الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد: موضوعنا اليوم بمشيئة الله ﵎ موضوع يتعلق بالقلوب التي هي أصل الخير والشر كما قال رسول الله ﷺ في حديث النعمان بن بشير المتفق عليه: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) فإذا أصيب أحدكم -عافنا الله وإياكم- بمرض في قلبه بحث عن أعلم أهل الطب بطب القلوب، ولكن ثَم للقلوب مرض آخر هو الذي يسبب النكسات والابتلاءات في الدنيا والآخرة، وقليل من العباد من ينتبه له ويتفطن، للقلوب أمراض غير تلك المعهودة التي تبادرون بعلاجها عند أطباء القلوب الحذّاق، وقليل منكم من ينتبه لقلبه ويصلحه، ولا يخفى عليكم أن الذي ينفع يوم القيامة هو القلب السليم، فإن الخليل إبراهيم ﷺ الذي جاء ربه بقلب سليم دعا ربه فقال: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء:٨٧] (لا تخزني): لا تذلني ولا تهني -يا رب- يوم يبعثون! ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] سليم مِن ماذا؟ فريق من أهل العلم يقول: سليم من الشرك.
وفريق منهم يقول: سليم من الشك، أي: يوقن أن لقاء الله حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن محمدًا ﷺ حق.
القول الثالث: سليم من الغل والأحقاد، قلب سليم لا يحمل غلًا لأحد من المسلمين.
القول الرابع: سليم من الحقد والكبر.
القول الخامس: أن سليم بمعنى لديغ، والعرب تطلق على اللديغ (سليم) تفاؤلًا، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الذي أخرجه البخاري ومسلم، قال: (مررنا بقوم مع بعض أصحاب النبي ﷺ، فسألنا هؤلاء القوم القرى -أي: حق الضيف الذي يكرم به- فأبوا أن يكرمونا، فلدغ سيدهم، فجاءوا إلينا وقالوا: إن سيد هذا الوادي سليم) أي: لديغ، فيطلقون السليم على اللديغ تفاؤلًا بالشفاء، فمن العلماء من قال: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩] أي: لديغ من مخافة الله ﷿، فمخافة الله تسربت إليه، فكأنها لدغته.
القول السادس في تأويل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩] أي: سليم لم يصب بالقسوة.
القول السابع: سليم من الران، فلم ترن عليه ذنوب، ولم يختم عليه بأختام، ولم يقفل عليه بأقفال، فللقلوب أقفال تقفل عليها فلا يصل الخير إليها، قال سبحانه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] فهناك قلوب عليها أقفال، صفتها يعلمها الله، لا يتسرب إلى تلك القلوب التي عليها أقفال شيء من الخير، وقلوب أخر عليها ختم، وقلوب أخر مطبوع عليها، وقلوب جمعت بين هذه المصائب كلها، هي في نفسها ميتة، وعليها ختم وطبع، وعليها ران، وعليها أقفال، فجمعت بين هذه البلايا كلها.
والذي استظهره عدد من العلماء أن معنى قوله تعالى: (سليم) يحمل على كل هذه المعاني.
وعلى قدر سلامة قلبك في الآخرة يكون قربك من الله، على قدر قربك من الخير، وعلى قدر مرضك ومرض قلبك في الآخرة على قدر قربك من الشر عياذًا بالله من ذلك، فيوم القيامة يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧] كما لا يخفى عليكم، آتاه الله الإمامة ﵊ بأمور، ليس خبط عشواء، الإمامة تنال بالبذل والفداء والتضحية، فابتلاه الله ﷾ في جسده بأن ألقي في النار وهو صابر محتسب ﷺ، أمر بالختان وهو ابن ثمانين سنة، فجاء بالقدوم -الآلة المعروفة- ليقطع بها ذكره دون (بنج) ولا شيء، وهو ابن ثمانين سنة! أمر بذبح ولده فامتثل وأخذ ولده كي يذبحه، أمر بلقاء الجبابرة والصدع بالحق عندهم فقال للذي تجبر وتكبر: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨]؛ فلذلك قال الله ﷾: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤] وفَّى بهن، فلما أتمهن قال الله له: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ فآتاه الله الإمامة، ومع أن الله آتاه الإمامة لكن لم ينتفع قلب أبيه القذر بإمامة إبراهيم ﷺ، فإبراهيم قال: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء:٨٧].
أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما بالأسانيد إلى رسول الله ﷺ قال: (يلقى إبراهيم ﷺ آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة -عليه غبار فهو وجه كالح مظلم- فيقول إبراهيم ﷺ: يا أبت! ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: أما اليوم فلن أعصيك أبدا، فيقول إبراهيم ﷺ: يا رب! يا رب! ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون؟ وأي خزيٍ أخزى من أبي الأبعد! فيقال: يا إبراهيم! انظر إلى تحت رجليك، فينظر إبراهيم ﷺ إلى رجليه) فماذا يرى؟ (يرى أن أباه قد تحول إلى ذيخ ملتطخ) والذيخ: هو ذكر الضباع، أبوه تحول إلى ضبع ملتصق بوساخته وقذارته، ملتصق بالبراز عافانا الله وإياكم، ملتصق بالعذرة! (ويؤخذ بقوائمه فيلقى في النار)، فالقلب الذي ينفع يوم القيامة هو القلب السليم، ليس القلب الملوث بالشرك، فيوم القيامة لا ينفع مال ولا بنون ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩] فالقلب السليم ينفع صاحبه في الآخرة، وينفع صاحبه في الدنيا، يقول النبي ﷺ في الحديث الذي لا يخفى عليكم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم)، (التقوى ها هنا! التقوى ها هنا! التقوى ها هنا! ويشير ثلاث مرار إلى صدره ﷺ)، في الدنيا كذلك القلب السليم ينفع، لما أسر بعض المشركين يوم بدر، وكان المسلمون يأخذون منهم الفداء فقال بعضهم: يا رسول اللهّ! إنا كنا مسلمين فكيف ندفع الفداء ونحن كنا مسلمين، وإنما أظهرنا الكفر خوفًا من الكفار؟! فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠] إن كان في قلوب بعضكم خير -والله يعلم بالقلوب- فالله سوف يعوضكم عن هذا الفداء الذي افتديتم به أنفسكم، ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾، وإضافة إليه ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، والله ﷾ يوم الفتح أنزل السكينة في قلوب المؤمنين لما علم في قلوبهم، قال سبحانه: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]، فعلم الله ما في قلوب أصحاب نبيه ﷺ من الخير ﴿عَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ [الفتح:١٨ - ١٩].
فصلاح القلب عليه صلاح الدنيا والآخرة، وفساد القلب عليه فساد الدنيا والآخرة عياذًا بالله من ذلك، فجدير بنا أن نعرف الأمراض التي تعتري قلوبنا ونعالجها، وليس هناك طبيب أمهر يعالج قلبك -بعد الله ﷾- من نفسك التي بين جنبيك، أنت تعرف مرضك وتعرف كيف تداويه بإذن الله تعالى، غاية ما يفعله أهل الذكر أنهم ينبهونك، ويصفون لك الدواء، والأمر بيدك -بعد الله سبحانه- إن شئت أطعت، وإن شئت رددت، ومرد ذلك كله إلى الله ﷿.
[ ٨ / ٢ ]