وقد علمنا أن كل ما له أول فلا بد له من آخر، حاشا نعيم الله ﷿ بالجنة لأوليائه وعذابه بالنار لأعدائه؛ وأما أراض الدنيا فنافذة فانية وزائلة مضمحلة، وعاقبة كل حب إلى أحد أمرين: إما اخترام منية، وإما سلو حادث. وقد نجد النفس تغلب عليها بعض القوى المصرفة معها في الجسد، فكما نجد نفسًا ترفض الراحات والملاذ للعمل في طاعة الله تعالى وللرياء في الدنيا، حتى تشتهر بالزهد، فكذلك نجد نفسًا تنصرف عن الرغبة في لقاء شكلها للأنفة المستحكمة المنافرة للغدر، أو استمرار سوء المكافأة في الضمير، وهذا أصح السلو. وما كان من غير هذين الشيئين فليس إلا مذمومًا. والسلو المتولد من الهجر وطوله إنما هو كاليأس يدخل على النفس من بلوغها إلى أملها، فيفتر نزاعها ولا تقوى رغبتها؛ ولي في ذم السلو قصيدة منها: من الطويل] .
إذا ما رنت فالحي ميت بلحظها وإن نطقت قلت السلام (١) رطاب
كأن الهوى ضيف ألم بمهجتي فلحمي طعام والنجيع شراب. ومنها:
صبور على الأزم (٢) الذي العز خلفه ولو أمطرته بالحريق سحاب
_________________
(١) السلام: الحجارة.
(٢) الأزم: الشدة والقحط.
[ ١ / ٢٤٤ ]
جزوع من الراحات إن أنتجت له خمولًا وفي بعض النعيم عذاب والسلو في التجزئة الجملية ينقسم قسمين:
١ - سلو طبيعي وهو المسمى بالنسيان، يخلو به القلب ويفرغ به البال، ويكون الإنسان كأنه لم يحب قط؛ وهذا القسم ربما لحق صاحبه الذم لأنه نسيان حادث عن أخلاق مذمومة، وعن أسباب غير موجبة استحقاق النسيان، وستأتي مبينة إن شاء الله تعالى، وربما لم تلحقه اللائمة لعذر صحيح.
٢ - والثاني سلو تطبعي، قهر النفس، وهو المسمى بالتصبر، فترى المرء يظهر التجلد وفي قلبه أشد لدغًا من وخز الإشفى (١)، ولكنه يرى بعض الشر أهون من بعض (٢)، أو يحاسب نفسه بحجة لا تصرف ولا تكسر؛ وهذا قسم لا يذم آتيه، ولا يلام فاعله لأنه لا يحدث إلا عن عظيمة، ولا يقع إلا عن فادحة، إما لسبب لا يصبر على مثله الأحرار، وإما لخطب لا مرد له تجري به الأقدار، وكفاك من الموصوف به أنه ليس بناس لكنه ذاكر، وذو حنين واقف على العهد، ومتجرع مرارات الصبر.
والفرق العامي بين المتصبر والناسي، أنك ترى المتصبر وإن أبدى غاية الجلد وأظهر سب محبوبه والتحمل عليه، لا يحتمل ذلك من غيره؛ وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الطويل]
دعوني وسبي للحبيب فإنني وإن كنت أبدي الهجر لست معاديا
ولكن سبي للحبيب كقولهم (٣) أجاد فلقاه الإله الدواهيا
_________________
(١) الاشفى: المخرز.
(٢) هز من قول أبي الخراش الهذلي: حمدت الهي بعد عروة إذ نجا خراش، وبعض الشر أهون من بعض
(٣) هذا سب للاستحسان والتعظيم كقولهم: قاتله الله ما أسخاء أو قولهم: " هوت أمه " وما اشبه.
