قال موسى وهو ملتفت إلى السامري: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾ [طه:٩٥] انتقل الحساب إلى السامري، كان موسى ينتقد بسرعة وبحزم للقضاء على هذه الفتنة، ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾ [طه:٩٥] ما حملك على ما صنعت؟ ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه:٩٦] رأيت شيئًا لم يره القوم، رأيت جبريل حين جاء لهلاك فرعون على فرسه ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه:٩٦] من أثر الفرس، وهذا هو المشهور عند كثير من المفسرين أو أكثرهم كما يقول ابن كثير ﵀: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه:٩٦] من تحت حافر فرس جبريل، والقبضة ملء الكف، فأخذتها وخبأتها عندي، والشيطان يسول للسامري ويخطط له ويلهمه الأشياء، وألقى الشيطان في روع السامري أنك إذا ألقيت القبضة على هذا الحلي بعدما تصنعه عجلًا سيكون له صوت ويفتن به القوم، فألقى هذه القبضة عليه، وكان عجلًا له خوار، قال: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ [طه:٩٦] أي: ألقيتها؛ لأن بني إسرائيل جمعوا الحلي وجعلوا يلقونه في الحفرة، فجاء هذا وألقى معهم، ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه:٩٦] أي: حسنت نفسي هذا الشيء وأعجبها، قال موسى للسامري: ﴿فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ﴾ [طه:٩٧] كما أخذت ومسست ما لم يكن أخذته من أثر الرسول لتفتن به الخلق، فعقوبتك من جنس عملك ﴿أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ﴾ [طه:٩٧] لا تمس الناس ولا يمسونك فتكون مقبوحًا منبوذًا طريدًا، لا أحد يريدك ولا تستطيع أنت أن تقترب من أحد ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ يوم القيامة ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ ولن تغيب عنه ﴿وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ ومعهودك هذا الذي فتنت به الناس «الَّذِي ظَلَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا» ومقيمًا على عبادته ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه:٩٧] حرقه في النار إذا كان من لحم ودم، أو برده بالمبارد إذا كان من ذهب حتى صار ذرات، ثم أذرى الرماد هذا أو الذرات في هواء في البحر ليفرقه الهواء في ماء البحر فيتلاشى تمامًا ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه:٩٧]، ثم قال موسى ﵇ لقومه: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمْ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨].
وقد جاء تفصيل لهذه القصة في حديث الفتون الذي رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، لكن الراجح أن هذا الحديث من الإسرائيليات، فلذلك نبقى على ما جاء في الكتاب العزيز.
[ ٢٣٣ / ٦ ]