ومن وجوه العشق الوصل، وهو حظ رفيع، ومرتبة سرية، ودرجة عالية، وسعد طالع، بل هو الحياة المجددة، والعيش السني، والسرور الدائم، ورحمة من الله عظيمة. ولولا أن الدنيا ممر ومحنة وكدر، والجنة دار جزاء وأمان من المكاره، لقلنا إن وصل المحبوب هو الصفاء الذي لا كدر فيهن والفرح الذي لا شائبة ولا حزن معه، وكمال الأماني، ومنتهى الأراجي. ولقد جربت اللذات على تصرفها، وأدركت الحظوظ على اختلافها، فما للدنو من السلطان، ولا للمال المستفاد، ولا الوجود بعد العدم، ولا الأوبة بعد طول الغيبة، ولا الأمن من بعد الخوف، ولا التروح على المال، (١) من الموقع في النفس ما للوصل، ولا سيما بعد طول الامتناع، وحلول الهجر (٢)، حتى يتأجج عليه الجوى، ويتوقد لهيب الشوق، وتتضرم نار الرجاء. وما إصناف (٣) النبات بعد غب القطر، ولا إشراق الأزاهير بعد إقلاع
_________________
(١) الترويح: أراد هذه الصيغة بمعنى الراحة، ولو كانت " التريح " لكانت بمعنى الشعور بالأريحية وقرأ برشيه: ولا الأمن من بعد الخوف والنزوح عن الآل؛ وعلى تعسفه في القراءة فإنه يلمح إلى الحال النفسية لدى ابن حزم في فقدانه الأمن ونزوحه عن وطنه وآله بعيد الفتنة.
(٢) وحلول الهجر: لم ترد عند برشيه في النص، وثبت معناها في الترجمة (فسقوطها سهو) .
(٣) إصناف البنات: بدء ظهور إيراقه؛ وغيرها برشيه فجعلها: " لإيراق "، وذلك تحكم منه.
[ ١ / ١٨٠ ]
السحاب الساريات في الزمان السجسج، ولا خرير المياه المتخللة لأفانين النوار، ولا تأنق القصور البيض قد أحدقت بها الرياض (١) الخضر، بأحسن من وصل حبيب قد رضيت أخلاقه، وحمدت غرائزه، وتقابلت في الحسن أوصافه، وأنه لمعجز ألسنة البلغاء، ومقصر فيه بيان الفصحاء، وعنده تطيش الألباب، وتعزب الأفهام؛ وفي ذلك أقول: [من البسيط] .
وسائل لي عما لي من العمر وقد رأى الشيب في الفو دين والعذر
أجبته ساعة لا شيء أحسبه عمرًا سواها بحكم العقل والنظر
فقال لي: كيف ذا بينة لي فلقد أخبرتني أشنع الأنباء والخبر
فقلت إن التي قلبي بها علق قبلتها قبلة يومًا على خطر
فما أعد ولو طالت سني سوى تلك السويعة بالتحقيق من عمري ومن لذيذ معاني الوصل المواعيد، وإن للوعد المنتظر مكانًا لطيفًا من شغاف القلب؛ وهو ينقسم قسمين: أحدهما الوعد بزيارة المحب لمحبوبه، وفيه أقول قطعة منها: [من البسيط] .
أسامير البدر لما أبطأت وأرى في نوره من سنا إشراقها عرضا
(٢) فبت مشترطًا والود مختلطًا والوصل منبسطًا والجهر منقبضا والثاني: انتظار الوعد من المحب أن يزور محبوبه. وإن لمبادئ الوصل وأوائل الإسعاف لتولجًا (٣) على الفؤاد ليس لشيء من الأشياء. وإني لأعرف من كان ممتحنًا بهوى في بعض المنازل المصاقبة فكان
_________________
(١) برشيه: قد أحدقن بالرياض.
(٢) كذا هذا الشطر عند بتروف وغيره، إلا أن برشيه قرأه: فبت مغتبطًا والود معتبطا؛ والأصل والتصحيح عليه كلاهما قلقل، ولم أتبين له وجهًا صحيحًا؛ ولعله لو كان " فبت مختلطاُ والود مشترطًا " لكان ذا معنى.