[ ١ / ٢٤٥ ]
والناسي ضد هذا. وكل هذا فعلى قدر طبيعة الإنسان وإجابتها وامتناعها وقوة تمكن الحب من القلب أو ضعفه، وفي ذلك أقول وسميت السالي فيه المتصبر - قطعة منها: [من الكامل]
ناسي الأحبة غير من يسلوهم حكم المقصر غير حكم المقصر
ما قاهر للنفس (١) عدل مجيبها ما الصابر المطبوع كالمتصبر والأسباب الموجبة للسلو المنقسم هذين القسمين كثيرة، وعلى حسبها وبمقدار الواقع منها يعذر السالي ويذم:
١ - فمنها الملل - وقد قدمنا الكلام عليه - وإن من كان سلوه عن ملل فليس حبه حقيقة، والمتوسم به صاحب دعوى زائفة، وإنما هو طلب لذة ومبادر شهوة، والسالي من هذا الوجه ناس مذموم.
٢ - ومنها الاستبدال، وهو وإن كان يشبه الملل ففيه معنى زائد، وهو بذلك المعنى أقبح من الأول، وصاحبه أحق بالذم.
٣ - ومنها حياء مركب يكون في المحب يحول بينه وبين التعريض بما يجد، فيتطاول الأمر وتتراخى المدة، ويبلى جديد المودة ويحدث السلو؛ وهذا وجه إن كان السالي عنه ناسيًا فليس بمنصف، إذ منه جاء سبب الحرمان، وإن كان متصبرًا فليس بملوم، إذ آثر الحياء على لذة نفسه. وقد ورد رسول الله ﷺ أنه قال: " الحياء من الإيمان والبذاء من النفاق (٢) .. وحدثنا أحمد بن محمد (٣) عن أحمد
_________________
(١) في معظم الطبعات: غير، وهو خطأ واضح؛ وعند برشيه: عد.
(٢) ورد الحديث في أكثر الصحاح (انظر مثلًا البخاري ايمان: ٥٧ - ٥٩) ومسند أحمد ٢: ٥٦، ١٤٧، ٣٩٢.
(٣) هو ابن الجسور، وقد تقدم التعريف به، ص: ١٧٤.
[ ١ / ٢٤٦ ]
بن مطرف (١) عن عبيد الله بن يحيى (٢) عن أبيه عن مالك عن سلمة ابن صفوان الزرقي عن زيد بن طلحة بن ركانة يرفعه إلى رسول الله ﷺ أنه قال: " لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء (٣) .
فهذه الأسباب الثلاثة أصلها من المحب وابتداؤنا من قبلة، والذم لاصق به في نسيانه لمن يحب.
٤ - فمنها: الهجر، وقد مر تفسير وجوهه؛ ولابد لنا أن نورد منه شيئًا في هذا الباب يوافقه.
والهجر إذا تطاول وكثر العتاب واتصلت المفارقة يكون بابًا إلى السلو. وليس من وصلك ثم قطعك لغيرك من باب الهجر في شيء لأنه الغدر الصحيح، ولا من مال إلى غيرك - دون أن تتقدم لك معه صلة - من الهجر أيضًا في شيء، إنما ذاك هو النفار - وسيقع الكلام في هذين الفصلين بعد هذا إن شاء الله تعالى - لكن الهجر ممن وصلك ثم قطعك لتنقيل واش أو لذنب واقع أو لشيء قام في النفس، ولم يمل إلى سواك ولا أقام أحدًا غيرك مقامك؛ والناسي في هذا الفصل من المحبين ملوم دون سائر الأسباب الواقعة من المحبوب: لأنه لا تقع حالة تقيم العذر في نسيانه، وإنما هو راغب
_________________
(١) هو أبو عمر أحمد بن مطرف بن عبد الرحمن المعروف بابن المشاط (توفي سنة ٣٥٢) (الجذوة: ١٣٨ وابن الفرضي ١: ٥٧ وهو الذي سمع من عبيد الله بن يحيى (انظر التعليق التالي) ووهم الدكتور الطاهر مكي فظنه أحمد بن مطرف الجهني (انظر ص ١٨٨ حاشية ١٩)، ولا شأن لهذا برواية الحديث.
(٢) هو عبيد الله بن يحيى بن يحيى الليثي وهو آخر من حدث عن أبيه يحيى بن يحيى عن مالك، وله رحلة إلى العراق، توفي سنة ٢٩٧ (الجذوة: ٢٥٠) .
