ولابد لكل محب صادق المودة ممنوع الوصل - إما ببين وإما بهجر وإما بكتمان واقع لمعنى - من أن يؤول إلى حد السقام والضنى والنحول، وربما أضجعه ذلك؛ وهذا الأمر كثير جدًا موجود أبدًا. والأعراض الواقعة من المحبة غير الأعراض (١) الواقعة من هجمات العلل، ويميزها الطبيب الحاذق والمتفرس الناقد؛ وفي ذلك أقول:
[من الوافر]
يقول لي الطبيب بغير علم تداو فأنت يا هذا عليل
ودائي ليس يدريه سوائي ورب قادر ملك جليل
أأكتمه ويكشفه شهيق يلازمني وإطراق طويل
ووجه شاهدات الحزن فيه وجسم كالخيال ضن نحيل
وأثبت ما يكون الأمر يومًا بلا شك إذا صح الدليل
فقلت له: أبن عني قليلًا فلا والله تعرف ما تقول
فقال: أرى نحولًا زاد جدًا وعلتك التي تشكو ذبول
فقلت له: الذبول تعل منه ال جوارح وهي حمى تستحيل
وما أشكو لعمر والله حمى وإن الحر في جسمي قليل
فقال: أرى التفاتأ وارتقابًا وأفكارًا وصمتًا لا يزول
_________________
(١) جميع الطبعات: غير العلل.
[ ١ / ٢٤٠ ]
وأحسب أنها السوداء فانظر لنفسك إنها عرض ثقيل
فقلت له: كلامك ذا محال فما للدمع من عيني يسيل
فأطرق باهتًا مما رآه ألا في مثل ذا بهت النبيل
فقلت له: دوائي منه دائي ألا في مثل ذا ضلت عقول
وشاهد ما أقول يرى عيانًا فروع النبت إن عكست أصول
وترياق الأفاعي ليس شيء سواه ببرء ما لدغت كفيل وحدثني أبو بكر محمد بن بقي الحجري، وكان حكيم الطبع عاقلًا فهيمًا، عن رجل من شيوخنا لا يمكن ذكره، انه كان ببغداد في خان من خاناتها فرأى ابنة لوكيله الخان فأحبها وتزوجها، فلما خلا بها نظرت إليه وكانت بكرًا، وهو قد تكشف لبعض حاجته، فراعها كبر إحليله، ففرت إلى أمها وتفادت منه، فرام بها كل من حواليها أن ترد إليه، فأبت وكادت ان تموت، ففارقها ثم ندم، ورام ان يراجعها فلم يمكنه، واستعان بالأبهري (١) وغيره، فلم يقدر أحد منهم على حيلة في أمره، فاختلط عقله وأقام في المارستان يعاني مدة طويلة حتى نقة وسلا وما كاد، ولقد كان إذا ذكرها يتنفس الصعداء.
وقد تقدم في أشعاري المذكورة في هذه الرسالة: من صفة النحول مفرقًا ما استغنيت به عن أن أذكر هنا من سواها شيئًا خوف الإطالة، والله المعين والمستعان.
_________________
(١) هذه النسبة " الابهري " تنصرف إلى واحد من فقهاء المالكية، فإن كان المقصود الابهري الكبير فهو أبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح، الذي سكن بغداد وانتشر عنه مذهب مالك بالعراق وجمع بين القرآن وعلو الأسناد والفقه الجيد، وقصده الطلبة من كل فج فممن أخذ العلم عليه من الاندلسيين: أبو عبيد الحيوني والأصيلي (الذي بقي في بغداد ثلاث عشرة سنة) وأبو محمد القلعي وأبو القاسم الزهري، وكانت وفاة الابهري سنة ٣٧٥ (ترتيب المدارك ٤: ٤٦٦) وذكر ابن بشكوال أن محمد بن يوسف بن أحمد التاجر كانت له رحلة إلى المشرق وأخذ عن الابهري شريحة لمختصر ابن عبد الحكم وعن هذا التاجر يحدث أبو بكر جماهر بن عبد الرحمن الحجري (الصلة: ٤٩٢) ولجماهر هذا ابن اسمه محمد توفي سنة ٤٢٤ (الصلة: ٤٨٨)، ومع ذلك تبقى كلمة " بقي " عقبة في سبيل القطع بشيء في هذا الصدد.
[ ١ / ٢٤١ ]
وربما ترقت إلى أن يغلب المرء على عقله ويحال بينه وبين ذهنه فيوسوس؛
خبر:
وإني لأعرف جارية من ذوات المناصب والجمال والشرف من بنات القواد، وقد بلغ بها حب فتى من إخواني من أبناء الكتاب مبلغ هيجان المرار الأسود، وكادت تختلط، واشتهر الأمر وشاع جدًا (١) حتى علمه الأباعد، إلى ان تدوركت بالعلاج.