(٣) برشيه: لثلوجًا.
[ ١ / ١٨١ ]
يصل متى شاء بلا مانع، ولا سبيل إلى غير النظر والمحادثة زمانًا طويلًا، ليلًا متى أحب ونهارًا، إلى أن ساعدته الأقدار بإجابة، ومكنته بإسعاد، بعد يأسه، لطول المدة، ولعهدي به قد كاد أن يختلط عقله فرحًا، وما كاد يتلاحق كلامه سرورًا، فقلت في ذلك: [من البسيط] .
برغبة (١) لو إلى ربي دعوت بها لكان ذنبي عند الله مغفورا
ولو دعوت بها أسد الفلا لغدا إضرارها عن جميع الناس مقصورا
فجاد باللثم لي من بعد منعته فاهتاج من لوعتي ما كان مغمورا
كشارب الماء كي يطفي الغليل به فغص فانصاع في الأجداث مقبورا وقلت: [من المتقارب] .
جرى الحب مني مجرى النفس وأعطيت عيني عنان الفرس
ولي سيد لم يزل نافرًا وربتما جاد لي في الخلس
فقبلته طالبًا راحة فزاد أليلًا بقلبي اليبس
وكان فؤادي كنبت هشيم يبيس رمى فيه رام قبس ومنها:
ويا جوهر الصين سحقًا فقد (٢) غنيت بياقوتة الأندلس خبر:
وإني لأعرف جارية اشتد وجدها بفتى من أبناء الرؤساء، وهو
_________________
(١) برشيه: بي رغبة.
(٢) الجواهر الفاخرة ثلاثة الياقوت والزمرد واللؤلؤ، وليس واحد منها موطنه الصين، وأقربها إلى تلك البلاد الياقوت فإن موطنه سرنديب (انظر الجماهير للبيروني: ٨١، ٣٢ وصفحات أخرى) وقال التيفاشي: من جزيرة خلف سرنديب بأربعين فرسخًا، وهذا يقرب أن تكون الصين أو بعض الجزائر القريبة منها موطنًا له (أزهار الأفكار: ٦٣) ومهما يكن من شيء فإن الشاعر إنما يومئ إلى النفاسة التي تجعل التجار يحملون الجواهر من مكان سحيق.
[ ١ / ١٨٢ ]
لا اعلم عنده، وكثر غمها به (١) وطال أسفها إلى أن ضنيت بحيه، وهو بغرارة الصبا لا يشعر؛ ويمنعها من إبداء أمرها إليه الحياء منه لأنها كانت بكرًا بخاتمها، مع الإجلال له عن الهجوم عليه بما لا تدري لعله لا يوافقه، فلما تمادى الأمر - وكانا إلفين (٢) في النشأة - شكت ذلك إلى امراة جزلة الرأي كانت تثق بها لتوليها تربيتها، فقالت لها: عرضي له بالشعر، ففعلت المرة بعد المرة وهو لا يأبه في كل هذا. ولقد كان لقنًا ذكيًا ولكنه لم يظن ذلك فيميل إلى تفتيش الكلام بوهمه، إلى ان عيل صبرها وضاق صدرها ولم تمسك نفسها في قعدة كانت لها معه في بعض الليالي منفردين، ولقد كان - يعلم الله - عفيفًا متصاونًا بعيدًا عن المعاصي، فلما حان قيامها عنه بدرت إليه فقبلته في فمه ثم ولت في ذلك الحين ولم تكلمه بكلمة، وهي تتهادى في مشيها، كما أقول في أبيات لي: [من البسيط] .
