الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
في هذه الساعة من هذه الليلة المباركة، نجتمع في بيت من بيوت الله، نتذاكر جملًا من مسائل العلم المتعلقة بالخلاف بين أهل العلم، والنزاع المبني على الدليل، وهذا هو المضنون بأهل العلم.
[ ١٤ / ١ ]
وعنوان المحاضرة اطلعت عليه أخيرًا بعد الإعلان، ولعل هذا سربه الاختلاف في فهم بعض الأمور بين الإخوان المرتبين لهذه المحاضرات وبين المكتب، أما أنا ما مر علي هذا العنوان بهذه الصيغة (ولا تختلفوا فتفشلوا) لأنه كأنه منزوع من نص، والنص ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ﴾ [(٤٦) سورة الأنفال] والنصوص في هذا الباب كثيرة جدًا، منها ما جاء بالنزاع ومنها ما جاء في الاختلاف، وكلها جاءت من النصوص الملزمة من كتاب الله، وسنة نبيه ﵊، لكن اللفظ المعلن عنه لا يوجد ما يؤيده من الكتاب ولا من السنة بلفظه، وإن كان المعنى موجود، الله -جل وعلا- قد حث على الاجتماع، حث على الاجتماع، ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ [(١٠٣) سورة آل عمران] فنهى عن الفرقة والاختلاف، وحث على الاجتماع والائتلاف، وجاء من نصوص الكتاب والسنة ما ذكرت بعضه، من قوله -جل وعلا-: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾ [(١٥٢) سورة آل عمران] وعصيتم من بعد ما أراكم من تحبون، فالنزاع يؤدي إلى الخصام، والخصام لا شك أنه مؤد إلى الضعف، ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [(٤٣) سورة الأنفال] ﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [(١٢٢) سورة آل عمران] ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ﴾ [(٤٦) سورة الأنفال] والتنازع والمنازعة المجاذبة، ويعبر بهما عن المخاصمة، والمجابذة، يقول الله -جل وعلا-: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [(٥٩) سورة النساء] هنا يكون الاحتكام إلى الله ورسوله عند وجود الخلاف، فردوه إلى الله والرسول، ومن الرد إلى الله والرسول الرد إلى القواعد العامة المستنبطة مما جاء عن الله وعن رسوله، وإلى الأصول المأخوذة من الكتاب والسنة، يقول -جل وعلا-، وقال تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [(٦٢) سورة طه] والفشل ضعف مع جبن، إذا كان عند التنازع والمنازعة
[ ١٤ / ٢ ]
والنزاع المجاذبة والمشادة والمخاصمة والمجادلة، فالفشل المرتب على هذا النزاع هو ضعف مع جبن، وتفشل الماء إذا سال، وفي تهذيب اللغة قال الليث: رجل فشل، وقد فشل يفشل عند الحرب، والشدة إذا ضعف وذهبت قواه، ويقال: إنه لخشل فشل، وإنه لخشل فشل، يقول الله -جل وعلا-: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [(٤٦) سورة الأنفال] يقول الزجاج: أي تجبنوا عن عدوكم إذا اختلفتم، ولا شك أن الاختلاف والتنازع في الآراء سبب للفرقة والفشل مما يجعل المختلفين لقمة سائغة لأعدائهم، وهنا شواهد الأحوال على هذا قائمة، لما كانت الأمة متحدة تحت راية واحدة، ومندرجة تحت قول واحد عمدته الكتاب والسنة، ولا يعني أنه لا يوجد خلاف في الآراء يوجد خلاف، لكن خلاف لا يؤدي إلى الفرقة، الإشكال في الخلاف المؤدي إلى التنازع والمخاصمة والفرقة، الاجتماع في الرأي والكلمة، ألفة ينشأ عنها اتحاد وقوة، والاختلاف في الظاهر يؤدي إلى الاختلاف في الباطن، وهذا لا شك فيه، كما أن الاتفاق في الظاهر يؤدي إلى الاتفاق في الباطن، ولهذا حرم النبي ﵊ التشبه بالكفار، لأن موافقتهم في الظاهر تؤدي إلى موافقتهم في الباطن، والعكس بالعكس، خلاف معهم في الظاهر يؤدي إلى منابذتهم في الباطن، وقل مثل هذا في الخلاف والوفاق مع المخالفين من المسلمين، بالنسبة للاختلاف، وهذا في النصوص التي تقدمت في النزاع، وهذا في الاختلاف، ﴿فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا﴾ [(٢١٣) سورة البقرة] فالخلاف الذي سببه البغي والعدوان هذا يؤدي إلى النتيجة التي جاء ذمها في القرآن والسنة، ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [(١٩) سورة آل عمران] ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [(٣٧) سورة مريم] ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [(٦٥) سورة الزخرف] ﴿وَمَا
[ ١٤ / ٣ ]
اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [(١٠) سورة الشورى] ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [(١٧٦) سورة البقرة] ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ [(٢١٣) سورة البقرة] قال -جل وعلا-: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [(٢١٣) سورة البقرة] فالذين آمنوا يوجد معهم الاختلاف، لكن هداية وتوفيق، وغيرهم يوجد بينهم خلاف لكن مع خصام ونزاع وجدال يفضي إلى الخذلان –نسأل الله العافية-.
[ ١٤ / ٤ ]
﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [(١٠٥) سورة آل عمران]، ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ [(١٤) سورة الشورى] ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ﴾ [(١٩) سورة يونس] ﴿فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءهُمُ الْعِلْمُ﴾ [(٩٣) سورة يونس] ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [(٦٤) سورة النحل] ﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [(٦٣) سورة الزخرف] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [(٧٦) سورة النمل] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [(٣) سورة الزمر] ﴿أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [(٤٦) سورة الزمر] ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [(٦٣) سورة الزخرف] لأنه لو بين جميع ما يختلف فيه لارتفع الاجتهاد، الذي هو من نعم الله -جل وعلا- على هذه الأمة، الاجتهاد الذي رتبت عليه الأجور، لمن تأهل له ونظر في النصوص بتجرد، من غير هوى، ومع ذلكم فإن أصاب الحق فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، لا يقال: كيف هذه النصوص مع وجود الخلاف الكثير، بين الصحابة فمن بعدهم، يوجد خلاف بين الصحابة في مسائل كثيرة من العلم، يوجد خلاف بين أبي بكر وعمر، يوجد خلاف بينهما وغيرهما، وهذا كله مبناه ومرده إلى أمور تذكر فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الاختلاف والمخالفة:
[ ١٤ / ٥ ]
الاختلاف والمخالفة: أن يأخذ كل واحد طريقًا غير طريق الآخر، في حاله أو قوله، يعني هذا إذا ذهب من جهة اليمين، وذاك من جهة الشمال، ببدنه اختلفا، لكن لو صارا في طريق واحد حصل الاتفاق بينهما، وقل مثل هذا في الأقوال، إذا قال هذا يجب وقال هذا يحرم، اختلف، والخلاف أعم من الضد، لأن كل ضدين مختلفان، وليس كل مختلفين ضدين، الخلاف أعم من الضد، لأن كل ضدين مختلفان، لأنه لا يمكن أن يجتمع الضدان، فهما مختلفان، وليس كل مختلفين ضدين، ولما كان الاختلاف بين الناس في القول قد يقتضي ويفضي إلى التنازع استعير ذلك للمنازعة والمجادلة، قال الله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ [(٣٧) سورة مريم] وقال أيضًا: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [(١١٨) سورة هود] فهذه الاختلاف بين الناس في الأقوال لا شك أنه قد يفضي إلى التنازع والمجادلة والمخاصمة والفرقة لا سيما إذا كان منشأ الاختلاف عن هوى، لا بحثًا عن الحق، أما من يبحث عن الحق فلن يحصل منه شيء من هذا، الذي يبحث عن الحق لا شك أنه يوفق ويسدد سواء أصاب الحق أو لم يصبه.