(٣) ورد الحديث في ابن ماجه (زهد: ١٧) والموطأ (حسن الخلق: ٩) .
[ ١ / ٢٤٧ ]
عن وصلك، وهو شيء لا يلزمه. وقد تقدم من أذمة الوصال وحق أيامه، ما يلزم التذكر ويوجب عهد الألفة، ولكن السالي على وجهة التصبر والتجلد هاهنا معذور إذا رأى الهجر متماديًا ولم ير للوصال علامة ولا للمراجعة دلالة؛ وقد استجاز كثير من الناس أن يسموا هذا المعنى غدرًا إذ ظاهرهما واحد، ولكن علتيهما مختلفتان، فلذلك فرقنا بينهما في الحقيقة؛ وأقول في ذلك شعرًا منه: [من الطويل]
فكونوا كمن لم أدر قط فإنني كآخر لم تدروا ولم تصلوه
أنا كالصدى ما قال كل أجيبه فما شئتموه اليوم فاعتمدوه وأقول أيضًا قطعة، ثلاثة أبيات قلتها وأنا نائم واستيقظت فأضفت إليها البيت الربع: [من الوافر]
ألا لله دهر كنت فيه أعز علي من روحي وأهلي
فما برحت يد الهجران حتى طواك بنانها طي السجل
سقاني الصبر هجركم كما قد سقاني الحب وصلكم بسجل
وجدت الوصل أصل الوجد حقًا وطول الهجر أصلًا للتسلي وأقول أيضًا قطعة: [من الكامل المجزوء]
لو قيل لي من قبل ذا أن سوف تسلو من تود
لحلفت ألف (١) قسامة لا كان ذا أبد الأبد
وإذا طويل الهجر ما معه من السلوان بد
لله هجرك إنه ساع لبرئي مجتهد
فالآن أعجب للسل ووكنت أعجب للجلد
وأرى هواك كجمرة تحت الرماد لها مدد
_________________
(١) القسامة: إذا وقعت تدمية في موضع ما دون أن يعرف القاتل على التحقيق ووجه أولياء القتيل التهمة إلى جماعة أو قرية، فإن المفروض أن يحلف خمسون رجلًا من المتهمين ببراءتهم، فتسقط بذلك التهمة.
[ ١ / ٢٤٨ ]
وأقول: [من الكامل]
كانت جهنم في الحشا من حبكم فلقد أراها نار إبراهيما ثم الأسباب الثلاث الباقية التي هي من قبل المحبوب، فالمنتصر من الناس فيها غير مذموم، لما سنورده إن شاء الله في كل فصل عنها:
٥ - فمنها نفار يكون في المحبوب وانزواء قاطع للأطماع؛
خبر:
وإني لأخبر عني أني ألفت في أيام صباي ألفة المحبة جارية نشأت في دارنا وكانت في ذلك الوقت بنت ستة عشر عامًا؛ وكانت غاية في حسن وجهها وعقلها وعفافها وطهارتها وخفرها ودماثتها، عديمة الهزل، منيعة البذل، بديعة البشر، مسبلة الستر، فقيدة الذام، قليلة الكلام، مغضوضة البصر، شديدة الحذر، نقية من العيوب، دائمة القطوب، كثيرة الوقار، مستلذة النفار، لا توجه الأراجي نحوها، ولا تقف المطامع عليها، ولا معرس للأمل لديها، فوجهها جالب كل القلوب، وحالها طارد من أمها. تزدان في المنع والبخل، ما لا يزدان غيرها بالسماحة والبذل، موقوفة على الجد في أمرها غير راغبة في اللهو، على أنها كانت تحسن العود إحسانًا جيدًا، فجنحت إليها وأحببتها حبًا مفرطًا شديدًا، فسعيت عامين أو نحوهما أن تجيبني بكلمة وأسمع من فيها لفظة، غير ما يقع في الحديث الظاهر إلى كل سامع، بأبلغ السعي فما وصلت من ذلك إلى شيء البتة.