وهذا إنما يتولد عن إدمان الفكر، فإذا غلبت الفكرة وتمكن الخلط وترك التداوي خرج الأمر عن حد الحب إلى حد الوله والجنون، وإذا أغفل التداوي في أوائل المعاناة قوي جدًا ولم يوجد له دواء سوى الوصال، ومن بعض ما كتبت إليه قطعة منها: [من الخفيف]
قد سلبت الفؤاد منها اختلاسًا أي خلق يعيش دون فؤاد
فأغثها بالوصل تحي شريفًا وتفز بالثواب يوم المعاد
وأراها تعتاض إن دام هذا (٢) من خلاخيلها حلى الأقياد
أنت حقًا متيم الشمس حتى عشقها بين ذا الورى لك بادي خبر:
وحدثني مولى أحمد بن محمد بن حدير، المعروف بالبليني (٣): أن سبب اختلاط مروان بن يحيى بن أحمد بن حدير
_________________
(١) برشيه: وشاع حبها.
(٢) ايماء إلى أنها قد تجن، وتوضع السلاسل في رجليها بدلًا من الخلاخيل، كما كانوا يفعلون بالمجانين.
(٣) ان صحت هذه اللفظة فهي نسبة إلى " البلنيه " (BaIIena) وتعني الحوت الكبير أو دابة البحر (انظر المغرب ١: ١٩٣ والجذوة: ٢١٤)، ومن أمثال بحارة الاندلس إذا ريت البلين أبشر بالرمشكل (انظر أمثال العوام ٢: ٦؛ والرمشكل هو ذكر البلينة) .
[ ١ / ٢٤٢ ]
وذهاب عقله اعتلاقه بجارية لأخيه، فمنعها وباعها لغيره، وما كان في إخوته مثله ولا أتم أدبًا منه.
وأخبرني أبو العافية مولى محمد بن عباس بن أبي عبدة (١)، أن سبب جنون يحيى بن محمد بن عباس بن أبي عبدة بيع جارية له كان يجد بها وجدًا شديدًا، كانت أمه أباعتها وذهبت إلى إنكاحه من بعض العامريات.
فهذان رجلان جليلان مشهوران فقدا عقولهما واختلطا وصارا في القيود والأغلال، فأما مروان فأصابته ضربة مخطئة يوم دخول البربر قرطبة وانتهابهم لها (٢)، فتوفي ﵀. وأما يحيى بن محمد فهو حي على حالته المذكورة في حين كتابتي لرسالتي هذه، وقد رأيته أنا مرارًا وجالسته في القصر قبل أن يمتحن بهذه المحنة، وكان أستاذي وأستاذه الفقيه أبو الخيار اللغوي (٣)، وكان يحيى لعمري حلوًا من الفتيان نبيلًا.
وأما من دون هذه الطبقة فقد رأينا منهم كثيرًا، ولكن لم نسمهم لخفائهم، وهذه درجة إذا بلغ المشغوف إليها فقد انبت الرجاء وانصرم الطمع، فلا دواء له بالوصل ولا بغيره، إذ قد استحكم الفساد في الدماغ، وتلفت المعرفة وتغلبت الآفة، أعاذنا الله من البلاء بطوله، وكفانا النقم بمنه.
_________________
(١) لم أجد لمحمد بن عباس ترجمة، ولكنه من أسرة بني عبدة إحدى الأسر الكبيرة في الاندلس، وقد كان عيسى بن أحمد بن أبي عبدة وزيرًا أيام الأمير عبد الله الأموي، واحتل رجال من هذه الأسرة مناصب هامة في الدولة (انظر الحلة السيراء ١: ١٢٠ - ١٢١ والحاشية) وكان احمد بن محمد بن أبي عبدة أيام عبد الرحمن الناصر على القيادة (البيان المغرب: ٢: ١٥٨) ومحمد بن عبد الله بن أبي عبدة، على الخزانة (المصدر نفسه) وعيسى بن أحمد بن أبي عبدة على الشرطة العليا (٢: ١٥٩)؛ ويطول بنا القول لو أردنا تتبع أفراد هذه العائلة وتقلبهم في المناصب.
(٢) بتروف: وانتهائهم اليها.
(٣) هو مسعود بن سليمان بن مفلت الشنتريني القرطبي، كان ظاهريًا لا يرى التقليد، متواضعًا توفي سنة ٤٢٦ (الصلة: والجذوة: ٣٢٨ والبغية رقم: ١٣٦١) .
[ ١ / ٢٤٣ ]
- ٢٧ -