذكر اسمه للتعريف قرنه بذكر الرسالة، فقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [(١٤٤) سورة آل عمران]، ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [(٢٩) سورة الفتح]، فإذا ذكر باسمه المجرد قرن بما يدل على منزلته من الرسالة والنبوة، وقرن الله -جل وعلا- اسمه باسمه -﵊-، فقال: ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [(٩٢) سورة المائدة]، وقال: ﴿وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [(٧١) سورة التوبة]، وقال: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [(٥٩) سورة النساء]، وقال: ﴿وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ [(٧٤) سورة التوبة]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [(٥٧) سورة الأحزاب]، وقال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [(٦٣) سورة التوبة]، قال: ﴿وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ [(٢٩) سورة التوبة]، ولذا جاء في الحديث من حديث أبي سعيد الخدري في تفسير قول الله -جل وعلا-: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [(٤) سورة الشرح]، جاء في التفسير عن مجاهد أنه قال: "لا أذكر إلا ذكرت معي، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وعن قتادة: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [(٤) سورة الشرح]، رفع الله ذكره في
[ ١٦ / ٤ ]
الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة لا ينادي، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، ذكر ذلك ابن جرير في تفسيره بأسانيده، ثم ذكر حديث أبي سعيد مرفوعًا، قال: (أتاني جبريل إن ربي وربك يقول: كيف رفعت لك ذكرك؟ قال: الله أعلم، قال: إذا ذكرتُ ذكرت معي) وهذا الحديث لا يسلم من مقال؛ لأن في إسناده عند ابن جرير دراجًا أبا السمح عن أبي الهيثم، يقول ابن حجر في التقريب، دراج أبا السمح الثقفي مولاهم المصري صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف، وقال ابن كثير: ورواه أبو يعلى من طريق ابن لهيعة عن دراج، وعلى كل حال الآية تشهد له، لا أذكر إلا تذكر معي، إذا ذكرتُ ذكرتَ معي، هذا من رفع الله -جل وعلا- لذكره -﵊- لكن هل يعني هذا، أننا نكتفي، أو نذكر اسم النبي -﵊- مقرونًا باسمه -جل وعلا- في محاريب مساجدنا، أو ضمن زخارف بيوتنا، هل هذا العمل مشروع ويدخل في قوله: "لا أذكر إلا وتذكر معي" هل هذا مبرر لأن يذكر لفظ الجلالة "الله" ويجعل بإزائه لفظ النبي -﵊-، استنادًا إلى هذا الحديث؟
[ ١٦ / ٥ ]
بعضهم يبرر هذا الصنيع بهذا الحديث، وأن هذا من رفع ذكره -﵊- يرفع فوق المحاريب ويذكر أيضًا ضمن زخارف ما يزخرف من بيوت وغيرها، هل هذا مبرر لمثل هذا الصنيع، أو نقول أن هذا جمع بين الله -جل وعلا- وبين نبيه فيما لا يسوغ فيه الجمع، ويكون مستند الجمع، ومن يعصهما فقد غوى، وقد قال النبي -﵊-: «بئس خطيب القوم أنت» فهل يستدل بالحديث عن شرعية مثل هذا العمل؟ أو نقول: إنه ممنوع، لأن هذا موجود بكثرة مع الأسف في مساجد المسلمين، وفي بيوتهم وفي منتدياتهم العامة والخاصة، فضلًا عن كونه يذكر من المخلوقين، غير النبي -﵊- مع الله -جل وعلا- أنا أقول مثل هذا، ومثل هذه الكتابات، ومثل هذه التعاليق على الستور وعلى الجدران، سواء كانت بهذه الصفة بالأسماء، بأسماء الله -جل وعلا- أو بأسماء نبيه -﵊- وأعظم من ذلك القرآن الكريم، كون مثل هذا الأمور، تذكر وتزخرف بها البيوت والمساجد، لا شك أن هذا ليس عليه سلف هذه الأمة، وهو من الامتهان لآيات الله -جل وعلا- وقد صدرت الفتوى بمنع مثل هذا، قد يقول قائل أنا أجعل في المجلس عندي آية الكرسي، ودعاء القيام من المجلس -الكفارة كفارة المجلس- ليتذكر بها الغافل، قد يكون بعض الناس ما حفظ آية الكرسي، فإذا علقناها وكثر تردادها لهم حفظوها، وأيضًا كفارة المجلس، قد يغفل عنها بعض الناس فنعلقها، فهل يكفي هذا، لتسويغ مثل هذا العمل؟ نقول: كل عمل -لا سيما ما يتقرب به إلى الله -جل وعلا- يحتاج إلى دليل، يحتاج إلى دليل، يستند إليه في تشريع هذا الأمر.
حكى البغوي عن ابن عباس ومجاهد أن المراد بذلك الأذان، يعني ذكره -﵊- فيه، وأورد من شعر حسان بن ثابت:
أغر عليه للنبوة خاتم وضم الإله اسم النبي إلى اسمه وشق له من اسمه ليجله من الله مشهود يلوح ويشهدُ إذا قال في الخمس المؤذن أشهدُ فذو العرش محمود وهذا محمدُ
[ ١٦ / ٦ ]
في تفسير الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- وقال آخرون: بعد أن ذكر ما تقدم، مما ذكر ابن جرير والبغوي وقال آخرون: رفع الله ذكره في الأولين والآخرين، ونوه به حين أخذ الميثاق على جميع النبيين أن يؤمنوا به، وأن يأمروا أممهم بالإيمان به ثم شهر ذكره في أمته فلا يذكر الله -جل وعلا- إلا ذكر معه.