[ ١٤ / ٦ ]
جاء في الحديث: «اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك» ففيه طلب الهداية إلى الصواب والحق في الأمور المختلف فيها جاء أيضًا أن الاختلاف سبب لرفع ما ينفع، سبب لرفع ما ينفع، فتلاحى رجلان فرفعت، اختصم رجلان واختلفا، فرفعت يعني ليلة القدر، رفع العلم بها، خرج النبي ﵊ لخبرهم فيها، لكنه تلاحى رجلان، وهذا من شؤم الخلاف، وإن كانت العاقبة حميدة لهذه الأمة بأن يكثر الاجتهاد، ويطول زمن التعبد والاتصال بالله -جل وعلا- فتعظم الأجور، فالخيرة فيما يختاره الله ﷾، إن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكهم الله بسبب خلافهم، وجاء في يوم الجمعة: هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه –يعني وهدانا الله -جل وعلا- لاختياره –الذي فرض على الأمم يوم الجمعة، فاختلفوا فاختار اليهود يوم السبت، واختار النصارى يوم الأحد، وهدى الله هذه الأمة إلى ما يريده الله -جل وعلا- ويرجوه، أفضل الأيام، وجاء في الحديث الصحيح: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» يعني بالنسبة للزمان في الدنيا نحن الآخرون، آخر الأمم، لكن يوم القيامة نحن السابقون، والسبب في ضلالهم عما افترض عليهم واختلافهم، وفي الحديث الصحيح رواه أحمد وغيره: «حتى أكتب لأبي بكر كتابًا لا يختلف عليه» وفي الحديث أيضًا المخرج في صحيح مسلم: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم» وهذا فيه دليل على أن الاختلاف في الظاهر، يجر إلى الاختلاف في الباطن، ومنه أيضًا: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» في البخاري عن علي -رضي الله تعالى عنه- قال: "أقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف، اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف، حتى يكون الناس جماعة" يعني اختلف رأيه بالنسبة لأمهات الأولاد، مع رأي أبي بكر وعمر، نعم، لكنه مع ذلك قال: "اقضوا بما كنتم تقضون به" لأن المسألة اجتهادية، اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الاختلاف، حتى يكون الناس جماعة، أو أموت كما مات أصحابي، قال ابن حجر: "فإني أكره الاختلاف" أي الذي يؤدي إلى النزاع، قال ابن كين: "يعني مخالفة أبي بكر وعمر" وقال غيره: المخالفة
[ ١٤ / ٧ ]
التي تؤدي إلى النزاع والفتنة، ويؤديه قوله بعد ذلك، حتى يكون الناس جماعة، حتى يكون الناس جماعة، جاء في الخبر: «اختلاف أمتي رحمة» وهذا الخبر لا أصل له، ولا يوقف له على إسناد، ذكره نصر المقدسي والبيهقي بغير سند، وأورده الحليمي أيضًا، لكنه خبر لا أصل له، وهو معارض بقول الله -جل وعلا-: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [(١١٩) سورة هود] فدل على أن الاختلاف ليس برحمة، نعم ما يؤدي إليه بعض الاختلاف المبني على الاجتهاد الذي ليس فيه معارضة ولا مصادمة لنص ثابت صريح صحيح، مثل هذا قد يكون فيه سعة، ورحمة لبعض الناس، لا سيما بالنسبة لمن فرضه التقليد، تقليد أهل العلم، إذا كان مقلدًا لإمام بعينه، تبرأ الذمة بتقليده، وقوله أخف من قول غيره، لكن لا يعني هذا أن للإنسان الذي فرضه التقليد، سواء كان عاميًا أو طالب علم مبتدئ في حكم العامي، أنه يتنقل في المذاهب بحثًا عن الأسهل وهذا ما يعرف عند أهل العلم بتتبع الرخص، مثل هذا لا شك أنه يخرج من الدين وهو لا يشعر، لأنه ما من مسألة إلا وفيها أقوال، فإذا كان ينتقى من هذه المسائل أسهل الأقوال، هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم، قال أحمد: حرام، وقال أبو حنيفة: مكروه، وقال مالك: جائز، يأخذ رأي مالك في هذه المسألة، جاءت مسألة بالعكس، قال مالك: حرام، قال أبو حنيفة: مكروه، قال أحمد: جائز، يأخذ برأي أحمد في هذه المسألة، هل هذا هو المراد؟ مثل هذا يخرج من الدين بالكلية، يتنصل عن جميع الشرائع، ولا يبقى عنده إلا ما علم من الدين بالضرورة، مما اتفق عليه وأجمع عليه العلماء، ولهذا يقولون: من تتبع الرخص تزندق، يعني يخرج من الدين وهو لا يشعر، مثل هذا لا يسوغ له أن ينتقل وينتقى من المذاهب، بل إذا قلد إمامًا رأى أن ذمته تبرأ بتقليده امتثالًا لقول الله -جل وعلا-: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [(٧) سورة الأنبياء] يلزمه قوله في كل مسألة، اللهم لو حجة، بدليل صحيح صريح في المسألة، فانتقل من تقليد هذا الإمام إلى اعتماد هذا الدليل، فيبرأ من هذه، بل هناك كتاب اسمه: (رحمة الأمة في اختلاف الأئمة) رحمة الأمة في
[ ١٤ / ٨ ]
اختلاف الأئمة، وهو مبنى على هذا الحديث الذي لا أصل له، وهو لمحمد بن عبد الله الدمشقي الشافعي، اسمه رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، وعرفنا أن الحديث لا أصل له، ابن مسعود -﵁- فيما رواه أبو داود في كتاب المناسك، عبد الله بن مسعود صلى أربعًا في الحج، وهو يرى القصر، وقد عاب على عثمان -﵁- أنه صلى أربعًا لو قصر أفضل، صلى ابن مسعود أربعًا فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعًا، قال: الخلاف شر، الخلاف شر، الخبر، وإن كان في إسناده جهالة، لكنه صار عمدة ومطية لكثير ممن أراد أن يوافق حسب هواه بعض المخالفين، فإذا وجد في بلد يعتمدون على إمام بعينه ثم حضر عندهم أو وجد بينهم، تجده يوافقهم ويقول الخلاف شر، يترك بعض الواجبات ويقول: الخلاف شر، وأحيانًا يرتكب بعض المحرمات ويقول: الخلاف شر، لكن هل هذا الكلام على إطلاقه؟ إن صح عن ابن مسعود، الخلاف في جملته شر، والوفاق والاتفاق خير، لكن يبقى أنه هل كل خلاف شر، يعني هل معنى هذا أننا إذا قدمنا إلى بلد وأهله على مذهب معين يعملون عملًا هو في نظرك واجتهادك محرم، تقول: الخلاف شر، وتعمله، وتوافقهم على ما يعملون، ذهبت إلى بلد أهله حنفية، يشربون النبيذ، تشرب النبيذ وتقول: الخلاف شر، أو أهله مالكية، يأكلون من اللحوم ما ترى تحريمه تأكل معهم وتقول: الخلاف شر، وأنت عندك الدليل الواضح الصريح على منعه وتحريمه، أو تترك بعض الواجبات بناء على أن الخلاف شر، لا شك أن الجملة في أصلها في جملتها، لها أصل لكن يبقى أنها تحتاج إلى تقييد، تحتاج إلى تقييد، هناك قواعد يطلقها أهل العلم تحتاج إلى تقييد، هنا الخلاف شر، يعني ترى المحرم وترتكب المحرم وتقول: الخلاف شر، نعم إذا كانت المسألة خلاف بين فاضل ومفضول، أنت عندك سنة وهم عندهم مباح مثلًا، ويفعلونه تقول: الخلاف شر أو العكس، هم يفعلون أمرًا يرونه مباحًا وأنت تراه مكروه، لا مانع الخلاف شر، لكن يبقى أنه لا احتياط فيما تعارض فيه الأقوال معارضة بينة، أنت تراه واجب وهم يرونه محرم تتفق معهم وتقول: الخلاف شر، هذه لا بد من تقييدها، أهل العلم يطلقون أيضًا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ونقلوا الاتفاق على ذلك،