كأنها حين تخطو في تأودها قضيب نرجسة في الروض مياس
كأنما (٣) خطوها في قلب عاشقها ففيه من وقعها خطر ووسواس
كأنما مشيها مشي الحمامة لا كد يعاب ولا بطء به باس فبهت وسقط في يده وفت في عضده ووجد في كبده وعلته وجمة، فما هو إلا أن غابت عن عينه ووقع في شرك الردى، واشتعلت في قلبه النار، وتصعدت أنفاسه، وتردفت أوجاله، وكثر قلقه، وطال أرقه، فما غمض تلك الليلة عينًا، وكان هذا بدء الحب بينهما دهرًا، إلى أن جذت جملتها (٤) يد النوى؛ وإن هذا لمن مصايد إبليس ودواعي الهوى التي لا يقف لها أحد إلا من عصمه الله ﷿.
_________________
(١) به: عند برشيه وحده.
(٢) برشيه: اليقين (والترجمة شاهد على أن لا تصحيف) .
(٣) جميع الطبعات: خلدها.
(٤) برشيه: جملتهما.
[ ١ / ١٨٣ ]
ومن الناس من يقول: إن دوام الوصل يودي بالحب، وهذا هجين من القول، إنما ذلك لأهل الملل، بل كلما زاد وصلًا زاد اتصالًا.
وعني أخبرك أني ما رويت قط من ماء الوصل ولا زادني إلا ظلمًا، وهذا حكم من تداوى بدائه وإن رفه عنه شيئًا ما (١) . ولقد بلغت من التمكن بمن أحب أبعد الغايات التي لا يجد الإنسان وراءها مرمى فما وجدتني إلا مستزيدًا، ولقد طال بي ذلك فما أحسست بسآمة ولا رهقتني فترة.
وقد ضمني مجلس مع بعض من كنت أحب فلم أجل خاطري في فن من فنون الوصل إلا وجدته مقصرًا عن مرادي، وغير شاف وجدي ولا قاض أقل لبانة من لباناتي، ووجدتني كلما ازددت دنوًا ازددت ولوعًا، وقدحت زناد الشوق نار الوجد بين ضلوعي، فقلت في ذلك المجلس: [من الطويل] .
وددت بان القلب شق بمدية وأدخلت فيه ثم أطبق في صدري
فأصبحت فيه لا تحلين غيره إلى مقتضى يوم القيامة والحشر
تعيسين فيه ما حييت فإن أمت سكنت شغاف القلب في ظلم القبر وما في الدنيا حالة تعدل محبين إذا عدما الرقباء وأمنا الوشاة، وسلما من البين ورغبا عن الهجر، وبعدا عن الملل وفقدا العذال، وتوافقا في الأخلاق، وتكافيا في المحبة، وأتاح الله لهما رزقًا دارًا، وعيشًا قارًا، وزمانًا هاديًا، وكان اجتماعهما على ما يرضي الرب من الحلال (٢)، وطالت صحبتهما واتصلت إلى وقت حلول الحمام الذي
_________________
(١) أثبت قراءة برشيه، وعند غيره: تداوى برأيه عنه سريعا.
(٢) في معظم الطبعات: من الحال.
[ ١ / ١٨٤ ]
لا مرد له ولا بد منه، هذا عطاء لم يحصل عليه أحدا، وحاجة لم تقض لكل طالب. ولولا أن مع هذه الحال الإشفاق من بغتات المقادير المحكمة في غيب الله ﷿، من حلول فراق لم يكتسب، واخترام منية في حال الشباب، أو ما أشبه ذلك، لقلت إنها حال بعيدة من كل آفة، وسليمة من كل داخلة.
ولقد رأيت من اجتمع له هذا كله، إلا أنه كان دهي في من كان بحبه بشراسة أخلاق، ودالة على المحبة، فكانا لا يتهنيان العيش ولا تطلع الشمس في يوم إلا وكان بينهما خلاف فيه، وكلاهما كان مطبوعا بهذا الخلق، لثقة كل واحد منهما بمحبة صاحبه، إلى أن دبت النوى بينهما فتفرقا بالموت المرتب لهذا العالم، وفي ذلك أقول: [من المنسرح] .