فلعهدي بمصطنع (١) كان في دارنا لبعض ما يصطنع له في دور الرؤساء تجمعت فيه دخلتنا ودخلة أخي، ﵀، من النساء ونساء فتياننا ومن لاث بنا من خدمنا، ممن يخف موضعه ويلطف محله،
_________________
(١) المصطنع: الوليمة أو الحفل.
[ ١ / ٢٤٩ ]
فلبثن صدرًا من النهار ثم تنقلن إلى قصبة كانت في دارنا مشرفة على بستان الدار ويطلع منها على جميع قرطبة وفحوصها، مفتحة الأبواب؛ فصرن ينظرن من خلال الشراجيب (١) وأنا بينهن، فإني لأذكر أني كنت أقصد نحو الباب الذي هي فيه أنسًا بقربها متعرضًا للدنو منها، فما هو إلا أن تراني في جوارها فتترك ذلك الباب وتقصد غيره في لطف الحركة، فأتعمد أنا القصد إلى الباب الذي صارت إليه فتعود إلى مثل ذلك الفعل من الزوال إلى غيره؛ وكانت قد علمت كلفي بها ولم يشعر سائر النسوان بما نحن فيه، لأنهن كن عددًا كثيرًا، وإذا كلهن ينتقلن من باب إلى باب لسبب الاطلاع من بعض الأبواب على جهات لا يطلع من غيرها عليها، واعلم أن قيافة النساء فيمن يميل إليهن أنفذ من قيافة مدلج (٢) في الآثار، ثم نزلن إلى البستان فرغب عجائزنا وكرائمنا إلى سيدتها في سماع غنائها، فأمرتها فأخذت العود وسوته بخفر وخجل لا عهد لي بمثله، وإن الشيء يتضاعف حسنه في عين مستحسنه، ثم اندفعت تغني بأبيات العباس بن الأحنف، حيث يقول (٣): [من البسيط]
إني طربت إلى شمس إذا غربت كانت مغاربها (٤) جوف المقاصير
شمس ممثلة في خلق جارية كأن أعطافها (٥) طي الطوامير
ليست من الإنس إلا في مناسبة ولا من الجن إلا في التصاوير
_________________
(١) الشراجيب: الشبابيك أو الطاقات؛ ويكون الشباك مشرجبًا إذا كان من خشب بهيئة مربعات، ومن أمثالهم العامية زاد ف المشرجب بيت، ويشير المعتمد في شعره (الحلة ٢: ١٣٣) إلى قصر الشراجيب. (انظر الأمثال العامية ٢: ٢٣٠ وتعليقات المحقق على المثل رقم ١٠١٠) .
(٢) مدلج: رجل من كنانة كان مشهورًا بالقيافة، أي قص الأثر.
(٣) انظر ديوان العباس بن الأحنف: ١١٣.
(٤) الديوان: مشارقها.
(٥) في الديوان: كأنما كشحها.
[ ١ / ٢٥٠ ]
فالوجه جوهرة، والجسم عبهرة (١) والريح عنبرة، والكل من نور
كأنها حين تخطو في مجاسدها تخطو على البيض أو حد (٢) القوارير فلعمري لكأن المضراب إنما يقع على قلبي، وما نسيت ذلك اليوم ولا أنساه إلى يوم مفارقتي الدنيا، وهذا أكثر ما وصلت إليه من التمكن من رؤيتها وسماع كلامها؛ وفي ذلك أقول: [من الحفيف]
لا تلمها على النفار ومنع ال وصل ما ذاكم لها بنكير
هل يكون الهلال غير بعيد أو يكون الغزال غير نفور وأقول: [من الوافر]
منعت جمال وجهك مقلتيا ولفظك قد ضننت به عليا
أراك نذرت للرحمن صومًا فلست تكلمين اليوم حيا
وقد غنيت للعباس شعرًا هنيئًا ذا لعباس هنيا
فلو يلقاك عباس لأضحى لفوز قاليا وبكم شجيا ثم انتقل أبي ﵀ من دورنا المحدثة بالجانب الشرقي من قرطبة في ربض الزاهرة إلى دورنا القديمة في الجانب الغربي من قرطبة ببلاط مغيث في اليوم الثالث من قيام أمير المؤمنين محمد المهدي بالخلافة. وانتقلت أنا بانتقاله، وذلك في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلثمائة، ولم تنتقل هي بانتقالنا لأمور أوجبت ذلك. ثم شغلنا بعد قيام أمير المؤمنين هشام المؤيد بالنكبات وباعتداء أرباب دولته، وامتحنا بالاعتقال والترقيب والإغرام الفادح والاستتار، وأرزمت الفتنة وألقت باعها وعمت الناس وخصتنا، إلى أن توفي أبي الوزير
_________________
(١) رواية هذا البيت في الديوان: فالجسم من لؤلؤ والشعر من ظلم والنشر من مسكة والوجه من نور
(٢) الديوان: أو خضر.
[ ١ / ٢٥١ ]
﵀ ونحن في هذه الأحوال بعد العصر يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة عام اثنتين وأربعمائة، واتصلت بنا تلك الحال بعده إلى أن كانت عندنا جنازة لبعض أهلنا فرأيتها - وقد ارتفعت الواعية (١) - قائمة في المأتم وسط النساء في جملة البواكي والنوادب، فلقد أثارت وجدًا دفينًا وحركت ساكنًا، وذكرتني عهدًا قديمًا، وحبًا تليدًا، ودهرًا ماضيًا، وزمنًا عافيًا، وشهورًا خوالي، وأخبارًا توالي، ودهورًا فواني، وأيامًا قد ذهبت، وآثارًا قد دثرت، وجددت أحزاني، وهيجت بلابلي، على أني كنت في ذلك النهار مرزءًا مصابًا من وجوه، وما كنت نسيت، ولكن زاد الشجى وتوقدت اللوعة وتأكد الحزن وتضاعف الأسف، واستجلب الوجد ما كان منه كامنًا فلباه مجيبًا، فقلت قطعة منها: [من الطويل]
يبكي لميت مات وهو مكرم وللحي أولى بالدموع الذوارف
فيا عجبًا من آسف لامرئ ثوى وما هو للمقتول ظلمًا بآسف ثم ضرب الدهر ضربانه وأجلينا عن منازلنا، وتغلب علينا جند البربر، فخرجت عن قرطبة أول المحرم سنة أربع وأربعمائة، وغابت عن بصري بعد تلك الرؤية الواحدة ستة أعوام وأكثر، ثم دخلت قرطبة في شوال سنة تسع وأربعمائة، فنزلت على بعض نسائنا فرأيتها هنالك، وما كدت أن أميزها حتى قيل لي هذه فلانة - وقد تغير أكثر محاسنها وذهبت نضارتها، وفنيت تلك البهجة وغاض ذلك الماء الذي كان يرى كالسيف الصقيل والمرآة الهندية، وذبل ذلك النوار الذي كان البصر يقصد نحوه منبهرًا ويرتاد فيه متخيرًا وينصرف عنه متحيرًا، فلم يبق إلا البعض المنبئ عن الكل، والخبر المخبر عن الجميع، وذلك لقلة اهتبالها بنفسها وعدمها الصيانة التي كانت غذيت بها أيام دولتنا وامتداد ظلنا ولتبذلها في الخروج فيما لابد لها منه مما كانت تصان
_________________
(١) الواعية: الصراخ على الميت.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وترفع عنه قبل ذلك؛ وإنما النساء رياحين متى لم تتعاهد نقصت، وبنية متى لم يهتبل بها استهدمت؛ ولذلك قال من قال: إن حسن الرجال أصدق صدقًا وأثبت أصلًا وأعتق جودة لصبره على ما لو لقي بعضه وجوه النساء لتغيرت أشد التغيير، مثل الهجير والسموم والرياح واختلاف الهواء وعدم الكن - وإني لو نلت منها أقل وصل وأنست لي بعض الأنس لخولطت طربًا أو لمت فرحًا، ولكن هذا النفار الذي صبرني وأسلاني.