[ ١٤ / ٩ ]
على أنه أحيانًاَ يحتاج إلى اللجوء إلى السبب والتخصيص به لأن عموم اللفظ معارض بما هو أقوى منه، فيحتاج إلى تقييد مثل هذه القواعد التي يطلقها أهل العلم، فإذا كان الخلاف بين فاضل ومفضول، وأردت أن توافقهم ارتكابًا للمفضول، أو كانت المسألة مسألة اجتهادية ليس فيها نص صريح صحيح نعم، مسألة اجتهادية، فلك أن ترتكب القول المرجوح، لا سيما إذا كان يترتب عليه مصلحة راجحة، أما إذا كان عمدة المسألة، إذا كان عمدة المسألة دليلًا مرفوعًا صحيحًا صريحًا، فلا مندوحة لك من العمل به مهما ترتب عليه، ولا اختلاف مصدر اختلف، وهو نقيض الاتفاق، يقول ابن منظور: اختلف الأمران لم يتفقا، وكل ما لم يتساوى فقد اختلف، والخلاف المضادة، وخالفه إلى الشيء عصاه إليه أو قصده بعد أن نهاه عنه، الحديث يقول: فأخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة، يعني أقصدهم، هؤلاء الذين تخلفوا عن الصلاة، يخالف إليهم النبي ﵊ بمعنى أنه يقصدهم في منازلهم، والخلف والخلاف والاختلاف عند الفقهاء بمعنى، عند الفقهاء بمعنى واحد، وقد يطلق على الخلاف النزاع، وهذا كثير على ألسنة أهل العلم، يسمونه نزاع، مع أنه جاء ذم النزاع والمنازعة والتنازع، فكثيرًا ما يقولون: تحرير محل النزاع، يعني محل الخلاف، يعني إذا قيل لك هل البسملة آية من القرآن، أو ليست بآية؟ تقول: أولًا: نحرر محل النزاع، وذلك بإخراج المسائل المتفق عليها، ثم يبقى المسائل المختلف فيها، تحرير محل النزاع تقول: اجمعوا على أن البسملة بعض آية من سورة النمل، وأنها ليست بآية في أول براءة، ثم اختلفوا فيما عدا ذلك، هنا حررت محل النزاع، وهو خلاف، يسمونه نزاع، ودرجوا على هذا، يطلق بعض الفقهاء على مخالفي مذهبه الخصوم، الخصوم دليلنا ودليل الخصوم، هذا موجود في كتب أهل العلم، أو ما هو موجود؟ نصب الراية ما هو مبني على هذا، دليل الخصوم، يعني المخالفين، هل نفهم من هذا أن هؤلاء العلماء الذين أطلقوا على الخلاف نزاع، وأطلقوا على المخالف خصم، أنهم يحملون في قلوبهم شيئًا على هؤلاء المخالفين، أو أن هذه ألفاظ اصطلاحية درجوا عليها، ولا يعني أن في قلوبهم شيئًا عليهم، يعني أصل الكلمة قد يكون قوي جدًا،
[ ١٤ / ١٠ ]
لكنها مع كثرة الاستعمال ولو في الألسنة لها قد يخص مدلولها العرفي، نعم، ولا معنى صاحب نصب الراية فقيه محدث، نعم هو فقيه حنفي، ينتصر لمذهبه، لكن يبقى أنه من أهل العلم، هل معنى هذا أنه يحمل في قلبه حقدًا على خصومه فيما يقتضيه لفظ الخصومة والمخاصمة، هل نقول: أن هذا موجود، أو أنا نقول أن العلماء تداولوا هذه الألفاظ، وكثرت على ألسنتهم، وصاروا يلفظون بها، ويكتبونها في مصنفاتهم من غير قصد لمعناها الأصلي.
بعض العلماء يفرق بين الاختلاف والخلاف، كيف؟
قد عرفنا أن الخلف والخلاف والاختلاف بمعنى، يقول الناظم:
جرى الخلف أما بعد من كان بادئًا (يعني الاختلاف).
ويقول الحافظ العراقي: والخلف في مبتدع ما كفرا (والمراد به الخلاف).
ويطلق هنا الخلف والمراد به الخلاف والاختلاف.
بعضهم يفرق بين اللفظين الخلاف والاختلاف، يقولون الأول: الذي هو الاختلاف، يستعمل في قول بني على دليل، يسمونه اختلاف، والثاني: فيما لا دليل عليه، يسمونه خلاف، وأيد ذلك التهنوي في كشاف اصطلاحات الفنون، أن القول المرجوح في مقابلة الراجح يقال له: خلاف لا اختلاف، قال: والحاصل منه ثبوت الضعف في جانب المخالف في الخلاف كمخالفة الإجماع وعدم ضعف جانبه في الاختلاف، لكن هل هذا التفريق معتبر في إطلاق كثير من أهل العلم، لا نرى له أثرًا في كثير من إطلاقات أهل العلم لهذين اللفظين، تسمعون قالوا: خلاف أو اختلاف.
الخلاف أنواع:
[ ١٤ / ١١ ]
منه اختلاف التضاد: وهو الخلاف الحقيقي، وهو الذي لا يمكن التوفيق بين الأقوال المندرجة تحته، اختلاف تضاد، يعني حينما يقال هذا حرام وهذا واجب، هل يمكن أن نستطيع التوفيق بين القولين، ونعمل بالقولين، لا يمكن أن نوفق بين هذين القولين، والاحتياط في مثل هذا مستحيل، فلا بد أن نرجح هذا أو هذا، لأن الاختلاف من اختلاف التضاد، هناك اختلاف تنوع، وهذا يمكن الجمع بين جميع الأقوال، فمثلًا ما أثر عن النبي ﵊ من أدعية الاستفتاح، هل نقول نرجح بين هذه الأدعية ونعمل بواحد منها أو نقول هذا اختلاف تنوع، بمعنى أننا نستفتح بهذا، ونستفتح بالثالث، وإذا عرفنا أن بعضها يقال فيه ظرف في حال أو في وقت عملنا به، وقل مثل هذا في صيغ التشهد، وقل مثل هذا فيما ثبت عن النبي ﵊، ربنا لك الحمد، ربنا ولك الحمد، اللهم ربنا لك الحمد، اللهم ربنا ولك الحمد، هل نرجح بأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى ونعتمد ما اجتمع الواو، واللهم لأنه أكثر، أو نقول: كلها ثابتة، فأحيانًا نقول هذا، ونقول هذا، ولعل هذا هو المتجه، يعني حينما يختلف المفسرون في تفسير الصراط، وفي كثير من ألفاظ القرآن ما هو من هذا النوع اختلاف تنوع، وأشار إلى هذا شيخ الإسلام، وضرب له أمثلة في مقدمة التفسير الأول اختلاف التضاد، ينقسم إلى اختلاف معتبر، واختلاف غير معتبر، اختلاف معتبر واختلاف غير معتبر، فالمعتبر ما دل عليه الدليل، يعني له مأخذ شرعي، فهو خلاف معتبر، أما ما لا دليل عليه، مما بني على استحسان أو اجتهاد أو قياس في مقابل النص، فالقياس في مقابل النص عند أهل العلم فاسد الاعتبار، هناك خلاف أيضًا يتساهل فيه أهل العلم، وخلاف يتشددون فيه، فالخلاف في أصول الدين مثلًا، الخلاف في أصول الدين المسائل المتعلقة بأصول الدين، وهو مسائل الاعتقاد، لا تخلو إما أن يثبت اتفاق السلف عليها بحيث لا يوجد بينهم مخالف، كوجود الله ووحدانيته وأسمائه وصفاته التي جاءت النصوص الصريحة بها، فهذا القسم لا يسوغ فيه الخلاف، ولا يعذر فيه المخالف، ويطلق عليه حينئذ مبتدع، الذي يخالف في مسائل الاعتقاد، التي اتفق عليها الصحابة والتابعون، ومن تبعهم من
