ومن الأسباب المتمناة في الحب ان يهب الله ﷿ للإنسان صديقًا مخلصًا، لطيف القول، بسيط الطول، حسن المأخذ، دقيق المنفذ، متمكن البيان، مرهف اللسان، جليل الحلم، واسع العلم، قليل المخالفة، عظيم المساعفة، شديد الاحتمال، صابرًا على الإدلال، جم الموافقة، جميل المخالفة، مستوي المطابقة، محمود الخلائق، مكفوف البوائق، محتوم المساعدة، كارهًا للمباعدة، نبيل المداخل (١)، مصروف الغوائل، غامض المعاني، عارفًا بالأماني، طيب الأخلاق، سري الأعراق، مكتوم السر، كثير البر، صحيح الأمانة، مأمون الخيانة، كريم النفس، صحيح الحدس، مضمون العون، كامل الصون، مشهور الوفاء، ظاهر الغناء، ثابت القريحة، مبذول النصيحة، مستيقن الوداد، سهل الانقياد، حسن الاعتقاد، صادق اللهجة، خفيف المهجة، عفيف الطباع، رحب الذراع، واسع الصدر، متخلقًا بالصبر، يألف الإمحاض، ولا يعرف الإعراض، يستريح إليه ببلابله، ويشاركه في خلوة فكره (٢)، ويفاوضه في مكتوماته، وإن فيه للمحب لأعظم الراحات، وأين هذا! فغن ظفرت به يداك فشدهما عليه شد الضنين، وأمسك بهما إمساك
_________________
(١) برشيه: الشمائل.
(٢) هذه هي قراءة برشيه، وعند غيره: فقره.
[ ١ / ١٦٣ ]
البخيل، وصنه بطارفك وتالدك، فمعه يكمل الانس، وتنجلي الأحزان ويقصر الزمان، وتطيب الأحوال. ولن يفقد الانسان من صاحب هذه الصفة عونًا جميلًا، ورأيًا حسنًا، ولذلك اتخذ الملوك الوزراء والدخلاء كي يخففوا عنهم بعض ما حملوه من شديد الأمور وطوقوه من باهظ الأحمال، ولكي يستغنوا بآرائهم، ويستمدوا بكفايتهم، وإلا فليس في قوة الطبيعة أن تقاوم كل ما يرد عليها دون استعانة بما يشاكلها وهو من جنسها.
ولقد كان بعض المحبين - لعدمه هذه الصفة من الإخوان، وقلة ثقته منهم لما جربه من الناس وانه لم يعدم ممن باح إليه بشيء من سره أحد وجهين: إما إزراء على رأيه وإما إذاعة لسره - أقام الوحدة مقام الأنس، وكان ينفرد في المكان النازح عن الأنيس، ويناجي الهواء، ويكلم الأرض، ويجد في ذلك راحة كما يجد المريض في التأوه، والمحزون في الزفير؛ فغن الهموم إذا ترادفت في القلب ضاق بها، فإن لم ينص منها شيء (١) باللسان، ولم يسترح إلى الشكوى لم يلبث ان يهلك غمًا ويموت أسفًا.
وما رأيت الإسعاد (٢) أكثر منه في النساء، فعندهن من المحافظة على هذا الشان والتواصي بكتمانه والتواطؤ على طيه إذا اطلعن عليه ما ليس عند الرجال، وما رأيت امرأة كشفت سر متحابين إلا وهي عند النساء ممقوتة مستثقلة مرمية عن قوس واحدة. وإنه ليوجد عند العجائز في هذا الشان ما لا يوجد عند الفتيات، لان الفتيات منهن ربما كشفن ما علمن على سبيل التغير، وهذا لا يكون إلا في الندرة، وأما العجائز فقد يئسن من أنفسهن فانصرف الإشفاق محضًا إلى غيرهن.
_________________
(١) في الأصل: لم ينض شيء، وعند برشيه: لم يقش شيئًا.
(٢) الاسعاد: المساعفة والعون.
[ ١ / ١٦٤ ]
خبر:
وإني لأعلم امرأة موسرة ذات جوار وخدم، فشاع على إحدى جواريها أنها تعشق فتى من أهلها ويعشقها، وأن بينهما معاني مكروهة، وقيل لها: إن جاريتك فلانة تعرف ذلك وعندها جلية أمرها، فأخذتها وكانت غليظة العقوبة فأذاقتها من أنواع الضرب والإيذاء ما لا يصبر على مثله جلداء الرجال، رجاء ان تبوح لها بشيء مما ذكر لها، فلم تفعل البتة (١) .
خبر:
وإني لأعلم امرأة جليلة حافظة لكتاب الله ﷿ ناسكة مقبلة على الخير، وقد ظفرت بكتاب لفتى إلى جارية كان يكلف بها، وكانت في غير ملكها، فعرفته الأمر فرام الإنكار فلم يتهيأ له ذلك، فقال له: مالك ومن ذا عصم فلا تبال بهذا، فوالله لا أطلعت على سركما أحدًا أبدًا، ولو أمكنني ان أبتاعها لك من مالي ولو أحاط به كله لجعلتها لك في مكان تصل إليها فيه ولا يشعر بذلك أحد.
وإنك لترى المرأة الصالحة المسنة المنقطعة الرجاء من الرجال، وأحب أعمالها إليها وأرجاها للقبول عندها سعيها في تزويج يتيمة، وإعارة ثيابها وحليها لعروس مقلة. وما أعلم علة تمكن هذا الطبع من النساء إلا أنهت متفرغات البال من كل شيء إلا من الجماع ودواعيه، والغزل وأسبابه، والتآلف ووجوهه، لا شغل لهن غيره، ولا خلقن لسواه؛ والرجال مقتسمون في كسب المال وصحبة السلطان وطلب العلم وحياطة العيال ومكابدة الأسفار والصيد وضروب الصناعات ومباشرة الحروب وملاقاة الفتن وتحمل المخاوف وعمارة الأرض، وهذا كله متحيف للفراغ، صارف عن طريق البطل.
_________________
(١) الجارية التي ضربت فلم تبح نموذج للنساء في التكتم على المحبين، ولمن ما بال سيدتها التي ضربتها ضربًا مبرحًا، أليست هي امرأ'.
[ ١ / ١٦٥ ]
وقرأت في سير ملوك السودان أن الملك منهم يوكل ثقة له بنسائه يلقي عليهن ضريبة من غزل الصوف يشغلن بها أبد الدهر، لأنهم يقولون: إن المرأة إذا بقيت بغير شغل إنما تتشوف (١) إلى الرجال، وتحن إلى النكاح.
ولقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري، لأني ربيت في حجورهن، ونشأت بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن، ولا جالست الرجال إلا وأنا في حد الشباب وحين تبقل (٢) وجهي؛ وهن علمتني القرآن وروينني كثيرًا من الأشعار ودربنني في الخط، ولم يكن وكدي وإعمال ذهني مذ أول فهمي وأنا في سن الطفولة جدًا إلا تعرف أسبابهن، والبحث عن أخبارهن، وتحصيل ذلك. وأنا لا أنسى شيئًا مما أراه منهن، وأصل ذلك غيرة شديدة طبعت عليها، وسوء ظن في جهتهن فطرت به، فأشرفت من أسبابهن على غير قليل، وسيأتي ذلك مفسرًا في أبوابه، إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) في الطبعات: تشوق.
(٢) عند الصيرفي: تفيل، وتابعه مكي على ذلك.
[ ١ / ١٦٦ ]
- ١٨ -