ومن مظاهر تكريمه وتعظيمه -﵊-:
الأمر بالصلاة عليه، والسلام عليه -﵊-، في قول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [(٥٦) سورة الأحزاب]، أمر، والأصل في الأمر الوجوب، لكن هل يقتضي هذا التكرار بمعنى أنه كلما وجد السبب فذكر -﵊- يجب أن نصلي عليه، أو أن الوجوب والإثم يسقط بمرة واحدة، ويبقى الأمر الذي هو بمعنى الندب؟
[ ١٦ / ٧ ]
محل خلاف بين أهل العلم، هل يجب الصلاة والسلام عليه كلما ذكر؟ أو يكتفى بالصلاة عليه مرة، والباقي على سبيل الاستحباب، ولا شك أن الأمر أصله الوجوب، الأمر أصله الوجوب، ثم بعد ذلك جاء ما يدل عليه من قوله -﵊-: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي» «ورغم أنف من ذكرت عنده فلم يصل علي» –﵊- ولا يتم الامتثال، أعني امتثال الأمر إلا بالجمع بين الصلاة والسلام، فإذا ذكر تقول: ﷺ، أو ﵊، فلا تختصر بحروف أو بحرف، حتى وجد في كتب العلوم الحديثة أن أول من كتب المختصر الرمز "صلعم" قطعت يده، ولا شك أن هذا حرمان، الاقتصار على الرمز سواء كان هذا الاقتصار على الحروف الأربعة أو على حرف واحد، كله حرمان، لا يتم به الامتثال، ومن الناس وهو يصلي على النبي -﵊- تجده يأكل بعض الحروف، أو بعض الكلمات، مثل هذا لا يتم به الامتثال، بعض الناس يستعجل في كلامه، فيأكل حروف أو كلمات، مثل هذا لا يتم حتى يحقق الصلاة والسلام عليه -﵊- كذلكم لا يتم الامتثال إلا بالجمع بين الصلاة والسلام -﵊- فلا يكتفي بالصلاة، ولا يكتفي بالسلام، فلا يقول أحيانًا إذا طال الكلام، نسي السلام، فأحيانًا يقول بعض الناس: صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ثم ينسى وسلم، كما فعل الإمام مسلم في صحيحه، ومنهم من يقتصر على قوله: ﵇، ولا شك أنه لا يتم الامتثال إلا بالجمع بينهما؛ لأن الله -جل وعلا- أمر بهما جميعًا، ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [(٥٦) سورة الأحزاب].
[ ١٦ / ٨ ]
النووي -رحمه الله تعالى- أطلق الكراهة، في شرحه على صحيح مسلم أطلق الكراهة في الاختصار على الصلاة أو العكس الصلاة دون السلام، أو السلام دون الصلاة، والحافظ ابن حجر يقول: الكراهة لا تتجه إلا بالنسبة لمن كان ديدنه ذلك، يعني باستمرار، يصلي ولا يسلم أو يسلم ولا يصلي، أما من كان يجمع بينهما وأحيانًا يقتصر على الصلاة، وأحيانًا يقتصر على السلام، فهذا لا تتناوله الكراهة، وعلى كل حال الامتثال لا يتم إلا بالجمع بينهما، هذا بالنسبة للصلاة والسلام عليه خارج الصلاة، وأما الصلاة عليه في الصلاة بعد التشهد، فهو ركن من أركانها، من أركان الصلاة عند الحنابلة، لا تصح إلا به، الصلاة باطلة إذا لم يصل على النبي -﵊- الصلاة عند الحنابلة باطلة، إذا لم يصل على النبي -﵊-.
خصائصه -﵊-:
[ ١٦ / ٩ ]
وجعل الله -جل وعلا- لنبيه من الخصائص ما ليس لغيره من الأنبياء، والخصائص كثيرة، وصنفت فيها المصنفات، وللسيوطي الخصائص الكبرى في ثلاث مجلدات لكن كثير منها لا يثبت، اعتمد فيها مؤلفو الخصائص على أحاديث لا تثبت، وفيما ثبت عنه -﵊- من قوله الشيء الكثير فيما يستغنى به عما لا يثبت، ولأمته ما ليس لغيرها من الخصائص من الأمم، مما جعلها خير أمة أخرجت للناس، فهذه الأمة المحمدية خير الأمم على الإطلاق، خير الأمم على الإطلاق، لكن شريطة أن تتصف بالأسباب التي من أجلها جعلت خير أمة أخرجت للناس، كما قال -جل وعلا-: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [(١١٠) سورة آل عمران]، فمن أهم الخصائص والمزايا التي جعلت هذه الأمة بهذه المثابة خير الأمم إنما هو شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذا قدم في الآية على الإيمان ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ هل يصح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من غير إيمان بالله جل وعلا؟ لا يصح، لا يصح، من شرط صحته صدوره من مؤمن، يؤمن بالله -جل وعلا- ولكن قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، للاهتمام به، والعناية بشأنه، وأنه هو السبب، أما الإيمان بالله -جل وعلا- فهو موجود في هذه الأمة وفي غيرها من الأمم.
وجعل الله –جل وعلا- الناس يحشرون تحت لوائه فهو حامل لواء الحمد، والأمم تفزع إليه، لتفريج هم الموقف، يتجهون إلى آدم فيعتذر، ثم يتجهون إلى نوح فيذكر عذره، ثم يتجهون إلى إبراهيم ثم موسى، ثم عيسى، ثم يأتون إلى النبي -﵊- لتخليصهم من هذا الموقف، فيقول -﵊- كما في الحديث الصحيح: «أنا لها، أنا لها» ولا شك أن هذه مزية له -﵊- وشرف عظيم قد فاق به الأنبياء.