[ ١٤ / ١٢ ]
سلف هذه الأمة وأئمتها، مسائل الخلاف، مسائل الاعتقاد التي ثبت فيها الاختلاف بين السلف، وهذه في الغالب إذا كانت الأدلة محتملة، إذا كانت الأدلة محتملة للنفي والإثبات كاختلافهم في رؤية النبي -ﷺ- ربه ليلة الإسراء، تقول عائشة: من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية، وابن عباس يثبت الرؤية، فترجيح أحد القولين سائغ، لكن بالدليل، بالمرجح، لا عن هوى، هناك مسائل صفات مثلًا يتفق أهل العلم على أنها من آيات الصفات، ويبقى وجه ربك، السمع والبصر وغيرها مما ثبتت بالنصوص القطيعة من الكتاب والسنة، هذه ليس بين سلف هذه الأمة خلاف فيها، لكن هناك آيات يختلف هل هي من آيات الصفات؟ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [(١١٥) سورة البقرة] وهناك أيضًا ما لا يقوى الدليل على إثبات الصفة به، من وجهة نظر المخالف، فعلى سبيل المثال صفة العزم، هل تثبت لله -جل وعلا-، صفة العزم، شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى أثبت لأهل السنة هذه الصفة، قولين، قال: القول الأول: لا تثبت صفة العزم لله -جل وعلا- لماذا؟ لأنه لم يرد فيها حديث صحيح صريح مرفوع عن النبي -ﷺ- والصفات توقيفية، القول الثاني: وهو الأصح، كما يقول شيخ الإسلام أننا نثبت العزم لله -جل وعلا-، هل فيه حديث صريح الرفع، الباب توقيفي، كيف يقول شيخ الإسلام وهو الأصح، فيه آثار، لكن من أقواها ما جاء عن أم سلمة كما في كتاب الجنائز من صحيح مسلم: "فعزم الله لي فقلتها" فأثبتت صفة العزم وأن الله يعزم، ولم تصرح برفعه إلى النبي ﵊، لكن مثل هذا هل تقوله أم المؤمنين من غير توفيق؟ هل تدرك أم المؤمنين مثل هذا من غير أن تسمع من النبي -ﷺ- فيه شيئًا، نقول هذا له حكم الرفع، لأنه لا يقال بالاجتهاد ولا بالرأي، ولهذا أثبتوا صفة العزم بهذا الخبر، ومن نفاها فله سند، فمثل هذا يسوغ فيه الخلاف، أما ما اتفق عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام، فهذا لا مندوحة لأحد في أن يخالف فيه، الخلاف في الفروع، وهو عند أهل العلم أسهل، ولهذا لم يبدعوا أحدًا من المخالفين في المسائل الفرعية، الإمام مالك
[ ١٤ / ١٣ ]
-﵀- خرج حديث ابن عمر: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» ومالك يقول: لا خيار، بلغه، ورواه، وخرجه، وروي الحديث من طريقه، هل نقول الإمام مالك مبتدع، لأنه ما أثبته الخبر هو تأول الخبر، ما قال نعم الحديث صريح في خيار المجلس ولا أرى خيار المجلس، هذا مصادمة للنبي ﵊، فمثل هذه خطر عظيم جدًا، ولا يمكن أن يقول الإمام مالك أو غير مالك بهذا القول، الإمام مالك تأول الخبر، يعني ما لم يتفرقا، بالكلام، وابن حزم يرد على مالك وأبي حنيفة في تأويل هذا الخبر، أنه لا بيع قبل التفرق بالكلام، والحديث يثبت البيع، والبيِّع والبيِّعان، أو يكون بيعين وهما لم يتفرقا في الكلام ما تم الإيجاب والقبول، هل يسمى بيع، ما يسمى بيع، فقولهم ضعيف مرجوح، ولهذا قال ابن أبي ذئب ينبغي أن يستتاب مالك، لماذا؟ لأن تأويله للخبر ضعيف، نعم هو متأول وله أدلة أخرى يدعم بها قوله، ويرى أن الحديث معارض بأدلة أخرى، وهو إمام من أئمة المسلمين، نجم السند وإمام دار الهجرة لا أحد يطعن فيه، لكن مع الأسف يوجد ممن يناقش الأئمة في مثل هذه المسائل، ويأتي بالألفاظ البشعة، كأن يقول: وبهذا قال مالك فأين الدليل؟ وأحيانًا يقول: هذا قول من لا يؤمن بيوم الحساب، أو يقول: هذا قول فلان وهو لا يساوي رجيع الكلب، هل هذا من أدب المسلم فضلًا عن طلبة العلم، فضلًا عن أهل العلم، الخلاف له أدب، والقول لا يمكن أن يقبل بهذه الطريقة مهما كانت قوته، لأن النفوس لها حرم ينبغي مراعاتها، والرفق ما دخل في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه، وأنت تنظر تناقش إمام كبير سواء كان من الموجودين أو من المتقدمين، ينبغي أن تتأدب بأدب أهل العلم، عليك بالرفق، تناقش عالم من العلماء من المعاصرين، ترى أنه أخطأ، لكن أن تناقشه بأدب إن كنت ندًا له فلا مانع من أن تبسط المسألة بأدلتها وتلزمه بقبولها ما لم يجب عنها، لكن إذا كنت طالب وهو شيخ، فلا تأتي بأسلوب تدخل إلى قلب الشيخ ليسمع لك، وبالمقابل هو أيضًا مخاطب بأدب آخر، وهو الوجوب والانصياع، لقال الله قال رسوله، لكن أنت أيضًا من أجل أن يقبل ما تأتي به، وأنت ترجو ثواب الله -جل وعلا-، بقبوله الحق، فأنت تعرض
[ ١٤ / ١٤ ]
ما عندك بالأسلوب المناسب، بعد أن تقدم بمقدمة بعد أن تبين له أنك استفدت منه، وأنه من أهل العلم والفضل وله فضل على الأمة، لكن هذه المسألة لو قيل فيها كذا؟ أو هل يثبت عنكم كذا؟ أو ما حجتكم في كذا؟ بالأسلوب المناسب اللطيف من أجل يقبل، لأنك تخاطب عالم، ما تخاطب إنسان عادي، ولا شك أن النفوس لها الحرم، وينبغي مراعاة هذه الحرم.
المسائل الفرعية منها ما حصل عليه الإجماع، كالأمور المعلومة بالضرورة من دين الإسلام، فهذه لا يسوغ الخلاف فيها، ولا يجوز الخلاف فيها، بل بعضهم أو كأنهم يطبقون على أن من أنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة أنه يكفر، يعني لو قال: بتحريم الخبز مثلًا، ولا تأويل له سائغ، يعني لو قال: هذا خبز، لا يجوز حرام أكله، طيب ليش حرام؟ قال: فيه تعفين معفن، فهو ضار، نقول: نعم هذه مقبولة، لكن خبز لا ضرر فيه نظيفة لا إشكال فيه أو تمر لا يضر، إذا حرمه، قد ثبتت النصوص القطعية بإباحته عند أهل العلم يكفي، نقول: مثل هذا لو أباح أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة، لو أباح الزنا أو أباح شرب الخمر وهو ممن لا يخفاه مثل هذا فإنه يحكم بكفره عند أهل العلم، وإن كانت مصنفة ضمن المسائل الفرعية.