كيف أذم النوى واظلمها وكل أخلاق من احب نوى
قد كان يكفي هوى أضيق به فكيف إذ حل بي نوى وهوى وروي عن زياد بن أبي سفيان ﵀ انه قال لجلسائه: من انعم الناس عيشة قالوا: أمير المؤمنين. فقال: وأين ما يلقى من قريش قيل: فأنت. قال أين ما ألقى من الخوارج والثغور قيل: فمن أيها الأمير قال: رجل مسلم له زوجة مسلمة لهما كفاف من العيش، قد رضيت به ورضي بها، لا يعرفنا ولا نعرفه (١) .
وهل فيما وافق إعجاب المخلوقين، وجلا القلوب، واستمال الحواس، واستهوى النفوس، واستولى على الأهواء، واقتطع الألباب،
_________________
(١) ورد هذا الخبر في بهجة المجالس ١: ١١٧ على النحو الآتي: قال زياد لجلساته: من أغبط عيشًا؛ قالوا: الأمير وجلساؤه، فقال: ما صنعتم شيئًا إن لأعواد المنابر هيبة، وان لقرع لجام البريد لفزعة، لكن اغبط الناس عندي رجل له دار لا يجري عليه كرؤها، وله زوجة صالحة قد رضيته ورضيها فهما راضيان بعيشهما، لا يعرفنا ولا نعرفه، فإنه إن عرفنا وعرفناه اتعبنا لليه ونهاره، وأفسدنا دينه ودنياه.
[ ١ / ١٨٥ ]
وأختلس العقول، مستحسن يعدل إشفاق محب على محبوب. ولقد شاهدت من هذا المعنى كثيرًا، وإنه لمن المناظر العجيبة الباعثة على الرقة الرائقة المعنى، لا سيما إن كان هوى يكتتم به. فلو رأيت المحبوب حين يعرض بالسؤال عن سبب تغضب بمحبة، وخجلته في الخروج مما وقع فيه بالاعتذار، وتوجيهه إلى غير وجهه، وتحيله في استنباط معنى يقيمه عند جلسائه، لرأيت عجبًا ولذة مخفية لا تقاومها لذة. وما رأيت أجلب للقلوب ولا أغوص على حباتها (١) ولا أنفذ للمقاتل من هذا الفعل. وإن للمحبين في الوصل من الاعتذار ما اعجز أهل الأذهان الذكية والأفكار القية؛ ولقد رأيت في بعض المرات هذا فقلت: [من السريع] .
إذا مزجت الحق بالباطل جوزت ما شئت على الغافل
وفيهما فرق صحيح له علامة تبدو إلى العقل
كالتبر إن تمزح به فضة جازت على كل فتى جاهل
وإن تصادف صائغًا ماهرًا (٢) ميز بين المحض والخائل وإني لأعلم فتى وجارية: كان يكلف كل واحد منهما بصاحبه، فكانا يضطجعان إذا حضرهما أحد وبينهما المسند العظيم من المساند الموضوعة عند ظهور الرؤساء على الفرش، ويلتقي رأساهما وراء المسند ويقبل كل واحد منهما صاحبه ولا يريان، وكأنهما إنما يتمددان من الكلل؛ ولقد كانا بلغا (٣) من تكافيهما في المودة أمرًا عظيمًا، إلى أن كان الفتى المحب ربما استطال عليها؛ وفي ذلك أقول: [من السريع] .
_________________
(١) في جميع الطبعات: حياتها؛ وهو وهم.
(٢) في جميع الطبعات: والحائل - بالحاء المهملة -؛ والخائل: المشتبه الأمر.
(٣) في الطبعات (ماعدا برشيه): " ولقد كان بلغ " ويسأل من يقرأ هذه القراءة بأي شيء نصبت " أمرًا ".
[ ١ / ١٨٦ ]
ومن أعاجيب الزمان التي طمت على السامع والقائل
رغبة مركوب إلى راكب وذلة المسؤول للسائل
وطول مأسور إلى آسر وصولة المقتول للقاتل
ما إن سمعنا في الورى قبلها خضوع مأمول إلى آمل
هل ها هنا وجه تراه سوى تواضع المفعول للفاعل ولقد حدثني امرأة أثق بها أنها شاهدت فتى وجارية كان يجد كل واحد منهما بصاحبه فضل وجد، قد اجتمعا في مكان على طرب، وفي يد الفتى سكين يقطع بها بعض الفواكه، فجرها جرًا زائدًا فقطع إبهامه قطعًا لطيفًا ظهر فيه دم، وكان على الجارية غلالة قصب خزائنية لها قيمة، فصرفت (١) يدها وخرقتها وأخرجت منها فضلة شد بها إبهامه.