التفضيل بين الأنبياء:
[ ١٦ / ١٠ ]
وهو ﷺ كما قال عن نفسه: «سيد ولد آدم، ولا فخر» فهو أفضل الأنبياء وأشرف المرسلين، وأما ما جاء عنه -﵊- من النهي عن التفضيل بين الأنبياء، جاء عنه قوله -﵊- في الصحيحين: «لا تفضلوا بين الأنبياء» وجاء عنه -﵊-: «لا تفضلوني على يونس بن متى» فكيف نقول أفضل؟ وهو يقول: «لا تفضلوني»؟ ولو سئل منا الواحد منا، أيهما أفضل محمد أم موسى -عليهما الصلاة والسلام-؟ لقال: محمد دون تردد، وجاء عنه -﵊-: «لا تفضلوا بين الأنبياء» «ولا تفضلوني على يونس» هذا النهي إنما يتجه إذا اقتضى التفضيل تنقص المفضول، تنقص المفضول، وإلا فالقرآن الكريم مصرح بالتفضيل ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [(٢٥٣) سورة البقرة]، وجاء في النصوص ما يدل على فضله -﵊- والرسول -﵊- أعلم الخلق وأتقاهم، وأخشاهم لله -﷿- وهو أشجع الناس، وهو أكرم الناس، كما جاء بذلك الأحاديث الصحيحة، وغير ذلك من الأخلاق والشمائل التي اجتمعت فيه -ﷺ- مما شمله قوله -جل وعلا-: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [(٤) سورة القلم]، قالت عائشة -﵂- لما سئلت عن خلقه -﵊- قالت: "كان خلقه القرآن" فهو ترجمة عملية لما جاء في القرآن، من امتثال تام، للأوامر واجتناب للنواهي فترجمة عملية لهذا الدين العظيم، وأوجب الله -جل وعلا- محبته على كل شيء، ففي الحديث الصحيح: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» وفي الصحيح –أيضًا- من حديث عبد الله بن هشام -﵁- قال: كنا مع النبي -ﷺ- وهو آخذ بيد عمر -رضي الله تعالى عنه- فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي، فقال النبي -﵊-: «لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك» فقال له عمر﵁-: فإنه الآن، والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال له النبي -ﷺ-: «الآن يا عمر» يعني هذه المحبة القلبية التي لا تتولد في لحظة،
[ ١٦ / ١١ ]
يعني هل يظن بعمر أنه قال ذلك مجاملة؟ يعني بعض الناس يقسم لغيره أنه أحب إليه من كل شيء، والواقع خلاف ذلك، لكن هل يظن بعمر أنه يقول: والله لأنت الآن أحب إلي حتى من نفسي، يعني قبل ثواني أحب إليه من كل شيء إلا من نفسه، فمقتضى ذلك أن نفسه أحب إليه من الرسول -﵊- في ثوانٍ انقلبت فصار أحب إلى عمر حتى من نفسه -﵁ وأرضاه- وقال: «الآن يا عمر» يعني هذا الكلام قيل بحضرة المؤيد بالوحي، يعني لو كان في هذه المحبة أدنى شيء من الدخل أو عدم المطابقة للواقع، لنزل الوحي ببيان ذلك وكشفه، لكن أحيانًا تجد مثلًا الزوجة من زوجها ما يحببها إليه، فتقسم له أنك أحب إليه من نفسها، والعكس يجد من زوجته فيقسم لها والله أعلم بالسرائر؛ لأن المسألة مسألة مصالح، قد يكون في هذه اللحظة وبعد ثواني تنقلب العكس، تنقلب عداوة، لأن المسألة مبنية على مصالح دنيوية تزول بزوالها، لكن محبة عمر للنبي -﵊- مرتبة على شيء لا يزول وهو الدين، الذي هو رأس المال، فلولاه -﵊- ما عرفنا كيف نعبد الله -جل وعلا- ولا عرفنا الله -جل وعلا- إلا بواسطته وما جاء به عن الله -جل وعلا- وكل خير وصل إلينا ويوصلنا إلى مرضات الله -جل وعلا- إنما هو من طريقه -﵊- فلا مصدر لنا غير ما جاء به من كتاب الله وسنة نبيه -﵊- التي هي في الحقيقة وحي يوحى، إذا عرفنا هذا النبي العظيم، وحقوقه العظيمة علينا؛ لأنه هو الذي أخذ بأيدينا وهو الذي دلنا على هذا الصراط المستقيم الموصل إلى الله -جل وعلا- نسأل الله -جل وعلا- أن ييسره لنا وأن يديمنا على سلوكه من غير غلو ولا تقصير- إذا عرفنا هذا فالنبي -﵊- له حقوق عظيمة، فمحبته التي تقدمت لا بد أن تكون أعظم عند الإنسان من نفسه، والمراد بذلك المحبة الشرعية، المحبة الشرعة تترجم هذه المحبة بتقديم مراده -﵊- وأمره على مراد غيره، فإذا طلبت الزوجة شيئًا مما منعه الرسول -﵊- ولبى الطلب وأحضر هذا المطلوب، هل هذا المدعي صادق في محبته للنبي -﵊- حينما تقول له زوجته
[ ١٦ / ١٢ ]
أحضر لنا كذا -مما حرمه الرسول -﵊- هل نقول إن هذه المحبة صادقة؟
هذا الذي يدعي محبة النبي -﵊- وإذا ذكر النبي -﵊- تخاشع بين الناس، ليظهر للناس أنه محب للرسول، وإذا ذكر أو جاءت المناسبات التي تذكر بالنبي -﵊- موالد وغيرها، بذل من نفسه ما يبذل، مما يشق ومما لا يشق، هل نقول: إن هذا صادق في محبته؟! لا محبة إلا باتباع، والمحبة المجردة عن الإتباع، هي مجرد دعوى، هي مجرد دعوى.
تعصي الإله وأنت تزعم حبه لو كان حبك صادقًا لأطعته هذا لعمري في القياس شنيعُ إن المحب لمن يحب مطيعُ
يعني تقول: أنا أحب الرسول، أحب الله ورسوله، ومع ذلك ترتكب المحرمات وإذا طلبت منك من زوجة أو ولد أو مدير أو أمير أو وزير بادرت بارتكاب ما حرمه الله -جل وعلا- وحرمه رسوله -﵊- وتقول: أنا أحب الله وأحب رسوله، هذه دعوى يصدقها رفضك لهذا الطلب، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إذا رفضت هذا الطلب، عرفنا أنك تحب الله ورسوله، أما إذا أجبت هذا الطلب الذي يمنعه الله ورسوله، عرفنا أنك مدعي.