[ ١٤ / ١٥ ]
الفروع الاجتهادية التي قد تخفى أدلتها، هذه المسائل وهذه الفروع الخلاف فيها واقع في الأمة قديمًا وحديثًا، ولن يرتفع مثل هذا الخلاف، خلاف واقع بين الصحابة، كاختلاف الفهوم أو فيما يتعلق بالأدلة على ما سيأتي هذا الخلاف موجود، ولا تثريب على من خالف ويعذر المخالف حينئذ لخفاء الأدلة أو لتعارضها أو لاختلاف ثبوتها كما سيأتي التفصيل، لكن من ترجح عنده قول بدليله لا يسوغ له مخالفته، بل عليه أن يعمل بما ترجح عنه وما يدين الله به، معتمدًا على الدليل الذي هو عمدة المسألة يقول شيخ الإسلام: لا شك أن ما يحتاج المسلمون إلى معرفته فإن الله -جل وعلا- نصب على الحق فيه دليلًا، ما يحتاج المسلمون، يحتاج المسلمون إلى معرفته، هذا لا شك أن الله -جل وعلا- قد نصب على الحق فيه دليلًا، لكن هذا الدليل المنصوب، لمعرفة الراجح من المرجوح قد يدركه بعض أهل العلم دون بعض، وهذا لتعظم الأجور المرتبة على الاجتهاد، وإلا لو كانت المسائل كلها أدلتها قطعية لا تحتمل ما صار للاجتهاد مجال التي رتبت عليه الأجور ورفع بسببه درجات أهل العلم.
أسباب الخلاف: شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- له رسالة في الباب أسماها رفع الملام عن الأئمة الأعلام، وهي مطبوعة مرات وتداولها الناس ويتداولها أهل العلم وطلاب العلم، وهي جديرة وحرية بالعناية والاهتمام من قبل طلاب العلم، وهناك كتب أخرى في الباب منها الإنصاف في التنبيه على أسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم، لأبي محمد عبد الله بن محمد بن السيد بطليوسي الأندلسي توفي سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، وهناك أيضًا الإنصاف في بيان أسباب الخلاف للدهلوي، وهناك مشاركات للمعاصرين أيضًا جمعوا فيها من أقوال المتقدمين ما ينفع في هذا الباب، إذا اطلعنا على هذه الكتب عذرنا الأئمة ولذا يقول شيخ الإسلام في كتابه الذي سماه رفع الملام عن الأئمة الأعلام، فاللوم مرفوع عنهم.
[ ١٤ / ١٦ ]
يمكن تلخيص الأسباب التي جعلت أهل العلم يختلفون في كثير من المسائل، منها: عدم بلوغ الدليل، هذا دليل ثابت عن النبي -ﷺ- بلغ أحمد ولم يبلغ أبا حنيفة فعمل به أحمد ولم يعمل به أبو حنيفة، أو العكس، وأبو موسى لما استأذن على عمر ثلاث ثم انصرف وخرج إليه فدعاه، فقال: ما لك انصرفت، قال: فأورد حديث الاستئذان ثلاثًا، الحديث خفي على عمر، وعمر آلم من أبي موسى، وألصق بالنبي -ﷺ- من أبي موسى لا شك أن الكبير قد يخفى عليه ما يدركه الصغير، وأهل العلم إنما يكلفون بما بلغهم، قد يبلغه الخبر ولا يبلغه ناسخه، قد يبلغه الخبر ولا يبلغه مخصصه، قد يبلغه الخبر ولا يبلغه مقيده، قد يبلغه الخبر لكن يفهم منه غير ما فهمه العالم الآخر، "عرفة كلها موقف وارفعوا عن بطن عرنة" الجمهور على أن بطن عرنة أنها ليست من عرفة، والوقوف فيها غير مجزئ وعند المالكية أنها من عرفة والوقوف فيها مجزئ، وكلهم يستدلون بهذا الحديث كلهم بلغهم الخبر، كيف يستدلون أحدهم يقولون: لا يجزئ، وأحدهم يقول: يجزئ، والدليل واحد، ارفعوا عن بطن عرنة، الذين يقولون أنه ليس من عرفة، والوقوف لا يجزئ فيه قالوا النهي، ارفعوا، الأمر بالرفع، ومقتضاه النهي عن الوقوف فيه، فدل على أنه ليس من عرفة، لأن عرفة كلها موقف، لأنه لو كان من عرفة لكان جزءا منها وعرفة كلها موقف، ولو كان منها لما أمرنا بالرفع عنه، والمالكية يقولون: لا، الدليل هذا الخبر، لأنها لو تكن من عرفة، لما كان هناك داعي لذكرها أصلًا، يعني هل قال: ارفعوا عن منى، ارفعوا عن مزدلفة، ما قال هذا، فلو لم تكن من عرفة لما كان لذكرها داعي، هذا سببه الاختلاف في فهم الحجة، الاختلاف في فهم الحجة، لكن ينبغي أن يكون الفهم مقيد، بفهم من، بفهم الصحابة، بفهم أهل العلم، الذين لهم خبرة ودربة ومعرفة ومزاولة، ومعاناة للنصوص، يأتي شخص غريب لا يحفظ شيء من النصوص، ولم يتعامل مع النصوص لا من قريب ولا من بعيد، وليس له فيها قبيل ولا دبير، ثم يأتي يقول: أيش المانع أنا أفهم منها مثلما يفهم الأئمة؟ نقول: لا، هل يعتد بفهم من يقول يجوز دفع الزكاة لمن يملك الملايين التي ضاقت بها البنوك؟ لكنه مقصر
[ ١٤ / ١٧ ]
على نفسه، لأنه محروم، ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [(٢٥) سورة المعارج] هذا محروم، ندفع له الزكاة، هذا فهمك القاصر، مثل هذا يسوغ فهمه للنصوص، ويعمل بمقتضى فهمه أو يُعمل به؟ أبدًا، تعلم أولًا: ثم بعد ذلك افعل، وأقول مثل ذلك في نصوص كثيرة يتداولها الكتاب الآن يفهمون منها غير ما فهمه سلف هذه الأمة وأئمتها، ويبقى أنه قد يوجد من يفهم من النص ما قد خفي على من قبله، قد يوجد «رب مبلغ أوعى من سامع» لكن فهم سلف هذه الأمة عليه المعول، ومن جاء بفهم لم يفهمه من تقدم، لا شك أنه مخالف وسالك غير سبيل المؤمنين، النزاع في ثبوته، بلغ الخبر جميع الأئمة، واشتهر الخبر في الأوساط العلمية، لكنهم اختلفوا منهم من يقول هذا الخبر ثابت، ومنهم من يقول: الخبر ضعيف، يختلفون في ثبوته، يستدل على وجوب أمر من الأمور، بحديث يضاف إلى النبي ﵊، فيناقش من ينفي الوجوب، ويقول: بالإباحة، فيقول له: الدليل قول النبي -ﷺ- كذا، فيقول: يا أخي نعم أنا ما خفي علي هذا الدليل، لكن الحديث ضعيف في فلان، أو سنده منقطع، أو معارض بما هو أقوى منه، أو متنه مشتمل على شذوذ أو علة، وغير ذلك من وجوه الضعف المعتبرة عند أهل العلم، فقد يبلغ الخبر لكن ينازع في ثبوته، قد يسلم بثبوته، لكنه يعارضه بأدلة أخرى كما هو موقف الإمام في حديث: «البيعان بالخيار» قد يعمل من العلماء بحديث صحيح صريح، ثم يعارضه غيره بدليل صحيح صريح مدعيًا أن دليله ناسخ لدليل الآخر، وقد يكون الأمر كذلك، فيستدل الحنابلة على أن الحجامة تفطر، أفطر «الحاجم والمحجوم» حديث شداد بن أوس، يرد عليهم الشافعية، بأن النبي ﵊ احتجم وهو صائم، ورأوا أن هذا متأخر لأنه في حجة الوداع، وذاك عام الفتح، المقصود أن مثل هذه الأمور معاذير لأهل العلم في خلافهم، قد يقول قائل: النبي ﵊: «الماء من الماء» فلا غسل إلا بالإنزال، وكان هذا في أول الأمر، لكن يعارضه من يقول: أنه بمجرد الجماع ولو لم ينزل، يجب الغسل، إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل، يعني ولو لم ينزل،
[ ١٤ / ١٨ ]