وأما هذا الفعل للمحب فقليل في ما يجب عليه، وفرض لازم وشريعة مؤداة، وكيف لا وقد بذل نفسه ووهب روحه، فما يمنع بعدهما.
خبر:
وأنا أدركت بنت زكريا بن يحيى التميمي المعروف بابن برطال (٢)، وعمها كان قاضي الجماعة بقرطبة محمد بن يحيى (٣)
_________________
(١) برشيه: فشرقت.
(٢) زكريا بن يحيى بن زكريا التميمي المعروف بابن برطال، كان فقيهًا نبيلًا في الفتيا وعقد الفرضي ١: ١٧٨ وترتيب المدارك ٤: ٥٦١) واخته بريهة هي أم المنصور بن أبي عامر (الحلة السيراء ١: ٢٧٥) .
(٣) محمد بن يحيى بن زكريا التميمي المعروف بابن برطال (أخو زكريا المتقدم ذكره والخال الثاني للمنصور) له رحلة إلى المشرق وسماع كثير، ولما عاد إلى الاندلس ولا الناصر قضاء كورة رية، وتولى في صدر دولة المؤيد هشام قضاء كورة جيان وأحكام الشرطة فلما توفي ابن زرب (٣٨١) تولى قضاء الجماعة بقرطبة، وبقي حتى سنة ٣٩٢ وقد علت سنه وتفلت ذهنه، فعزل عن القضاء ونقل إلى الوزارة وتوفي ٣٩٤ (وعمره ست وتسعون سنة) (ابن الفرضي ٢: ١٠٧ - ١٠٩ والنباهي: ٨٤ وترتيب المدارك ٤: ٥٦٢) .
[ ١ / ١٨٧ ]
وأخوها (١) الوزير القائد الذي كان قتله غالب وقائدين له في الوقعة المشهورة بالثغور، وهما مروان بن أحمد بن شهيد ويوسف بن سعيد العكي (٢)، وكانت متزوجة بيحيى بن محمد بن الوزير يحيى بن إسحاق (٣)، فعاجلته المنية وهما في أغض عيشهما وأنضر سرورهما، فبلغ من أسفها عليه أن باتت معه في دثار واحد ليلة مات، وجعلته آخر العهد به وبوصله، ثم لم يفارقها الأسف بعده إلى حين موتها.
وإن للوصل المختلس الذي يخاتل به الرقباء ويتحفظ به من الحضر، مثل الضحك المستور والنحنحة وجولان الأيدي والضغط بالأجناب والقرص باليد والرجل، لموقعًا من النفس شهيًا؛ وفي ذلك الوقت أقول: [من المديد] .
إن للوصل الخفي محلًا ليس للوصل المكين الجلي
لذة تمزجها بارتقاب كمسير في خلال النقي خبر:
ولقد حدثني ثقة من إخواني جليل من أهل البيوتات أنه كان علق في صباه جارية كانت في بعض دور آله، وكان ممنوعًا منها، فهام عقله
_________________
(١) في جميع الطبعات: وأخوه، والتصويب من عمل بروفنسال استنادًا إلى الوقائع التاريخية (الأندلس: ٣٥٣) .
(٢) كانت هذه الوقعة سنة ٣٧٠هـ بين المنصور وغالب بن عبد الرحمن (انظر البيان المغرب ٢: ٢٧٩)؛ وقد كان مروان بن احمد بن شهيد من رجالات الدولة أيام الحكم، أرسله سنة ٣٦٣ إلى العسكر المقيم بالعدوة خازنًا على أوقار الأموال التي وجبت للجند وغيرهم، وعاد في ذي الحجة من العام نفسه (المقتبس، ط. بيروت، ص: ١٦٨، ١٨٣) ولم أجد ذكرًا ليوسف بن سعيد العكي؛ ولكن ابن الفرضي ترجم لمن اسمه سعيد بن مرشد العكي وجعل وفاته سنة ٣٧٣ (ابن الفرضي ١: ٢٠٤) .
