الوقفة الرابعة: أعظم الغبن: الغبن: لوعة في الصدر وحسرة وحرقة في القلب يجدها الإنسان على فوات مطلوب أو ذهاب مرغوب.
وأهل الدنيا تصيبهم حالات الغبن إذا فقدوا شيئًا دنيويًا، إما تجارة كانوا يؤملونها أو عطاء لم يحضروا تقسيمه أو ما شابه ذلك.
وأهل الآخرة سلك الله بي وبكم سبيلهم: إنما يصيبهم الغبن على أمور ربطها النبي ﷺ وكتاب الله بأحوال: فمن أعظم الغبن أن يقول الله ﷿: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٨٣]، ويكتب للإنسان أن يقرأ القرآن سرًا وجهارًا وليلًا ونهارًا أزمنة مديدة وأيامًا عديدة ولا تفيض عيناه مع أن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٧ - ١٠٩].
ومن أعظم الغبن: أن يدرك الفرد منا أبويه أحدهما أو كليهما وهما أحوج الناس إليه، فلا ينال ببرهما الجنة، والنبي ﷺ يقول: (الزمهما فثم الجنة).
والله جل وعلا يقول: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤].
ومن أعظم الغبن: أن يخرج الإنسان حاجًا إلى بيت الله الحرام، والنبي ﷺ يقول: (قال الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي)، فيكتب له أن يقف في يوم عرفة ويدعو الله ويغلب على ظنه بعد ذلك أن الله لن يغفر له.
ومن أعظم الغبن: أن يقول الله جل وعلا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، فيخبر الله أنها جنة عرضها السماوات والأرض ولا يجد أحدنا فيها موضع قدم.
ومن أعظم الغبن: أن يخبر النبي ﷺ عمن انطبقت عليهم الصخرة فتوسلوا إلى الله جل وعلا بصالح أعمالهم، هذا ببره، وهذا بعفته، وهذا بأمانته، فتنزل على أحدنا النوائب وتحل به المصائب وتدلهم عليه الخطوب، ولا يجد في سالف أيامه عملًا صالحًا يتوسل به إلى الله.
وإن من أعظم الغبن: أن يصدر الإنسان بين الناس ولا يكون له سريرة تعدل ما يجهر به، نعوذ بالله من الخذلان.
اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وكلنا اللهم إلى رحمتك وعفوك.
[ ١٦ ]