فهذا ناسخ لذاك، ومن لم يبلغه الناسخ أو أمكنه أن يجمع بينهما، قد يعمل بالخبر الأول، أو يجيب عن الحديث الثاني، إذا أمكن الجواب اعتقاد التخصيص «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» فيتيمم على ضوء هذا الخبر بجميع ما على وجه الأرض، «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» يستدل المخالف بأنه لا يتيمم إلا بالتراب برواية: «وجعلت تربتها لنا طهورًا» وفي هذا تتباين الأنظار، هل هذا تخصيص أو تقييد؟ فإذا قلنا تخصيص والتربة والتراب فرد من أفراد الأرض، قلنا: أن ورود الخاص في مثل هذا الموضع بحكم موافق لحكم العام لا يقتضي التخصيص، وإنما يذكر الخاص للعناية بشأنه والاهتمام به، لكن إذا قلنا أنه تقييد، والتربة وصف من أوصاف الأرض، قلنا يحمل المطلق على المقيد، وهذا هو منشأ الخلاف، والمسألة في غاية الدقة، اعتقاد الخصوصية يستدل مستدل بعموم حديث النبي ﵊ لأمته فيأتي العالم الآخر فيقول: لا، هذا لا يتناوله، بل هذا خاص بالنبي ﵊ هذا خاص به بدليل أنه فعل بعد أن نهى، يقول مثلًا على سبيل المثال جاء في الحديث: «غط فخذك، فإن الفخذ عورة» وجاء عن النبي ﵊ حديث عنه في الصحيح: "حسر النبي -ﷺ- عن فخذه"، إذا قال: «الفخذ عورة» قال في الثاني: حسر النبي ﵊ عن فخذه، قال الأول هذا خاص بالنبي ﵊، بدليل أنه أمر بالتغطية، وفعل ما يخالف هذا الأمر فنحمله على الخصوصية، والخصوصية والحمل على اختصاصه بالحكم لا بد له من دليل، فينظر في الأدلة الأخرى هل فيها ما يثير غير مجرد فعله ﵊؟ وإذا نظرنا إلى المسألة مع النظر إلى الدليلين نظرنا إليها باعتبار أن تغطية الفخذ كمال أو نقص؟ كمال، هل يقال النبي ﵊ يتسامح معه في فعل النقص، ويطلب من الأمة الكمال، ممكن هذا؟ لا، لا يمكن، إذن هذا المسلك ضعيف، فنلجأ إلى مسلك آخر وأمور كثيرة تعتري هذه المسألة والاختلاف بين أهل العلم أمره كبير ومنشأه وسببه إما ما يرجع إلى النصوص بلوغها وفهمها وما يعارضها وما يوافقها أو الإجمال في الألفاظ، الإجمال في الألفاظ،
[ ١٤ / ١٩ ]
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [(٢٢٨) سورة البقرة] القرء: لفظ مجمل يتناول الحيض ويتناول الطهر، فاختلف العلماء هل المراد بالأقراء الأطهار أو الحِيَض؟ لأن هذا اللفظ مجمل يتناول هذا وهذا، فمنهم من رجح الطهر، ومنهم من رجح الحيض، بناء على هذا الإجمال، لاختلاف في القواعد، القواعد الأصولية، كل إمام عنده قواعد استنبطها من نصوص الشريعة، فقد تكون هذه القواعد، يندرج تحتها فروع كثيرة جدًا، لكن يأتي من النصوص الخاصة لبعض المسائل المندرجة تحت هذه القاعدة، أو تكون هذه القاعدة معارضة بقاعدة مثلها.
من أسباب الخلاف:
من الأسباب التي نشأ عنها الخلاف بين أهل العلم اختلافهم في التقعيد، كل واحد من أهل العلم له قواعد يسير عليها، أهل البدع قعدوا قواعد من خلالها ردوا بعض النصوص، رد، وأهل العلم ممن هم على الجادة وجد بينهم الخلاف، وقعدوا قواعد أخذوها من النصوص الشرعية وهذه القواعد يختلفون فيها وبسبب اختلافهم في هذه القواعد اختلفوا في بعض الفروع المندرجة تحتها، فمثلًا يتفقون على أن القرآن أصل، وأن السنة أصل، والإجماع أصل، والقياس عند الجمهور أصل، لكن من لا يرى القياس مثلًا، ينازع في كثير من المسائل المثبتة بالقياس، أو بجميع المسائل المثبتة بالأقيسة، منهم من يرى قول الصحابي أصل، وغيره لا يراه أصل، فيستدل من يراه أصلًا بقول صحابي، ويخالفه الآخر بمعارضته بأن قول الصحابي لا يحتج به، منهم من يرى الاستحسان، منهم من يرى الاستصحاب، منهم من يرى العمل بالضعيف، ومنهم من لا يرى العمل بالضعيف، منهم من ينازع في الاحتجاج بالحديث الحسن في الأحكام، وبناء على هذا إذا استدل بخبر ضعيف من يرى العمل به يستدل به ويخالفه من لا يرى به، وقل مثل هذا في الحسن وغير ذلك من الأصول التي يعتمد عليها أهل العلم.
الإنكار والمراعاة في مسائل الاختلاف:
[ ١٤ / ٢٠ ]
يطلق بعض العلماء أن مسائل الاختلاف لا ينكر فيها، لا إنكار في مسائل الاختلاف، وإنما الإنكار في المسائل التي اتفق عليها، بعضهم يطلق هذا كالنووي في شرح مسلم، والسيوطي في الأشباه والنظائر وغيرهم يطلقون، كثير ممن يصرح بهذا، لكن ما المراد بالخلاف الذي لا ينكر؟ المراد به الخلاف المعتبر المعتمد على نص، استثنوا من ذلك بعض الصور، منها: أن يكون القول بعيد المأخذ، بعيد المأخذ، فلا ينظر إلى الخلاف الشاذ، يعني عندك مثلًا الحنفية يقولون: المحلل مأجور، فاعل خير، أيش معنى المحلل؟ الذي ينكح زوجة المطلق ثلاثًا لتحل له، يقولون: هذا مأجور، فإذا وجدنا محلل على ضوء هذا ننكر عليه أو ما ننكر، لأن الحنفية خالفوا؟ الذي بلغه الخبر اللعن الذي بلغه اللعن، لا ينكر؟ ينكر، لأن هذا الخلاف مخالف لنص صريح، وهو قول شاذ، الخلاف الذي يرجح الحاكم أحد طرفيه، يعني في مسألة خلاف ثم يفتي بعض العلماء بأحد الأقوال ويتبناه الإمام، الحاكم، يرتفع الخلاف، ويقررون أن حكم الحاكم يرفع الخلاف، لكن شيخ الإسلام قد يقيد هذه القاعدة، يقيدها بما يعرفه الحاكم، ويكون له نظر في المسألة، أما الحاكم الذي ليس له نظر، ولا دخل في هذه المسألة هل حكمه يرفع الخلاف؟ افترضنا أن المسألة مختلف فيها، مسألة الطلاق أو شبهه، ثم جاؤوا إلى قاضي أهل للقضاء، فحكم بأحد القولين، نقول: هذا رفع الخلاف، نثبت الطلاق أو انتفى، لكن عندنا مسألة القرء، هل يراد به الحيض أو الطهر؟ ثم يأتي الحاكم وهو في هذه المسائل لا علم له، هل يرفع الخلاف، إذا قال لا، المراد بالقرء الحيض أو الطهر؟ شيخ الإسلام يقرر أنه علاقة له بهذه الأمور حتى يكون له نظر في هذه المسألة، الحاكم الذي يرفع قوله الخلاف حكمه يرفع الخلاف، هو الذي له نظر فيه، إذا عمل الناس في بلد ما على قول معتبر له دليله، ومشوا عليه ثم جاء من جاءهم ليريد أن يرفع هذا القول ويوجد فيهم شقاق ونزاع، وإن كان قوله معتبر، ومعمول به في جهات أخرى، مثل هذا لا يلتفت إليه، لا سيما إذا كان العمل هم على عمل فيه احتياط، فمثلًا قد يقول قائل: عندنا الحجاب تغطية الوجه في هذه البلاد هو المعمول به، وهو المعمول به في جميع أقطار المسلمين
[ ١٤ / ٢١ ]
قبل مائة عام، قبل أن يتسلط الاستعمار على المسلمين، هو المعمول به في جميع أقطار المسلمين تغطية الوجه، ثم يأتي من ينازع، ويقول: الوجه فيه خلاف مثل هذا الخلاف لا يلتفت إليه.