(٣) يحيى بن اسحاق الوزير - فيما ذكر ابن حزم نفسه - أديب فاضل غلب عليه الطب فبرع فيه وذكر به، وله في ذلك كتب نافعة يعتمد عليها (الجذوة: ٣٥١ والبغية رقم: ١٤٦) ولم أجد ذكرًا لابنه محمد ولا لحفيده يحيى الذي يدور الخبر حوله وحول زوجه بنت ابن برطال.
[ ١ / ١٨٨ ]
بها؛ قال لي: فتنزهنا يومًا إلى بعض ضياعنا بالسهلة غربي قرطبة مع بعض أعمامي، فتمشينا في البساتين وأبعدنا عن المنازل وانبسطنا على الأنهار، إلى أن غيمت السماء وأقبل الغيث، فلم يكن بالحضرة من الغطاء ما يكفي الجميع؛ قال: فأمر عمي ببعض الأغطية فألقي علي وأمرها بالاكتنان معي، فظن بما شئت من التمكن على أعين الملأ وهم لا يشعرون، ويا لك من جمع كخلاء، واحتفال كانفراد، قال لي: فوالله لا نسيت ذلك اليوم أبدًا. ولعهدي به وهو يحدثني بهذا الحديث وأعضاؤه كلها تضحك وهو يهتز فرحًا على بعد العهد وامتداد الزمان؛ ففي ذلك أقول شعرًا منه: [من الخفيف] .
يضحك الروض والسحائب تبكي كحبيب رآه صب معنى خبر:
ومن بديع الوصل ما حدثني به بعض إخواني أنه كان في بعض المنازل المصاقبة له هوى، وكان في المنزلين موضع مطلع من أحدهما على الآخر، فكانت تقف له في ذلك الموضع، وكان فيه بعض البعد (١)، فتسلم عليه ويدها ملفوفة في قميصها. فخاطبها مستخبرًا لها عن ذلك فأجابته: إنه ربما أحس من أمرنا شيء فوقف لك غيري فسلم عليك فرددت عليه فصح الظن، فهذه علامة بيني وبينك، فإذا رأيت يدًا مكشوفة تشير نحوك بالسلام فليست يدي، فلا تجاوب.
وربما استحلي الوصال واتفقت القلوب حتى يقع التجليح (٢) في الوصال، فلا يلفت إلى لائم ولا يستتر من حافظ ولا يبالي بناقل، بل العذل حينئذ يغري؛ وفي صفة الوصل أقول شعرًا منه: [من السريع] .
_________________
(١) برشيه: البهو.
(٢) التجليح: ركوب الرأس والمكالحة، (وقد مر: ١٤٩) .
[ ١ / ١٨٩ ]
كم درت حول الحب حتى لقد حصلت فيه كحصول الفراش ومنه:
تعشو إلى الوصل دواعي الهوى كما سرى سنا النار عاش ومنه:
عللني بالوصل من سيدي كمثل تعليل الظماء العطاش ومنه:
لا توقف العين على غاية فالحسن فيه مستزيد وفاش (١) وأقول من قصيدة لي: [من السريع] .
هل لقتيل الحب من (٢) وادي أم هل لعاني الحب من فادي
أم هل لدهري عودة نحوها كمثل يوم مر في الوادي
ظللت فيه سابحًا صاديًا يا عجبًا للسابح الصادي
ضنيت يا مولاي وجدًا فما تبصرني ألحاظ عوادي
كيف اهتدى الوجد إلى غائب عن أعين الحاضر والبادي
مل مداواتي طبيبي فقد يرحمني للسقم حسادي
_________________
(١) هذه هي قراءة برشيه؛ وفي سائر المطبوعات " وباش " ولا أدري ما معناه.
(٢) وادي: اسم فاعل من " ودى " بمعنى دافع الدية.
[ ١ / ١٩٠ ]
- ٢١ -