الله كاف رسوله من المستهزئين:
[ ١٦ / ١٣ ]
الله -جل وعلا- كفى رسوله المستهزئين وعصمه من الناس يقول الله -جل وعلا-: إنا كفيناك المستهزئين، الذين يجعلون مع الله إلهًا آخر فسوف يعلمون، قال ابن جرير -رحمه الله تعالى-: يقول الله -تعالى ذكره- لنبيه محمد -ﷺ-: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [(٩٥) سورة الحجر]، يا محمد، الذين يستهزئون بك، ويسخرون منك فاصدع بأمر الله، ولا تخف شيئًا سوى الله، فإن الله كافيك من ناصبك وآذاك، كما كفاك المستهزئين، وكان رؤساء المستهزئين قومًا من قريش معروفين وقد ذكر ابن جرير في تفسيره بأسانيده نفرًا منهم، وأن الله -جل وعلا- كفاه شرهم ورد كيدهم في نحورهم، وأهلكهم الله تعالى، وهم من قومه من قوم قريش، وهكذا على مر العصور تجد من لا يتدين بهذا الدين يحصل منه الاستهزاء بالدين وبشعائره وبرمزه الأعظم الذي هو النبي -﵊- تجد ووجد من المستشرقين وغيرهم نبز وأحيانًا تصريح، ووجد من بعض الفساق -مع الأسف ممن ينتسب إلى هذا الرسول العظيم- بعض الاستخفاف به -﵊- أو بشيء من سنته، وقد وجد هذا في عصره، الذين كانوا يخوضون ويلعبون، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم﴾ [(٦٥ - ٦٦) سورة التوبة]، وهذا موجود في القديم والحديث، من يستهزئ بالنبي -﵊- ويستهزئ بشيء من سننه وشعائر دينه وهؤلاء سلفهم الذين حكم عليهم الله -جل وعلا- بالكفر؛ لأنهم منافقون، وأما بالنسبة للكفار فوصفوه -﵊- في عصره بأنه ساحر، وأنه كاهن، وأنه صابئ، وأنه .. إلى أوصاف كثيرة، جاءت بها النصوص، وفي أيامنا الأخيرة قام ثلة من عباد الصليب من النصارى بإعادة ما كفاه الله -جل وعلا- إياهم، فنشروا صورًا مسيئة لشخصه -﵊- فهذه الصور أثارت حفيظة المسلمين وأغضبتهم وأعلنوا نكيرهم وشجبهم لهذا المنكر، والداعي لهذه التصرفات -في تقديري- هذه التصرفات المشينة الداعي لها ما غاضهم وأثارهم من انتشار الإسلام في ديارهم، صار الناس يدخلون في دين
[ ١٦ / ١٤ ]
الله أفواجًا، وليس بأيديهم إلا أن يشوهوا هذا الدين، وأن يشوهوا هذا النبي الكريم الذي جاء بهذا الدين، فالداعي لهذه التصرفات المشينة من تلك الطغمة المقيتة سببها في تقديري انتشار الإسلام الواسع في بلادهم فأرادوا بذلك الصد عن دين الله، بحيث صار الناس يدخلون في دين الله أفواجًا فضاقت ديارهم عليهم بما رحبت لما رأوا من انتشاره الواسع في ديارهم، وهذا الحدث وإن كان منكرًا يجب إنكاره، ولا يجوز إقراره ولا يجوز لمسلم أن يرضى به، أو يسكت عن إنكاره وهو يقدر على ذلك، إلا أن فيه مصالح عظيمة للمسلمين أنفسهم، ولدين الإسلام، فازداد السؤال عن النبي -﵊- من قبل الكفار أنفسهم، واطلعوا على شيء من سيرته، وعرف المسلمون ما يكنه الكفار لهم من العداوة والبغضاء والحنق على الدين وأهله ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [(١١٨) سورة آل عمران]، هذا بالنسبة للكفار.
بالنسبة للمسلمين عرفوا عدوهم، وأنهم مهما طنطنوا بالمساواة والعدالة والإخاء فهذا كله هباء لا قيمة له، وتبقى عداوة الدين مغروسة في النفوس.
[ ١٦ / ١٥ ]
أيضًا في هذا إيقاظ للمسلمين أنفسهم، إيقاظ للمسلمين أنفسهم؛ فكثير من بيوت المسلمين وهم يقولون في كل لحظة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، ويزعمون إتباع النبي -﵊- في كثير من بيوت المسلمين الجهل المطبق بالنبي -﵊- لا يعرفون إلا اسمه، ومع الأسف حتى في دروس العلم تقلصت الدروس المتعلقة بسيرته -﵊- وشمائله وخصائصه، تقلصت الدروس، فإننا لا نسمع من يدرس السيرة إلا القليل النادر، وحتى في الدراسات النظامية ما أعطيت السيرة حقها من الدراسة، وبعضهم يجعل السيرة جزء من أجزاء التاريخ، ويقول: عنايتنا بأمور الشرع، كيف؟! السيرة جزء من السنة، فالسنة والحديث عبارة عن أقوال النبي -﵊- وأفعاله وتقريره وأوصافه الخلقية والخلقية، فهذا جزء من السنة لا بد من معرفته، وكيف يتسنى لنا أن نتبع، وأن نعمل، وأن نحب الرسول -﵊- ونحن لا نعرف عنه شيئًا، لا بد من الاهتمام في هذا الجانب، وفي هذا الحدث حصل ضد ما قصده أولئك الأعداء؛ سمع المسلمون وقرؤوا من خلال وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية، ومن خلال الخطب والدروس والمحاضرات وغيرها سمعوا عنه -﵊- الشيء الكثير والتفت كثير من طلاب العلم إلى دراسة هذه الجوانب من جوانب الشريعة الهامة المتعلقة بشخصه -﵊-.
أقول: ففي هذا إيقاظ للمسلمين الذين لا يعرفون عن النبي -ﷺ- إلا اسمه أن يراجعوا أنفسهم، ويقرؤوا في سيرته وشمائله وخصائصه ليتسنى لهم الاقتداء به وتتوفر محبته في قلوبهم ولو لم يكن من ذلك إلا ما سمعوه عبر وسائل الإعلام المتنوعة والخطب والدروس عن النبي -ﷺ-.
الغلو في الرسول -ﷺ-:
[ ١٦ / ١٦ ]
إذا عرفنا مكانة هذا النبي العظيم في ديننا، إذا عرفنا مكانته فعلينا أن نتوسط في جميع أمورنا، بما في ذلك ما يتعلق به -﵊- لأن الله -جل وعلا- جعلنا أمة وسطًا، ومنهج أهل السنة والجماعة الوسط في جميع التصرفات فهم وسط بين الفرق المنتسبة إلى الإسلام، فلا نغلو به -﵊- ولا نجفو، فالرسول -﵊- أحب إلينا من أنفسنا، ومن جميع محبوباتنا، ومع ذلك لا يجوز أن نصرف له شيئًا من حقوق الله -جل وعلا- لا يجوز أن نصرف له شيئًا من حقوق الله -جل وعلا- كما نهانا عن ذلك هو -﵊- ففي الصحيحين وغيرهما من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» والإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه -قاله ابن الأثير- وقال غيره: أي لا تمدحوني بالباطل، أي لا تجاوزا الحد في مدحي، كما غلت وجاوزت النصارى في عيسى ابن مريم -﵇- فادعوا فيه الربوبية، وإنما أنا عبد الله فصفوني بذلك كما وصفني به ربي، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [(١٩) سورة الجن]، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [(١) سورة الإسراء]، فهو عبد لله -جل وعلا-.