الخروج من الخلاف:
بعض العلماء يستحب الخروج من الخلاف، يرى استحباب الخروج من الخلاف، فإذا قال عالم: هذا الأمر محرم، وقال آخر: جائز، يقول: اترك هذا العمل خروجًا من الخلاف، وكثيرًا ما يعللون بأن حكم هذه المسألة كذا، خروجًا من الخلاف، كيف خروجًا من الخلاف؟ هل الخروج من الخلاف دليل من الأدلة؟ لا، لكن دليل المخالف الذي لم يترجح لمخالفه يتركه المخالف من أجل دليله خشية أن يكون راجحًا، ولا سيما أنه إذا عمل به لا يعارض معه دليل صحيح صريح، التحري والاحتياط، التحري والاحتياط بعض الناس يقول نفعل هذا احتياطًا، في بعض المسائل لا يمكن الاحتياط فيها، طيب رضاع مشكوك فيه، قالت امرأة والله أنا رضعت فلانة، لكن لا أدري أنا رضعتها مرتين أو ثلاث أو خمس؟ هذا يمكن الاحتياط لا يتزوجها من له صلة بهذه المرأة، ومع ذلك لا تكشف له مراعاة لطرفي المسألة، وهذا يمكن فيه الاحتياط، ولهذا قال النبي ﵊: «هو لك يا عبد بن زمعة، واحتجبي يا زمعة» نعم، احتياط، لكن إذا أدى الاحتياط إلى ترك مأمور أو فعل محظور فشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يقول: "الاحتياط في ترك هذا الاحتياط".
هناك مسائل متعلقة بموقف القاضي والمفتي من مسائل الخلاف، القاضي حضر عنده خصوم يتبعون لإمام أنت تخالفه في مسألة الخصومة، زوج وزوجة على مذهب أبي حنيفة تزوجوا من غير ولي وأنت عاقد أتوا لتثبت هذا الزواج، وأنت ترى أن الولي شرط، تثبت أو ما تثبت؟ هم يتبعون لإمام معتبر تبرأ الذمة بتقليده، لكن أنت أيضًا تدين الله -جل وعلا- بما ترجح عندك في مثل هذا تلزمهم الولي، ولا تصحح هذا العقد إلا به، ولهذا يشترط الحنابلة والشافعية أن يكون القاضي مجتهدًا، لئلا يضطرب ويتذبذب في مثل هذه المسائل والقضايا، ليحكم بمجرد مقتضى اجتهاده، وهو قول المالكية، وعند الحنفية يجوز أن يكون مقلدًا.
[ ١٤ / ٢٢ ]
الصلاة خلف المخالف في أحكام الصلاة مثلًا، عندنا مسائل عملية قاعدة، أنت تصلي وأنت ترى أن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة، ثم تصلي خلف واحد لا يطمأن في صلاته، وهو لا يرى الطمأنينة ركن، حينئذ لا تصلي ورائه لأنه أخل بما يبطل الصلاة في نظرك، فلا تصل خلفه، وليس له دليل بل الدليل يخالفه، لكن لو ارتكب هذا الإمام مبطل من مبطلات الصلاة في نظرك وله دليل سائغ، شخص لا يرى الوضوء من لحم الإبل، فصلى بالناس، تصلي وراءه وأنت ترى أن لحم الإبل ينقض الوضوء، تصلي وراء أو ما تصلي؟ دليله سائغ، تصلي وراءه، نعم، لكن الذي لا يرى الطمأنينة لا تصلي وراءه. إما يجهر بالبسملة أو يقنت في الصبح كالشافعية تصلي وراءه أو ما تصلي؟ تصلي وراءه، ولذا جاء في رسالة الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحم الله- الجميع، قال: ولا نصلي خلف الحنفية الذين لا يرون الطمأنينة، ونصلي خلف الشافعي الذي يجهر بالبسملة، ويقنت في الصبح، فالمسائل تختلف بلا شك، أيضًا الذي لا يرى الوضوء من الحجامة مثل من لا يرى الوضوء من لحم الإبل.
سئل الإمام أحمد عمن رأى الإمام قد احتجم ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ؟ أتصلي خلفه؟
[ ١٤ / ٢٣ ]
فقال: كيف لا أصلي خلف مالك وسعيد بن المسيب، يعني أئمة لهم أدلتهم، فمراعاة الإمام للمصلين لمن خلفه، إذا كانوا يخالفونه في أحكام الصلاة، أهل العلم بعضهم يرى الارتباط الوثيق بين المأموم والإمام، فيقرر أن صلاة المأموم تبطل ببطلان صلاته إمامه، فتبعًا لهذا هل يراعي المأموم من خلفه؟ أو لا يراعيهم؟ عرفنا أن المأموم يصلي خلف الإمام وإن كان مخالفًا له في بعض المسائل دون بعض، لكن المأموم، المأموم لا يرى الجهر بالبسملة، الإمام لا يرى الجهر بالبسملة، وكلهم يرون الجهر بالبسملة، ماذا يصنع؟ يجهر أو ما يجهر؟ هل يراعي المأمومين أو ما يراعيهم؟ نقول: هذه المسألة سهلة والخلاف فيها سائغ، ولو راعاهم والخلاف شر كما تقدم عن ابن مسعود لا بأس، لكن إذا كانوا يرون يخل بالصلاة يراعيهم أو ما يراعيهم؟ لا يراعيهم، ولذا نقرر أن قاعدة الخلاف شر المأثور عن ابن مسعود ليست على إطلاقها، فتقبل في بعض المسائل دون بعض، والمسألة كبرى وتحتاج إلى دورة ما هو محاضرة، مسألة الخلاف وما يتعلق به لا سيما وأن الخلاف الآن على أشده ويفتي من خلال وسائل الإعلام من ليس بأهل للفتوى، وأطلع عوام المسلمين على الأقوال المخالفة، وعلى الشبه التي تقع في قلوبهم، وهم في قعر بيوتهم مثل هذا الموضوع يحتاج إلى عناية كبيرة، فلو أقيم له دورة ما هو بكثير، فأطلع العوام على الخلاف، فحصل عندهم شيء من الاضطراب، وكثير منهم نسب هذا الخلاف إلى اختلاف الدين، فيرون أن الدين تغير، وأن الدين عرضة لئن يغير، وأن يبدل هم لا يعرفون من أسباب الخلاف شيء التي يعذرون بها أهل العلم، فما دام العوام أطلعوا على الخلاف من حقهم أن يطلعوا على أسباب الخلاف بأسلوب يناسب عقولهم وإدراكهم.
