قال الله في الآية الأخيرة: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨]، (جاهدوا في الله) الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، وهو أعظم النوافل على خلاف بين العلماء، لكن نحن نعتقد والعلم عند الله أن الجهاد أفضل النوافل على الإطلاق، والدليل على أن النبي ﷺ قال عن الأيام العشر من ذي الحجة: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر، قال الصحابة: ولا الجهاد في سبيل الله؟) والمعنى: أنه استقر في أذهانهم أنه لا شيء يعدل الجهاد، ولهذا حتى الجواب النبوي قال ﵊: (ولا الجهاد في سبيل الله، - ثم استدرك فقال -: إلا رجلًا خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء).
وقد ورد الحق مرتين في القرآن: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨]، و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢]، وهذا باعتبار كل عبد لوحده، فإذا استفرغ الإنسان جهده وبذل كل ما في وسعه في تقوى الله فقد اتقى الله جل وعلا حق تقاته، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ويقع على زيد ما لا يقع على عمرو، قال العلامة ابن القيم ﵀: إن المكلفين يختلفون ما بين القدرة والعجز، وما بين العلم والجهل.
فالناس متفاوتون، فكل من بذل وسعه في شيء فقد أداه حق ما أمره الله جل وعلا به.
والجهاد أحد الأمور التي أسندها الله جل وعلا إلى ولي أمر المسلمين، فهو أبصر في إعلانه من عدمه، فأوكله الله جل وعلا إلى ولاة الأمر على مر الدهور وكر العصور.
﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج:٧٨] أي: هذه الأمة، فربكم اجتباكم واصطفاكم ليجعلكم آخر الأمم.
[ ٢ / ١٠ ]