وكما أن الوفاء من سري النعوت ونبيل الصفات، فكذلك الغدر من ذميمها ومكروهها، وإنما يسمى غدرًا من البادئ به، وأما المقارض بالغدر على مثله - وإن استوى معه في حقيقة الفعل - فلييس بغدر ولا هو معيبًا بذلك، والله ﷿ يقول: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ (الشورى: ٤٠) وقد علمنا أن الثانية ليست بسيئة، ولكن لما جانست الأولى في الشبه أوقع عليها مثل اسمها، وسيأتي هذا مفسرًا في باب السلو إن شاء الله. ولكثرة وجود الغدر في المحبوب استغرب الوفاء منه، فصار قليله الواقع منهم يقاوم الكثير الموجود في سواهم. وفي ذلك أقول: [من الوافر] .
قليل وفاء من يهوى يجل وعظم وفاء من يهوى يقل
فنادرة الجبان أجل مما يجيء به الشجاع المستقل ومن قبيح الغدر أن يكون للمحب سفير إلى محبوبه يستريح إليه بأسراره فيسعى حتى يقلبه إلى نفسه ويستأثر به دونه؛ وفيه أقول: [من الطويل] .
أقمت سفيرًا قاصدًا في مطالبي وثقت به جهلًا فضرب بيننا
وحل عرى ودي وأثبت وده وأبعد عني كل ما كان ممكنا
[ ١ / ٢١٣ ]
فصرت شهيدًا بعدما كنت مشهدا وأصبح (١) ضيفًا بعدما كان ضيفنا خبر:
ولقد حدثني القاضي يونس بن عبد الله (٢) قال: أذكر في الصبا جارية في بعض السدد يهواها فتى من أهل الأدب من أبناء الملوك وتهواه ويتراسلان، وكان السفير بينهما والرسول بكتبهما فتى من أترابه كان يصل إليها، فلما عرضت الجارية للبيع أراد الذي كان يحبها ابتياعها، فبدر الذي كان رسولًا فاشتراها. فدخل عليها يومًا فوجدها قد فتحت درجًا لها تطلب فيه بعض حوائجها، فأتى إليها وجعل يفتش الدرج، فخرج إليه كتاب من ذلك الفتى الذي كان يهواها مضمخًا بالغالية مصونًا مكرمًا، فغضب وقال: من أين هذا يا فاسقه قالت: أنت سقته إلي، فقال: لعله محدث بعد ذلك الحين، فقالت: ما هو إلا من قديم تلك التي تعرف؛ قال: فكأنما ألقمته حجرًا، فسقط في يده وسكت.
_________________
(١) في جميع الطبعات: وأصبحت؛ والمعنى يأباها؛ هو يقول بعد ما تغير السفير فأحب من كنت احب، أصبحت أنا شهيدًا على ما يصنع بعدما كنت مشهدًا له؛ أما هو فانتقلت حاله فبعدما كان ضيفنًا (أي ضيف ضيف) اعتلت به الحال فأصبح ضيفًا. (قلت: والضيفن مذموم لأنه قريب الشبه من الطفيلي) .
(٢) يونس بن عبد الله بن مغيث أبو الوليد المعروف بابن الصفار: كان قاضي الجماعة بقرطبة، ومن أعيان أهل العلم يميل إلى الزهد وله فيه مصنفات وأشعار وعنه يروي ابن حزم وابن عبد البر وأبو الوليد الباجي، توفي سنة ٤٢٩ (انظر ترجمة له مطولة نسبيًا في الصلة: ٦٤٦ وراجع الجذوة: ٣٦٢ والبغية رقم: ١٤٩٨ وترتيب المدارك ٤: ٧٣٩) .
[ ١ / ٢١٤ ]
- ٢٤ -