مرض الرياء أحد الأمراض التي تتسرب إلى القلب، ويلتحق به العجب فهو نظيره وسميه، فالعجب كذلك من أمراض القلب، ففي صحيح البخاري أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ركب برذونًا -والبرذون هو البغل- فمشى البرذون وعمر فوقه، والبغل يمشي ويهز الذي فوقه، فيحدث له نوع من أنواع الاختيال، فلما ركب عمر البرذون ومشى به مدة نزل من فوقه، قالوا له: لماذا نزلت يا أمير المؤمنين؟! قال: (أبعدوه عني، والله! ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي)، يعني: نفسي كانت قبل أن أركبه طيبة خفيفة، فلما ركبته تسرب العجب إليها، وإذا بالناس حولي كأنهم لا شيء، هذا حاصل كلام أمير المؤمنين عمر.
وإخواننا الأثرياء يشعرون بذلك! فأصحاب الأموال الكثيرة إذا ركب أحدهم سيارة (مرسيدس) يحس أن الناس حوله صعاليك! ويبدأ يظلم، كما قال عمر: أنكرت نفسي كأنها نفس أخرى، لكن إذا ركب حمارًا أو ركب دراجة أحس أنه واحد مثل الناس، فيمشي زيد بين الناس وهو متواضع كما يتواضع الناس.
لهذا عليك أن تبعد عن نفسك أسباب العجب إذا وجدت شيئًا يجلب لك العجب ويذكيه في نفسك، فاتركه لله ﷾، وليس من باب التحريم، ولكن اتركه لله حتى يعوضك الله ﷿ خيرًا منه إيمانًا تجد حلاوته في قلبك.
تجد إخواننا جالسين في المجالس، فيبدأ التعارف: من الأخ؟ يقول: أخوكم فلان، الثاني يقول: أخوكم فلان، فيأتي واحد غلبه الشيطان، ويقول: أخوكم الدكتور فلان، هو أهلك نفسه قبل أن يهلك غيره، إذا كان يقصد الدكتور من باب التعريف، فله نيته ولن يتسرب إن شاء الله شيء إلى قلبه، أما إذا قالها على سبيل التباهي في المجلس تتشبع نفسه بذلك الكبر، فيهلك نفسه؛ إذ قال رسول الله ﷺ: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر -أمثال النمل- يطؤهم الناس بأخفافهم) يأتي آخر: العقيد فلان! العميد فلان! أي عقيد وأي عميد وقد مات من هم خير منك آلاف المرات؟ أين أنت من ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، ومن فرعون ذي الأوتاد، ومن عاد إرم، ومن غيرهم من الأمم؟ فمثل هذا يجلب الكبر إلى الناس، تخيل أنه لو قال كلمة مثل هذه، وآخر مثله طبيب قال: أخوكم في الله -بانكسار- فلان بن فلان، لا شك أن الثاني سيزيده الله ﷿ تواضعًا ورفعة في الدارين ويحبه كل الجالسين، أما هذا الذي تعالى عليهم، فهل يقبل الجالسون تفاخره؟ ومن طبع البشر أنهم لا يحبون من تكبر عليهم وتجبر، ولكن يحبون من خفض لهم الجناح وألان لهم القول.
فمن أنواع العجب نوع كهذا، وعلاجه أن تكسر نفسك وتتواضع لله ﷾، تتواضع لله في أوصاف الفقراء، وفي أوصاف الضعفاء فلعلهم عند الله خير منك، ولا يخفى عليكم في هذا الباب حديث أبي بكر ﵁ مع الأربعة الفقراء الغرباء، سلمان وصهيب وعمار وبلال، لما مر بهم أبو سفيان بن حرب عام الفتح، ورءوا أن أبا سفيان كان رئيسًا للكفر، وكان يؤذي رسول الله ﷺ وما زال يمشي، ولم ينل من الأذى فقالوا الأربعة: والله! ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها - أي: فكان ينبغي أن يقتل مثل هذا الرجل- قال أبو بكر ﵁: أتقولون هذا لسيد قريش؟! ثم استدرك أبو بكر فذهب إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله! بلال وصهيب وسلمان وعمار قالوا: كذا، فقلت لهم: كذا، فماذا قال له الرسول ﷺ؟ قال: (يا أبا بكر! هل أغضبت إخوانك يا أبا بكر! لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك ﷿! فانطلق أبو بكر سيد شيوخ أهل الجنة إلى هؤلاء الأربعة، فقال: يا إخوتي! أغضبتكم؟ فقالوا: لا، يغفر الله لك).
فعلاج العجب التواضع، وخفض الجناح للمسلمين، ومجالسة المتواضعين، أما أن تجالس دائمًا المتكبرين فستقتبس من أخلاقهم، ومن ثَم قال رسولنا محمد ﵊: (شر الطعام طعام الوليمة) هذا الحديث فقه، لماذا شر الطعام طعام الوليمة؟ قال: (يدعى إليها الأغنياء، ويترك الفقراء)، فلمّا دعي إليها الأغنياء، وكلهم أغنياء يحصل التباهي والتفاخر ويحصل استقلال، يعني: مهما قدمت للأغنياء تسخطوا ما جئت به، لكن قد تدعو إلى وليمة عملتها واحدًا من الفقراء الضعفاء فيخرج من عندك وقد أكل أكلة عمره ما أكلها في حياته، فيدعو لك دعوة تستفيد منها، فمجالسة الصالحين تجعلك تقتبس من أخلاقهم، هم يؤثرون في الطباع؛ لذلك الرسول ﷺ يقول في شأن الجوار والمجالسات، بل حتى مجالسات الدواب: (الفخر والخيلاء في الفدادين أهل الإبل) والشاة أو الخروف دائمًا تكون في الأرض، فيقول النبي ﷺ (والسكينة والوقار في أهل الغنم) (الفخر والخيلاء في أهل الفدادين أهل الإبل) فلما كانوا مع الأنعام المستكبرة اقتبسوا من أخلاقها، ومن مشى مع الغنم المتواضعة اقتبس من أخلاقها، ولذلك يقول الرسول ﷺ: (ما بعث الله من نبي إلا وقد رعى الغنم قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا رعيتها على قراريط لأهل مكة)، فلذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أشد الناس تواضعا، وأرحم الناس بالناس عليهم الصلاة والسلام.
[ ٨ / ٤ ]