وهذا الوجه من أسباب السلو صاحبه في كلا الوجهين معذور وغير ملوم؛ إذ لم يقع تثبت يوجب الوفاء، ولا عهد يقتضي المحافظة، ولا سلف ذمام، ولا فرط تصادق يلام على تضييعه ونسيانه.
٦ - ومنها جفاء يكون من المحبوب، فإذا أفرط فيه وأسرف وصادف من المحب نفسًا لها بعض الألفة والعزة تسلى، وإذا كان الجفاء يسيرًا منقطعًا أو دائمًا أو كبيرًا منقطعًا احتمل وأغضي عليه، حتى إذا كثر ودام فلا وفاء عليه (١)، ولا يلام الناسي لمن يحب في مثل هذا.
٧ - ومنها الغدر، وهو الذي لا يحتمله أحد ولا يغضي عليه كريم (٢)، وهو المسلاة حقًا ولا يلام السالي عنه على أي وجه كان، ناسيًا أو متصبرًا، بل اللائمة لاحقة لمن صبر عليه. ولولا ان القلوب بيد مقلبها لا إله إلا هو ولا يكلف المرء صرف قلبه ولا إحالة استحسناه - لولا ذاك - لقلت ان المتصبر في سلوه مع الغدر يكاد ان يستحق الملامة والتعنيف؛ ولا أدعى إلى السلو عند الحر النفس وذي
_________________
(١) بعض الطبعات: فلا بقاء.
(٢) قارن بما جاء في الموشى (ص: ١١٨): ثم ان أجهل الجهالة وأضل الضلالة صبر الفتى الأديب على غدر الحبيب، فإن الصبر على الخيانة والغدر يضع من المروءة والقدر.
[ ١ / ٢٥٣ ]
الحفيظة والسري السجايا، من الغدر، فما يصبر عليه إلا دنئ المروءة خسيس الهمة ساقط الأنفة، وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الوافر] .
هواك فلست أقربه غرور وأنت لكل من يأتي سرير
وما إن تصبرين على حبيب فحولك منهم عدد كثير
فلو كنت الأمير لما تعاطى لقاءك خوف جمعهم الأمير
رأيتك كالأماني ما على من يلم بها ولو كثروا غرور
ولا عنها لمن يأتي دفاع ولو حشد الأنام لهم (١) نفير ٨ - ثم سبب ثامن: وهو لا من المحب ولا من المحبوب ولكنه من الله تعالى وهو اليأس، وفروعه ثلاثة، إما موت وإما بين لا يرجى معه أوبة، وإما عارض يدخل على المتحابين بعلة الحب التي من أجلها وثق المحبوب فيغيرها؛ وكل هذه الوجوه من أسباب السلو والتصبر.
وعلى المحب الناسي في هذا الوجه المنقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة من الغضاضة والذم واستحقاق اسم اللوم والغدر غير قليل، وإن لليأس لعملًا في النفوس عجيبًا، وثلجًا لحر الأكباد كبيرًا؛ وكل هذه الوجوه المذكورة أولًا وآخرًا فالتأني فيها واجب، والتربص على أهلها حسن، فيما يمكن فيه التأني ويصح لديه التربص، فإذا انقطعت الأطماع وانحسمت الآمال فحينئذ يقوم العذر.
وللشعراء فن من الشعر يذمون فيه الباكي على الدمن، ويثنون على المثابر على اللذات، وهذا يدخل في باب السلو؛ ولقد أكثر الحسن بن هانئ في هذا الباب وافتخر به، وهو كثيرًا ما يصف نفسه بالغدر الصريح في أشعاره، تحكمًا بلسانه واقتدارًا على القول، وفي مثل هذا أقول شعرًا منه: [من الخفيف]
_________________
(١) برشيه: له.
[ ١ / ٢٥٤ ]
خل هذا وبادر الدهر وارحل في رياض الربى مطي العقار
واحدها بالبديع من نغمات ال عود كيما تحث بالمزمار
إن خيرًا من الوقوف على الدا ر وقوف البنان بالأوتار
وبدا النرجس البديع كصب حائر الطرف مائلا كالمدار
لونه لون عاشق مستهام وهو لا شك هائم بالبهار ومعاذ الله أن يكون نسيان ما درس لنا طبعًا، ومعصية الله بشرب الراح لنا خلقًا، وكساد الهمة لنا صفة، ولكن حسبنا قول الله تعالى، ومن أصدق من الله قيلًا في الشعراء: ﴿ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وانهم يقولون ما لا يفعلون﴾ . (الشعراء: ٢٢٤) . فهذه شهادة الله العزيز الجبار لهم، ولكن شذوذ القائل للشعر عن مرتبة الشعر خطأ.
وكان سبب هذه الأبيات أن " ضنى " العامريه، إحدى كرائم المظفر عبد الملك ابن أبي عامر، كلفتني صنعتها فأجبتها، وكنت أجلها؛ ولها فيها صنعة في طريقة النشيد والبسيط (١) رائقة جدًا، ولقد أنشدتها بعض إخواني من أهل الأدب فقال سرورًا بها: يجب أن توضع هذه في جملة عجائب الدنيا.
فجميع فصول هذا الباب كما ترى ثمانية: منها ثلاثة هي من المحب، اثنان منها يذم إلسالي فيهما على كل وجه، وهما الملل والاستبدال، وواحد منها يذم السالي فيه ولا يذم المتصبر، وهو الحياء كما قدمنا. وأربعة من المحبوب، منها واحد يذم الناسي فيه ولا يذم المتصبر، وهو الهجر الدائم، وثلاثة لا يذم السالي فيها على أي وجه كان ناسيًا أو متصبرًا، وهي النفار والجفاء والغدر، ووجه ثامن وهو من
_________________
(١) هذان يمثلان ثلثي " النوبة " عند زرياب وغيره، والعنصر الثالث الأخير فيها هو " الهزج ".
[ ١ / ٢٥٥ ]
قبل الله ﷿، وهو اليأس إما بموت أو بين أو آفة تزمن، والمتصبر في هذه معذور.
وعني أخبرك أني جبلت على طبيعتين لا يهنأني معهما عيش أبدًا، وغني لأبرم بحياتي باجتماعهما وأود التغيب (١) من نفسي أحيانًا لأفقد ما أنا بسببه من النكد من أجلهما وهما: وفاء لا يشوبه تلون قد استوت فيه الحضرة والمغيب، والباطن والظاهر، تولده الألفة التي لم تعزف (٢) بها نفسي عما دربته، ولا تتطلع إلى عدم من صحبته، وعزة نفس لا تقر على الضيم، مهتمة لأقل ما يرد عليها من تغير المعارف، مؤثرة للموت عليه؛ فكل واحدة من هاتين السجيتين تدعو إلى نفسها وإني لأجفى فأحتمل، واستعمل الأناة الطويلة، والتلوم الذي لا يكاد يطيقه أحد، فإذا أفرط الأمر وحميت نفسي تصبرت، وفي القلب ما فيه، وفي ذلك أقول قطعة منها: [من البسيط]
لي خلتان أذاقاني الأسى جرعًا ونغصا عيشتي واستهلكا جلدي
كلتاهما تطبيني نحو جبلتها كالصيد ينشب بين الذئب والأسد
وفاء صدق فما فارقت ذا مقة فزال حزني عليه آخر الأبد
وعزة لا يحل الضيم ساحتها صرافة (٣) فيه بالأموال والولد ومما يشبه ما نحن فيه، وإن كان ليس منه، ان رجلا من إخواني كنت أحللته من نفسي محلها، وأسقطت المؤونة بيني وبينه، وأعددته ذخرًا وكنزًا، وكان كثير السمع من كل قائل، فدب ذوو النميمة بيني وبينه، فحاكوا له وأنجح سعيهم عنده، فانقبض عما كنت أعهده. فتربصت عليه مدة في مثلها أوب الغائب ورضى العاتب، فلم يزدد إلا انقباضًا فتركته وحاله.
_________________
(١) معظم الطبعات: التثبت.
(٢) برشيه: تصرف.
(٣) بتروف: صرامة.
[ ١ / ٢٥٦ ]
- ٢٨ -