[ ١٦ / ١٧ ]
افترقت هذه الأمة بالنسبة له -﵊- إلى طرفين ووسط، طرف غلوا به -﵊- وطرف جفوا والوسط هم الذين عرفوا قدره وعظموه ووقروه وأحبوه أحب من أنفسهم ومن جميع ما يملكون من والد وولد ومن الناس أجمعين، لكنهم عرفوا حقوق الله -جل وعلا- ولم يصرفوا لنبيه -﵊- شيئًا من حقوقه، فأبى الغلاة إلا مخالفة لأمره وارتكابًا لنهيه وناقضوه أعظم المناقضة، وظنوا أنهم إذا وصفوه بأنه عبد الله ورسوله، وأنه لا يدعى ولا يستغاث به ولا ينذر له، ولا يطاف بحجرته ولا قبره وأنه ليس له من الأمر شيء، كما قال الله -جل وعلا-: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [(١٢٨) سورة آل عمران]، يعني إذا صرحوا بهذا قالوا ظنوا أنهم لم يقدروا قدره كذلك إذا اعتقدوا أنه لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله -جل وعلا- اعتقدوا أن في ذلك هضمًا لجنابه -﵊- وغضًا من قدره فرفعوه فوق منزلته وادعوا فيه ما ادعت النصارى في عيسى أو قريبًا منه، فسألوه مغفرة الذنوب، وتفريج الكروب.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الاستغاثة عن بعض أهل زمانه أنه جوز الاستغاثة بالنبي -ﷺ- في كل ما يستغاث به -جل وعلا- وصنف في ذلك مصنفًا، وكان يقول إن النبي -﵊- يعلم مفاتيح الغيب، التي لا يعلمها إلا الله، وحكى عن آخر من جنسه يباشر التدريس وينسب إلى الفتيا أنه كان يقول إن النبي -ﷺ- يعلم ما يعلمه الله -جل وعلا- ويقدر على ما يقدر عليه الله تعالى، وأن هذا السر وهذا العلم وهذه القدرة انتقلت بعده إلى الحسن، ثم انتقل في ذرية الحسن إلى أبي الحسن الشاذلي، وقالوا: هذا مقام القطب الغوث الفرد الجامع.
[ ١٦ / ١٨ ]
ولا يقال إن هذه الأمور انتهت، لا يقال أن مثل هذه الأمور انتهت، لكل قوم وارث، سمعت بأذني من يقول في أقدس البقاع يا أبا عبد الله، جئنا بيتك، وقصدنا حرمك، نرجو مغفرتك، يعني قد يقول قائل إن هذه فئة انقرضت مثل ما انقرض غيرها من الطوائف، نقول هذا الفئة موجودة الآن وإذا كانوا قد ألفوا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في منهاج السنة قال: أنه وجد من ألف -بل سماهم- من ألف في مناسك المشاهد، نسأل الله السلامة والعافية، فجعلت هذه المشاهد بمثابة بيت الله، الكعبة المشرفة، فألفوا في مناسكها.
من الأمثلة التي تذكر في هذا المجال من الغلو الذي يجاوز الحد بل يحكم على صاحبه بأنه صرف العبودية التي لا تجوز إلا لله -جل وعلا- والأمور التي لا يعلمها إلا الله -جل وعلا- صرفها لنبيه -﵊- من ذلكم قول البوصيري في بردته الشهيرة:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
فجعل الدنيا والآخرة من جوده، وجزم بأنه يعلم ما في اللوح المحفوظ، وهذا هو الذي حكاه شيخ الإسلام عن ذلك المدرس، وكل ذلك كفر صريح، ومن العجب أن الشيطان أظهر ذلك لهم، في صورة محبته -﵊- وتعظيمه ومتابعته، وهذا شأن اللعين إبليس، لا يأتي مباشرة إلى المسلم، ويذكر له الشيء الواضح الصريح، المخالفة الواضحة ويقول ارتكبها، لا، يمزج، يمزج الحق بالباطل ليروج، ولو جاء بالباطل مجردًا لما راج، فيمزج الحق بالباطل ليروج على أشباه الأنعام أتباع كل ناعق، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، لأن هذا ليس بتعظيم، فإن التعظيم محله القلب واللسان والجوارح، وهم أبعد الناس منه، فإن التعظيم بالقلب يتبع اعتقاد كونه -﵊- عبدًا رسولًا، فإن التعظيم كما ذكرنا محله القلب واللسان والجوارح، وهم أبعد الناس من ذلك.
علامة محبة الرسول -﵊-:
ويصدق هذه المحبة كما قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمنا الله وإياهم أجمين- يقول: يصدق هذه المحبة أمران:
[ ١٦ / ١٩ ]
أحدهما: تجريد التوحيد، فإنه -ﷺ- كان أحرص الخلق على تجريده، حتى قطع أسباب الشرك ووسائله، من جميع الجهات، حتى قال له رجل، ما شاء الله وشئت، قال: «أجعلتني لله ندًا، بل ما شاء الله وحده» ونهى أن يحلف بغير الله، فتعظيمه إنما يكون بمتابعته وموافقته لا بمناقضته ومخالفته.
الأمر الثاني: تجريد المتابعة له -﵊- وتحكيمه وحده في الدقيق والجليل من أصول الدين وفروعه، والرضا بحكمه، والانقياد والتسليم والإعراض عما خالفه، كما قال -جل وعلا-: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [(٦٥) سورة النساء].
إذا كان كتاب تلخيص الاستغاثة والرد على البكري، يعني بعض الناس يقول هذا الغلو انتهى، ما هو موجود الآن، تلخيص كتاب الاستغاثة في الرد على البكري الذي طبعه الملك عبد العزيز -﵀- تأليف في المطبعة، تأليف شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، مالك النسخة، يشار إليه بالعلم، لكنه نسأل الله السلامة والعافية منحرف مسح شيخ، كتب شيخ، هي مكتوب من الأصل شيخ، مسح الإسلام وكتب مكانها الكفار؛ لأنه لا يعجبه أن تكون الاستغاثة من أنواع العبادة التي لا تصرف إلا لله -جل وعلا- يريد أن يستغيث بالأولياء، يريد أن يستغيث بالصالحين على حد زعمه.
[ ١٦ / ٢٠ ]
فلا شك أن هذا الأمر موجود إلى الآن، موجود إلى الآن، من قرأ في الرحلات وجد فيها الشيء الكثير، من هذا الغلو المخرج عن الدين، صرف العبادة المحضة للنبي -﵊- ولغيره ممن يدعى فيه الصلاح، يعني في رحلة ابن بطوطة تجده يجلس الأيام، يصرف الأيام والليالي يصعد الجبل لينظر إلى قدم صالح، شخص صالح وطأ في هذا الجبل، والتقى بأناس ادعى فيهم الصلاح وأنهم يديرون الكون ويصرفونه، -نسأل الله السلامة والعافية- والأمثلة من هذا كثير حتى لو أن شخصًا يدرس كتاب التوحيد للإمام المجدد -﵀- فيحتاج إلى أمثلة لما يناقض هذا الكتاب لوجد في رحلة ابن بطوطة الشيء الكثير، ومع ذلكم هي تدرس في بعض الجهات واله المستعان.
من مظاهر الغلو فيه -﵊-:
أقول: من مظاهر الغلو عناية بعض الجهات بالكتب التي فيها شيء من الغلو والإطراء للنبي -﵊-، ومن الأدلة على ذالكم طباعة هذه الكتب بطريقة أعظم مما يطبع به المصحف الشريف، ووقع في يدي نسخة من دلائل الخيرات طبعت بشكل لا يخطر على بال، تحفة، ومثل هذه النسخة يبالغ في أقيامها، مع أنها صلوات على النبي -ﷺ- إلا أنها لم يرد بها دليل، ولم يثبت بها نص، ولم يثبت في تحديدها وتحديد أوقاتها وأماكنها وزمانها دليل يعتمد عليه، فهي صلوات مبتدعة، ولذا أهل العلم يأمرون بتحريق مثل هذا الكتاب، أيضًا الشفاء للقاضي عياض يطبع بطريقة المصحف، حتى الدواوير التي بين الآيات نظيرها في المقاطع، مقاطع الجمل من الشفاء، مطابقة تامة لطبع القرآن الكريم، وقع بيدي نسخة من الشمائل النبوية للترمذي كذلك، هذا الغلو في هذا الإخراج لهذه الكتب، لا شك أنه يدل على شيء، لكن لا يعني أننا لا نعنى بخصائصه ولا بشمائله ولا بسيرته، -﵊-، يعني وقع في يدي قبل سنين كتاب اسمه جؤنة العطار، يرمي أئمة الدعوة، وعلماء هذه البلاد، بأنهم جفاة، وأن أحدهم يقول: أن عصاه أنفع له من النبي -﵊- سبحانك هذا بهتان عظيم، ويستدل على ذلك أننا لا نقرأ في الشفاء، ولا نقرأ في المواهب، ولا نقرأ في دلائل الخيرات ولا غيرها.
[ ١٦ / ٢١ ]
العلماء في هذه البلاد لا شك أنهم يعنون بجانب التوحيد وسد الذرائع الموصلة إلى الشرك، وارتكاب ما نهى عنه النبي -﵊- من الإطراء والغلو والمديح، ولا شك أن في شروح الشفاء شيء من ذلك، حتى فضلت الحجرة على العرش، في بعض شروح الشفاء، في بعض شروح الشفاء شيء من ذلك، وأيضًا ما في هذه الكتب من الأدلة الصحيحة هو موجود في صحيح السنة، موجود في كتاب الله -جل وعلا- وما صح من سنته -﵊- ولا يعني أننا لا نستفيد من هذه الكتب نستفيد ويقر الحق ويزيف الباطل، ونكون في جميع أمورنا متوسطين، لا نغلو ولا نجفو، فعلينا أن ننظر إلى مثل هذا الموضوع كغيره من الموضوعات بعيني البصيرة، بالعينيين كلتيهما لا ننظر من زاوية ونترك أخرى، لا ننظر إلى أن الرسول -﵊- معظم في النصوص جاءت النصوص بتعظيمه نصوص الكتاب والسنة فقط، ننظر إليها ونقدره قدره ونحبه أكثر مما نحب أنفسنا ونعظمه، لكن لا يعني هذا أننا نصرف له شيئًا من حقوق الرب -جل وعلا-.
أيضًا لا نقصر في حقه، لا نقصر في حقه خشية من أن نقع في الغلو، لا، بل علينا أن نتوسط ونعمل بجميع ما جاءنا عن الله وعن نبيه -﵊- في هذا الباب، وفي غيره من أبواب الدين، ودين الله -جل وعلا- بين الغالي والجافي.
الأسئلة:
هذا يقول: لو ذكرتم أسماء الكتب الصحيحة لخصائص النبي -ﷺ- وكذلك التي ذكر فيه دروس وعبر من سيرته ﵊؟
على كل حال الخصائص موجودة في صحيح السنة، وفي الصحيحين وغيرهما شيء كثير، من الخصائص النبوية، شيء كثير، ولا يمنع أن نطلع على ما كتب في هذا الباب ونعرف الحق فنقبل ونعرف ما لا دليل له فنرده.
وأهل العلم أهل التحقيق، عليهم أن يقوموا بهذه المهمة بتهذيب هذه السنن، بتهذيب هذه السنن؛ لأنهم أولى من يقوم بها، ولا يترك تدريسها، لمن هو معتقد لما فيها من مخالفات، بل بعضهم ممن يزيد على ما كتب في هذه الكتب فإذا تولاها أهل التحقيق، وأقروا ما فيها من حق وزيفوا ما فيها من باطل أو علقوا عليه، انتفع الناس بها.
[ ١٦ / ٢٢ ]
يقول: كيف أقنع زوجتي بوجوب تغطية الوجه والكفين وهي تكشفها وأنا ما أرضى بهذا، وقالت لي إذا كان تغطية الوجه والكفين واجبة فأنا أغطيهما؟
نعم، لا شك في الوجوب، لا شك في وجوب تغطية الوجه والأدلة على ذلك من صحيح السنة كثيرة جدًا، وفي الصحيح -صحيح البخاري- في قصة الإفك، تقول عائشة -﵂- وكان يعرفني قبل الحجاب، بل صرحت بأنها لما سمعت استرجاعه خمرت وجهها، ولو كان يعرفها ولو كانت حاسرة أو كاشفة عن وجهها ورآها لعرفها قبل الحجاب وبعده، لو كان كشف الوجه غير واجب، لما غطت ولعرف ولما كان لقولها كان يعرفني قبل الحجاب فائدة، والنساء معه -﵊- في حجته كاشفات عن وجوههن، جاء في ذلك حديث أسماء وحديث أختها عائشة أنهم كانوا يكشفون ثم إذا حاذاهم الركبان من الرجال الأجانب سدلت إحداهن جلبابها والأدلة على ذلك كثيرة جدًا لا يستغرقها الوقت.
ويقول: أنا متحير بعدما قرأت كتاب الشيخ الألباني -﵀- وخاصة الرد المفحم، وهل الأمر المستحب يكون واجبًا للمرأة عندما أمرها زوجها أفيدوني -جزاكم الله خيرًا-.
على كل حال مثل هذا لا يختلف أهل العلم أنه إذا كان كشف الوجه مثار فتنة للرجال، أو مثار فتنة للمرأة نفسها، فهم مجمعون على التحريم، وعلى كل حال، مثلما ذكرنا، المرجح هو القول بوجوب تغطية الوجه ومع ذلك أدلته كثيرة معروفة في مظانها.
هذا يقول: إذا وجد من يسب النبي -ﷺ- فهل لأفراد الناس هل يجوز - للعوام- أو الدعاة أن يأخذوا بالحكم على أيديهم، أو لا بد أن يكون الحكم من قبل الحكومة؟
[ ١٦ / ٢٣ ]
على كل حال، إذا وجد من يرتكب منكرًا، وسب النبي -﵊- من أعظم المنكرات، لا بد أن ينكر عليه بالأسلوب المناسب، ولا يترك الأمر لآحاد الناس في الحدود والتعزيرات، لو قال: هذا يسب الله أو يسب رسوله لماذا لا أضربه؟ كما فعل الصحابي باليهودي الذي سب النبي -﵊- نقول: الحدود والتعزيرات من حقوق الإمام، ولو تركت لآحاد الناس لصارت الأمور فوضى؛ لأنهم في تقدير ما يوجب التعزير، فقد يظن أحد أن هذا موجب للتعزير وهو في الحقيقة لا يوجبه؛ لأن القائل أو الفاعل له تأويل سائغ أو لأن هذا في تقديره منكر وهو في الحقيقة ليس بمنكر، على الإنسان أن يبين ويوضح وينكر بالأسلوب المناسب الذي لا يترتب عليه منكر أعظم منه، وأما بالنسبة لليد فمن تحت يدك ممن ولاك الله أمره لا مانع من أن تغير باليد لكن ما سوى ذلك، هذه الأمور متروكة للجهات التي خولت من قبل ولي الأمر. والله المستعان.
يقول: الصلاة الإبراهيمية الثابتة لم يرد فيها ذكر السلام فلماذا؟
الصحابة قالوا -رضوان الله عليهم- قالوا للنبي -﵊- عرفنا كيف نسلم عليك، ولفظ التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فيه السلام، ثم بعد ذلك فكيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد» ففي ذلك جمع بين الصلاة والسلام، علمًا بأن هذه الأذكار توقيفية لا تجوز الزيادة عليها، وليس من مظاهر محبته -﵊- أن نزيد على ما شرع، كما يقول بعض الناس: الصلاة على سيدنا محمد، والسلام على سيدنا محمد، هذا في الصلاة، أما خارج الصلاة فسمعنا من قوله -﵊- أنه يقول: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» هو سيد بلا شك، لكن مع ذلك لا يزاد على ما شرع، فمن مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله، طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله -جل وعلا- إلا بما شرع لا نبتدع في الدين.
يقول: ما حكم الناس الذين قبلوا رسالة محمد جملة لكن جهلوا كثيرًا من التفاصيل؟
[ ١٦ / ٢٤ ]
أما بالنسبة للمعرض إعراضًا تامًا عن هذا الدين، لا يتعلمه ولا يرفع به رأسًا فهذا على خطر عظيم، فهذا على خطر عظيم، أما تعلم ما يجب عل المرء تعلمه، فيجب على المسلم تعلم مسائل، وكل مسلم يجب عليه تعلم ما يصحح ما يجب عليه من أمور الدين؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولا يطلب من جميع المسلمين أن يكونوا علماء؛ لأن العلم وتعلمه وتعليمه فرض كفاية كما هو معروف عند أهل العلم.
يقول: كيف نعامل المسلمين الجهلاء بأحكام دينهم؟
علينا أن نعلمهم وأن نرشدهم وأن نوجههم وأن نأخذ بأيديهم إلى حضيرة الصواب.
هذا يسأل عن مسألة العذر بالجهل؟
مسألة: العذر بالجهل كلام أهل العلم فيها كثير جدًا، على كل حال، لا بد من بلوغ الحجة، ﴿لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [(١٩) سورة الأنعام]، وأما قبول الحجة فليس بمسوغ للحكم على هذا الجاهل، إزالة ما يمنع من قبول الحجة، عندنا بلوغ الحجة وعندنا فهم الحجة، وعندنا إزالة ما يمنع من قبول الحجة، أما بلوغ الحجة فأمر لا بد منه، وأما فهم الحجة فإذا كان السامع لهذه الحجة بمنزلة الأعاجم الذي لا يفهم من الكلام شيئًا فلا بد من إفهامه وتفهيمه وشرح هذه الحجة، أما ما يمنع من قبول الحجة من إتباع للرؤساء والآباء وأشباه ذلك ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [(٢٣) سورة الزخرف]، هذا لا يلزم منه عدم الحكم على الفاعل، ولذا تجدون في كثير من الأقطار ما يوجد عندهم من مانع لقبول الحجة، وما هذا المانع تجده إذا قيل له الطواف على القبور شرك، يقول: عهدنا شيوخنا وقد عرفناهم منذ عرفنا أنفسنا، وهم يطوفون بالقبور وهم أهل علم وخير وفضل وصلاح، وكما تثق أنت بعلمائك نحن نثق بهم، هذا لا شك مانع من قبول الحجة، لكن هذا ليس بعذر إذا بلغت الحجة وفهمت الحجة.
يقول: كيف نوجه الآية: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [(٩٥) سورة الحجر]، وقد وجد بعض هؤلاء المستهزئين؟
[ ١٦ / ٢٥ ]
الله -جل وعلا- كفاه المستهزئين به من وجوه، أما بالنسبة لمن استهزأ به في وقته، فقد كفاه الله إياهم، كفاه الله -جل وعلا- إياهم، وذكر ابن جرير وغيرهم من أهل العلم من المفسرين وقائع حصلت لهؤلاء، وقائع حصلت لهؤلاء، وأن الله -جل وعلا- أراحه منهم، وقضى عليهم، أما من يستهزئ به بعد وفاته -﵊- لا شك أن مثل هذا لا يضيره -﵊- بذاته، وإنما قد يكون في المحنة منحة، رفع درجات له -﵊- وانتشار لدينه كما حصل، وأيضًا تعظم الأوزار بالنسبة لهؤلاء المستهزئين، وهذه المسألة كغيرها مما يقع من الناس مما يغضب الله -جل وعلا-.
يقول: عندما نسافر إلى مدينة رسول الله -ﷺ- بعض الناس يقولون لنا سلم لنا على رسول الله -ﷺ- عنده قبره، فهل يجوز لنا أن نسلم عليه -﵊-؟
إذا قال لك سلم لنا على رسول الله عند قبره، تقول له: سلم عليه وأنت في مكانك، وسوف يبلغ هذا السلام.
يقول: هل يجوز للمسلم أن يقتل من سب النبي -﵊- بدون إذن من السلطة الحاكمة؟
قلنا: إن الحدود والتعزيرات أمرها إلى السلطان، وليست لآحاد الناس، ولو تركت لآحاد الناس، لصارت المسألة فوضى، وكل من أراد أن ينتقم من شخص، كل من أراد أن ينتقم من شخص ادعى عليه أنه فعل كذا، مما يوجب قتله، أو تعزيره، وإذا كان في الحديث "الرجل يجد عند امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه قال: «نعم»؛ لأن هذه الحدود ليست لآحاد الناس لو قتله قتل به؛ لأن مثل هذا يفتح باب شر مستطير، كل إنسان يكون بين وبين آخر عداوة يستجره إلى بيته ويستضيفه، ثم يقول إنه وجده على زوجته فيقتله، هذه الأمور محسومة ومحكمة، والباب موصد ومتقن ولله الحمد والمنة.
يقول: ما موقف المسلم في الدول غير الإسلامية، ممن يسبون النبي -ﷺ- والدين هل يرد ذلك بقدر استطاعته؟ وإذا كان الأمر يؤدي إلى هلاكه أم يكرهه بقلبه؟.
إنكار المنكر، لا شك أن هذا منكر، وإنكاره على الدرجات التي جاء بها الحديث الصحيح.
يقول: هل للمقاطعة أصل في الشرع؟
[ ١٦ / ٢٦ ]
المقاطعة لا شك أن فيها نكاية لمن عملوا هذا العمل، وفيها أيضًا ضغوط من دولهم وشعوبهم عليهم، وإذا كان فيها نكاية فلا شك أنها تكون حينئذ شرعية، والإنسان غير ملزم في الأصل أن يشتري من بضائع هؤلاء، وإذا كان بين أبيك أو أخيك وشخص آخر عداوة وهذا الرجل له تجارة، وقاطعته هل يلومك أحد؟ فكيف بمن أبدى عداوته للمسلمين قاطبة؟
والحمد لله أن الأمور ماشية بدون بضائعهم، ولا شك أنها أثرت فيهم، وأحدثت عندهم إرباك، وإذا كان هذا الأثر ظاهر فلا شك أن المقاطعة حينئذ تكون مطلوبة.
يقول: ما هي طرق نصرة الرسول -﵊-؟
نصرة الرسول -﵊- بالذب عن شخصه الكريم -﵊- وبالذب عن سنته -﵊- قولًا وفعلًا، يعني تعمل بها أنت في نفسك وتدعو إليها وتنشرها بين الناس، وترد على من يتطاول عليها، تعمل بها، وتعلمها الناس وتنشرها بينهم ومع ذلك ترد على من يتطاول عليها.
يقول: إذا كسفت الشمس بعد العصر فهل تجوز إقامة صلاة الكسوف؟
عامة أهل العلم على أن صلاة الكسوف سنة، وقد نقل النووي الإجماع على ذلك، وإن كان أبو عوانة في صحيحه يقول: باب وجوب صلاة الكسوف، وتبعًا لهذا إذا قلنا إنها سنة يرد فيها الخلاف، في فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي، وإذا قلنا إنها واجبة فلا يرد الخلاف؛ لأن الخلاف في النوافل لا في الواجبات، وعلى كل حال هي ذات سبب، وعندي أنها إذا كسفت وهي حية الشمس بيضاء نقية تكون كغيرها من ذوات الأسباب تفعل في هذه الأوقات، أما إذا تضيفت الشمس للغروب واصفرت الشمس فلا صلاة، أي تطوع من التطوعات، إذا تضيقت الشمس للغروب، لأنها حينئذ تغرب بين قرني شيطان، ومثل هذا في الأوقات المضيقة الأخرى عند طلوع الشمس وعند ارتفاعها، هذه الثلاثة الأوقات المضيقة لا يفعل فيها شيء من التطوعات، ولو كان ذا سبب؛ لأنها مقصودة لذاتها، وأما الوقتان الموسعان، فالنهي عن الصلاة فيهما من باب النهي عن الوسائل؛ لئلا يسترسل الإنسان في الصلاة فيتطوع إلى أن يدخل الوقت المضيق.
[ ١٦ / ٢٧ ]
في حديث عقبة بن عامر: ثلاث ساعات كان رسول الله -ﷺ- ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا، والجمهور على أنه لا يصلى في هذه الأوقات شيء من التطوعات، ولو كانت ذا سبب، وهو المعروف عند الحنفية والمالكية والحنابلة، أما الشافعية فيقولون بأن ذوات الأسباب تفعل في أوقات النهي، وهو الذي يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ويفتي به من يفتي من المعاصرين بناء على أن أحاديث النهي عامة، وأحاديث ذوات الأسباب خاصة، والخاص مقدم على العام، لكن للطرف الثاني أن يقول عكس ما قاله هؤلاء، بأن يقولوا: أحاديث ذوات الأسباب عامة وأحاديث النهي خاصة، والخاص مقدم على العام، وليست دعوى الطرف الأول بأقوى من دعوى الطرف الثاني، فالعموم والخصوص وجهي لا مطلق، عموم وخصوص وجهي، بمعنى أن أحاديث النهي عامة في الصلوات خاصة في الأوقات، وأحاديث ذوات الأسباب خاصة في الصلوات عامة في الأوقات، بعكس أحاديث النهي، ولذا الدعوى متقابلة، والمسألة من عضل المسائل والترجيح فيها مما تضيق به الأنظار حتى قال بعض أهل العلم: إن الإنسان إذا دخل المسجد في وقت النهي إما لا يدخل أو يستمر واقف؛ لأن إن جلس خالف فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، وإن صلى خالف لا صلاة بعد العصر، لا صلاة بعد الصبح، ثلاث ساعات .. إلى أخره، فهو يقع في الحرج العظيم، وعلى كل حال فالمرجح أنه في الأوقات الموسعة، إن شاء أن يصلي فلا حرج عليه، وأما في الأوقات الثلاثة المضيقة فلا، والإمام البخاري -رحمه الله تعالى- حينما ترجم باب الطواف بعد الصبح وبعد العصر، أورد أحاديث النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، مما يدل على أنه لا يرى الطواف بعد الصبح وبعد العصر، وإذا طاف فإنه لا يصلي حتى يخرج وقت النهي، وأردف الترجمة بقوله: وصلى عمر -رضي الله تعالى عنه- ركعتي الطواف بذي طوى، يعني بعد أن خرج وقت النهي، ولا مانع أن يطوف الإنسان بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، لكن إذا ضاق الوقت يؤجل الصلاة حتى تغيب الشمس أو ترتفع الشمس، وجاء عن جابر -﵁: - ما كنا نطوف مع النبي -﵊- بعد الصبح ولا بعد العصر، لكن الطواف معروف أنه لم يرد فيه نهي
[ ١٦ / ٢٨ ]
وإنما جاء فيه النهي عن منع الطواف، في أية ساعة شاء من ليل أو نهار، وأما بالنسبة للصلاة فتبقى على أصلها في النهي لا سيما إذا ضاق الوقت. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٦ / ٢٩ ]