الموقف ممن يفتي بغير علم أو بهوى أو ديدنه التساهل، أو ديدنه التشدد، المقصود أنه ليس على الجادة، الدين يسر، ولن يشاد أحد الدين إلا غلبه، لكن لا يعني هذا أننا نتنصل من الدين ونتتبع الرخص، لا، علينا بالدليل، فكل قول يسرده الدليل هو الذي يجب أن يعمل به، وهو الذي يفتى به.
[ ١٤ / ٢٤ ]
مع الأسف أن القنوات وغيرها من وسائل الإعلام مكنت بعض الناس من القول على الله بغير علم وهذه كارثة، فليحذر أولئك الذين يفتون الناس بغير علم من المفتونين مما جاء بالفتوى والتقول على الله بغير علم، ولو لم يكن في ذلك إلا ما جاء في سورة الزمر، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ [(٦٠) سورة الزمر] هل يمكن أن يقول الذي يفتي بغير علم أنا ما كذبت على الله؟ ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [(١١٦) سورة النحل] بل يدخل في هذه المسألة دخولًا أوليًا. وقد أخبر النبي -ﷺ-: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا -ينتزعه من صدور الرجال- ولكن يقبضه بقبض العلماء» نحن نرى تطاول بعض من لا علم عنده، أو من يتمكن ولم يرسخ قدمه في العلم، أو يفتي بهوى، نرى تطاوله بعد قبض بعض العلماء، فكيف لو قبض أهل العلم، ولم يبق إلا أمثال هؤلاء الذين يفتون بالهوى؟ نسأل الله السلامة والعافية.
منهم من يسلك مسلك التساهل، محتجًا بأن الدين يسر، «ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» وما خير النبي -ﷺ- بين أمرين إلا اختار أيسرهما، نعم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، لكن متى هذا؟ هذا في وقت التنزيل، الذي ينزل الآن الوحي بالتأييد واختيار النبي -ﷺ- شرع، لكن هل يختار أيسر القولين من ليس بمشرع؟ هذا مثلما ذكرنا، هذا تتبع للرخص، ومثل هذا يخرج من الدين بالكلية ولا يشعر، فمثل هؤلاء يجب أن يمنعوا من الفتوى، والتقول على الله بغير علم، والله المستعان.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
طيب نأخذ بعض الأسئلة:
سؤال: إذا لم يعجب بعض الناس فتوى من بعض العلماء قالوا: كل يؤخذ من قوله ويرد؟ فمن الذي يأخذ ويرد؟
[ ١٤ / ٢٥ ]
الجواب: الذي يأخذ ويرد من له نظر، من لديه أهلية النظر في أقوال أهل العلم بأدلتها ويستطيع أن يرجح بين هذه الأقوال، من خلال هذه الأدلة، ويعمل بالراجح، ويترك المرجوح فإذا تبين له رجحان قول بدليله يأخذه وإلا رده، وليس لكل أحد أن يأخذ ويرد، فالذي ليست لديه أهلية فرضه تقليد أهل العلم.
سؤال: ما الواجب على من بلغه سوء أو خطأ من أحد من الناس سواء من الصالحين أو الدعاة؟ وما هو منهج أهل السنة والجماعة في التعامل في مثل هذه المواقف؟
الجواب: عليه أن يمحضه النصح، فالدين النصيحة، فالنصيحة إنما هي في السر بينك وبينه، تمحضه النصيح، يا أخ بلغنا عنك أنك قلت: كذا، أو عملت كذا، فما حجتك على هذا القول أو على هذا العمل؟ إن أبدى حجة صحيحة يعذر، إن أبدى قولًا أو تأويلًا سائغًا يعذر، ويبين له خلافه، وإن لم يبدِ دليلًا يخوف بالله -جل وعلا- سرًا بينك وبينه، وإن كان قوله مما قد يغتر به بعض الناس وفيه شيء من الابتداع أو مخالفة الشرع، ولم يرتدع، ولم ينتصح مثل هذا يبين القول، وأنه خطأ، وينشر هذا البيان بين الناس، ويجب أن يكون البيان على مستوى بلوغ الخبر.
سؤال: ما حكم مناظرة أو حوار المخالف في الاعتقاد بدعوته، وما الضابط؟ وهل هناك محذور شرعي لمناظرته؟
الجواب: أولًا المناظرات التي يطلع عليها عوام الناس هذه لا تجوز بشيء، لأن العوام لا يستوعبون مثل هذه الأمور، مثل هذه الشبه فقد يعلق في أذهانهم شبه لا يستطاع اجتثاثها فتبقى المناظرات خاصة بأهل العلم، لكن إذا انبرى لهذه المناظرة مبتدع، وفي وسائل الإعلام والمناظرة حاصلة حاصلة، فلا بد من الرد عليه، لكن من من؟ ممن يحسن الرد، أما يأتي شخص لا يحسن الرد ليس عنده ما يعتمد عليه، ليس على أساس متين، وتأصيل قوي، تأصيل علمي قوي، مثل هذا إذا ضعف نسب ضعفه إلى ضعف مذهبه، ومثل هذا لا يجوز، أيضًا ما العلم ينبغي أن يكون المناظر حاضر البديهة. بعض الناس عنده علم لكن إذا احتيج إلى هذا العلم غاب عن ذهنه، فإذا أوى إلى فراشه تذكر، مثل هذا ما يصح يناظر أبدًا، فلا بد أن يكون على تأصيل وتأسيس متين قوي، وأن يكون مع ذلك قوي الحجة، واضح البيان، سريع الاستحضار.
[ ١٤ / ٢٦ ]
سؤال: من الناس من إذا أحب شخصًا تعصب لأجله، فلا يقبل الحق إلا منه، فالصواب ما يراه صوابًا، والخطأ ما يراه خطأ؟
الجواب: يا أخي لا تقلد دينك الرجال، وكل يؤخذ من قوله ويرد، إلا المعصوم ﵊، فهذا العالم الذي تراه بالفعل عالم والناس والأمة تشهد له، هذا ليس بمعصوم، لا بد أن يقع منه الخطأ، وليس بمعصوم، فحينئذ الصواب منه يقبل وغيره يرد عليه.
سؤال: ظهر في الآونة الأخيرة ظاهرة التحزب حتى أصبح البعض من طلاب العلم ما يسلم ولا يرد السلام على المخالف فما التوجيه نحو ذلك؟
الجواب: إذا كان الخلاف في أصل الدين، فمعاملة المخالف في أصل الدين سواء كان كافرًا أو مبتدعًا بدعة مكفرة، معروف عند أهل العلم وواضح، المخالف في أصل الدين ببدعة غير مكفرة، فمثل هذا يسلك في حقه الأصلح، والتأليف أمر معروف في الشرع، ويصرف للمؤلفة قلوبهم من الزكاة، وهي ركن من أركان الإسلام، من أجل تأليفه وتقريب دعوته، فمثل هذا يسلك معه الأصلح، والصلة والهجر كلاهما علاج، ويفعل معه الأنجع بعلاجه. أما ما ظهر بين طلاب العلم –مع الأسف الشديد– من الجفاء فمثل هذا لا شك أنه من التحريش الذي رضي به الشيطان، لأنه قد يكون بين اثنين لا اختلاف بيتهما، حقيقة قد يختلفان في أمر لا أثر له، أمر يسير للمخالف فيه مندوحة والشرع يستوعبه.
سؤال: ما المقصود بتجديد الخطاب الديني وما ضابطه الشرعي؟
الجواب: تجديد الخطاب الديني نسمعه كثيرًاَ في الأيام الأخيرة، والمراد به مخاطبة الناس بما يناسب العصر، وتطورات العصر، وأن الناس لا بد أن يغير معهم الخطاب، سواء كانوا من الموافقين أو المخالفين، والتغيير والتجديد إذا كان في حدود ما يبيحه الله ورسوله فهو مقبول وإلا فلا. والله أعلم.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٤ / ٢٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم