إذا كبر تكبيرة الإحرام، مثل بين يدي ربه -جل وعلا- ثم كبر تكبيرة الإحرام لا يشرع له أن يقول قبل تكبيرة الإحرام شيء، يقول ابن القيم: "ولم يقل شيئًا قبلها، ولا تلفظ بالنية البتة، ولا قال: أصلي صلاة كذا مستقبلًا القبلة أربع ركعات إمامًا أو مأمومًا، ولا قال: أداءً ولا قضاءً ولا فرض الوقت".
هذه بدع، عشر بدع موجودة في كثير من بلدان المسلمين، يجهرون بالنية، ويعينون الأركان، وفرض الوقت وما يتعلق بذلك، هي موجودة، لكن لم يثبت شيء في هذا عن النبي -﵊-، لا صحيح ولا ضعيف، ولا عن صحابته الكرام، ولا عن التابعين لهم بإحسان، إنما يُذكَر عن الإمام الشافعي ما لا يدل على مرادهم أن الفرق بين الصلاة والصيام أن الصلاة في أولها نطق، فهم زعموا أن هذا النطق هو الجهر بالنية.
والنية لا شك أنها شرط من شروط الصلاة، شرط من شروط الطهارة، شرط لجميع العبادات، «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى» فلا تصح عبادة بدون النية، لكن ما معنى النية؟ هذه مسألة يعاني منها كثير من الناس ممن ابتلي بالوسواس، وأعداد هؤلاء من الرجال والنساء، من الشباب وغيرهم يزداد يومًا بعد يوم.
[ ١٧ / ٧ ]
هذه النية هي مجرد القصد إلى الفعل، مجرد ما تذهب إلى الماء وتفتح الماء لتتوضأ هذه هي النية، ولا شيء أكثر من ذلك، مجرد أن تقف بين يدي ربك في الصف وتقول: الله أكبر، هذه هي النية، قصدت الصلاة انتهى الإشكال، وكثير من الناس يعرف أن هذه النية شرط، ويعرف أن العبادة كلها لا تصح إلا بهذا الشرط، فيحتاط لهذا الشرط، فتجده يستحضر ذهنه في بداية الأمر، يتشدد في هذا الباب فيستحضر هذه النية لئلا تشرد، ثم بعد ذلك يؤكدها يردها ثانية، ثم يجهر بها، ثم يُبتَلى بالوسواس.
وأسئلة من ابتلي بهذا الوسواس لا تنتهي، والحل قد يصل الأمر إلى حد ميئوس منه، إلا أن يتداركه الله -جل وعلا-، يقول بعضهم: أنه كل مفصل من مفاصل الأصابع له نية تخصه في الوضوء، ويحاول الوضوء الساعات، ثم عاد إذا جاء إلى الصلاة فلها نصيبها الأكبر من النية عنده وطول الوقت، وقد طرق الباب شخص في الساعة الثامنة صباحًا في الشتاء، يقول: وإلى الآن يحاول أن يصلي العشاء فما استطاع.
فننتبه لهذا الأمر ونهتم له، نأتي بالعبادات على الوجه المأمور بها من غير إفراط ولا تفريط، ولا نزيد على أعداد ما جاء عن النبي -﵊- في غسل الأعضاء، لئلا نُبتَلى، قد يزيد بعض الناس من باب الاحتياط، نقول: لا يا أخي، هذه بدعة، والاحتياط إذا أدى إلى ارتكاب محظور أو ترك مأمور فالاحتياط في ترك هذا الاحتياط كما قال شيخ الإسلام -﵀-.
فالشخص يقطع الطريق على الشيطان، الشيطان يريد أن يلبس على المسلم، ويريد أن يخرجه من دينه، يبذل ما يستطيع من وسوسة وشواغل وصوارف ليصرفه عن دينه، قد يُفتَى بعض الموسوسين أن الصلاة قد سقطت عنه، الوضوء ما يحتاج إلى وضوء، نية ما يحتاج إلى نية، لماذا؟ لأنه يجلس ثمان ساعات يتوضأ، هذا موجود، هذه كارثة، قد يقول لمن يقول له ذلك: توضأ بدون نية صلِ على أي حال كانت: يقول: هو مجنون؟! ينكر على من قال له ذلك، يقول: أنا مجنون؟! ترى هذا أشد من الجنون، بعض الموسوسين يقرب من أن تُسقَط عنه الصلاة.
[ ١٧ / ٨ ]
وتمر مثل هذه الأحوال يوميًا، وهي تزيد، فعلينا أن نقطع الطريق على الشيطان، أحيانًا يبدأ يشك الإنسان هل غسل العضو مرتين ولا ثلاث؟ نحن نعرف أنه إذا تردد هل صلى ركعتين أو ثلاث يبني على الأقل ليؤدي الصلاة بيقين، لكن إذا تردد هل غسل العضو مرتين أو ثلاث؟ نقول: اجعلها ثلاث، يقول: لماذا لا أبني على اليقين؟ نقول: لا يا أخي، لا تبن على اليقين في مثل هذا؟ لأنك إذا كان الواقع ثلاث ثم زدت، خرجت إلى بدعة، لكن إذا كان الواقع اثنتين واقتصرت عليهما، أنت في سنة، ما زلت في حيز المسنون، النبي -﵊- توضأ مرةً مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا وثلاثًا، فكون الإنسان يقتصر على الأقل في الوضوء، لأنه في دائرة السنة.
لكن لا يقال مثل هذا في الصلاة، بمجرد الشك أنه تردد هل صلى اثنتين أو ثلاث نقول له: تبني على الأقل؛ لأنك إن بنيت على الأكثر وصارت صلاتك ناقصة صلاتك باطلة، لكن إذا بنيت على الأكثر ونقص وضوءك من ثلاث إلى اثنتين وضوءك صحيح وعلى السنة، لكن من ابتلي بالوسواس واستمر معه ذلك، وصار في كل صلاة يتردد هل صلى اثنتين أو ثلاث، نقول: اعتبرها ثلاث إلى أن تعافى من هذا الوسواس؛ لأنه إذا قيل له: تبني على الأقل، بنى على الأقل ثم إذا صلى ثالثة نسي هل صلى اثنتين أو ثلاث؟ إلى ما لا نهاية.
وهذا الوسواس، وسواس في الوضوء موجود في الصلاة موجود في الطلاق، وهذا شأنه خطير، بعض الموسوسين لأدنى ملابسة يُخَيَّلُ له أنه طلق زوجته، مدرسٌ يقول: جئت إلى المدرسة وعدد الطلاب قليل، فقال لي زميلي: هات طلابك مع طلابي، ويكفي ما يحتاج ارتح أنت، فقلت له: لا بأس، وجبتهم، ثم خطر لي أني لما قلت له: لا بأس، أي نعم، أنه قال لي: هل طلقت زوجتك؟ فقلت: نعم، إيش اللي دخل المسكينة بالطلاب؟! وإيش اللي لكن الشيطان، ونعوذ بالله من الشيطان.
[ ١٧ / ٩ ]
والشيطان ينبغي للإنسان أن يكثر من الاستعاذة منه، وأن يكثر الذكر وتلاوة القرآن، وأن يعتصم ويلجأ إلى الله -جل وعلا- أن يعصمه منه، وإلا هذه وظيفته، ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [(٨٢) سورة ص]. فإذا أُذِّنَ للصلاة هرب ولى أدبر وله ضراط، وله حصاص، ثم إذا فرغ الأذان، جاء ليوسوس، فإذا ثُوِّبَ للصلاة وأقيمت الصلاة هرب، ثم إذا انتهت الإقامة رجع ليوسوس للمصلين اذكر كذا اذكر كذا اذكر كذا، إلى أن يخرج الإنسان من صلاته وليس معه من أجرها شيء، هذا الذي يريد، يريد أن يكثر السواد معه، وهذه وظيفته.
فعلينا أن ننتبه لهذا الأمر ونحتاط له؛ لأن الإنسان قد يؤتى من شدة الحرص مع الجهل فيزيد على المشروع فيُبتلى، كان دأبه -﵊- في إحرامه لصلاته أن يقول: الله أكبر، بهذا اللفظ لا غير، فلا يتم الدخول في الصلاة إلا بهذا اللفظ (الله أكبر) فلا يجزئ (الله الأعز)، أو (الله الأكرم)، أو (الله الكبير) كما يقول بعض أهل العلم، لا يجزئ هذا، لا يجزئ إلا هذا اللفظ حيث لم ينقل غيره عن النبي -﵊-، فلا يجزئ غيره، وهذه تكبيرة الإحرام وعرفنا أنها ركن لا تصح الصلاة بدونها.