ومن الناس من لا تصح محبته إلا بعد طول المخافتة (١) وكثير المشاهدة وتمادى الأنس، وهذا الذي يوشك أن يدوم ويثبت ولا يحيك فيه مر الليالي، فما دخل عسيرًا لم يخرج يسيرًا، وهذا مذهبي. وقد جاء في الأثر أن الله ﷿ قال للروح حين أمره أن يدخل جسد آدم، وهو فخار، فهاب وجزع: ادخل كرهًا واخرج كرهًا. حدثناه عن شيوخنا.
ولقد رأيت من أهل هذه الصفة من إن أحس من نفسه بابتداء هوى أو توجس من استحسانه ميلًا إلى بعض الصور استعمل الهجر وترك الإلمام، لئلا يزيد ما يجد فيخرج الأمر عن يديه، ويحال بين العير والنزوان (٢) . وهذا يدل على لصوق الحب بأكباد أهل هذه الصفة، وأنه إذا تمكن منهم لم يحل أبدًا. وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الوافر]
_________________
(١) قرأها برشيه: المحادثة.
(٢) وقد حيل بين العير والنزوان: مثل؛ من قول صخر أخي الخنساء: أهم بأمر الحزم لو أستيطعه وقد حيل بين العير والنزوان فصل المقال: ٧٢.
[ ١ / ١٢٤ ]
سأبعد عن دواعي الحب إني رأيت الحزم من صفة الرشيد
رأيت الحب أوله التصدي بعينك في أزاهير الخدود
فبينا أنت مغتبط مخلى إذا قد صرت في حلق القيود
كمغتر بضحضاح قريب فزل فغاب في غمر المدود وإني لأطيل العجب من كل من يدعي أنه يحب من نظرة واحدة، ولا أكاد أصدقه، ولا أجعل حبه إلا ضربًا من الشهوة، وأما أن يكون في ظني متمكنًا من صميم الفؤاد نافذًا في حجاب القلب فما أقدر ذلك، وما لصق بأحشائي حب قط إلا مع الزمن الطويل وبعد ملازمة الشخص لي دهرًا وأخذي معه في كل جد وهزل، وكذلك أنا في السلو والتوقي، فما نسيت ودًا لي قط، وإن حنيني إلى كل عهد تقدم لي ليغصني بالطعام ويشرقني بالماء، وقد استراح من لم تكن هذه صفته. وما مللت شيئًا قط بعد معرفتي به، ولا أسرعت إلى الأنس مذ كنت، لا أقول الألاف والإخوان وحدهم، لكن في كل ما يستعمل الإنسان من ملبوس ومركوب ومطعوم وغير ذلك، وما انتفعت بعيش ولا فارقني الإطراق والانغلاق (١) مذ ذقت طعم فراق الأحبة، وإنه لشجى يعتادني وولوع هم ما ينفعك يطرقني، ولقد نغص تذكري ما مضى كل عيش استأنفه، وإني لقتيل الهموم في عداد الأحياء، ودفين الأسى بين أهل الدنيا. والله المحمود على كل حال لا إله إلا هو؛ وفي ذلك أقول شعرًا منه: [من الطويل]
محبة صدق لم تكن بنت ساعة ولا وريت حين ارتفاد (٢) زنادها
ولكن على مهل سرت وتولدت بطول امتزاج فاستقر عمادها
_________________
(١) في أكثر الطبعات: والانفلاق - بالفاء - ولا أدري له معنى.
(٢) في الطبعات: ارتياد، والارتفاد هو الاستعانة في القدح بحجر القدح عند استعمال الزناد.
[ ١ / ١٢٥ ]
فلم يدن منها عزمها وانتفاضها (١) ولم ينأ عنها مكثها وازديادها
يؤكد ذا أنا نرى كل نشأة (٢) تتم سريعًا عن قريب نفادها
ولكني أرض عزاز صليبة منيع إلى كل الغروس انقيادها
فما نفذت منها لديها عروقها فليست تبالي أن تجود عهادها ولا يظن ظان ولا يتوهم متوهم أن كل هذا مخالف لقولي المسطر صدر الرسالة: إن الحب اتصال بين النفوس في أصل عالمها العلوي (٣)، بل هو مؤكد له. فقد علمنا أن النفس في هذا العالم الأدنى قد غمرتها الحجب، ولحقتها الأعراض، وأحاطت بها الطبائع الأرضية الكونية (٤)، فسترت كثيرًا من صفاتها وإن كانت لم تحله، لكن حالت دونه، فلا يرجى الاتصال على الحقيقة إلا بعد التهيؤ من النفس والاستعداد له، وبعد إيصال المعرفة إليها بما يشاكلها ويوافقها، ومقابلة الطبائع التي خفيت بما يشابهها من طبائع المحبوب، فحينئذ يتصل اتصلًا صحيحًا بلا مانع.
وأما ما يقع من أول وهلة ببعض أعراض الاستحسان الجسدي، واستطراف البصر الذي لا يجاوز الألوان، فهذا سر الشهوة (٥) ومعناها على الحقيقة، فإذا فضلت (٦) الشهوة وتجاوزت هذا الحد ووافق الفضل اتصال نفساني تشترك فيه الطبائع مع النفس تسمى
_________________
(١) عزمها وانتقاضها: قرأها يرشيه غربها وانتقاصها؛ وكلمة " انتقاصها " تقابل " ازديادها " ولكن " غربها " لا تقابل " مكثها ".
(٢) جاءت في بعض الطبعات: معادها.
(٣) انظر ما تقدم ص: ٩٣.
(٤) برشيه: الكورية.
(٥) من الجائز أن تكون هذه العبارة: " وأما ما يقع من أول وهلة، فبعض أعراض الاستحسان الجسدي واستطراف البصر الذي لا يجاوز الألوان، وهذا سر الشهوة " ويكون جواب " أما " هو " فبعض ".
(٦) قراءة بتروف: فصلت؛ وتصحيحها إلى " فضلت " أمر يلتئم مع قوله: " ووافق الفضل اتصال نفساني؛ وفي معظم الطبعات: " غلبت ".
[ ١ / ١٢٦ ]
عشقًا. ومن هذا (١) دخل الغلط على من يزعم انه يحب اثنين ويعشق شخصين متغايرين، فإنما هذا من جهة الشهوة التي ذكرناها آنفًا، وهي على المجاز تسمى محبة لا على التحقيق، وأما نفس المحب فما في الميل به فضل يصرفه في أسباب دينه ودنياه فكيف بالاشتغال بحب ثان! وفي ذلك أقول (٢): [من الخفيف]
كذب المدعي هوى اثنين حتمًا مثل ما في الأصول أكذب ماني (٣)
ليس في القلب موضع لحبيبي (٤) ن ولا أحدث الأمور بثاني
فكما العقل واحد ليس يدري خالقًا غير واحد رحمان
فكذا القلب واحد ليس يهوى غير فرد مباعد أو مدان
هو في شرعة المودة ذو شر ك (٥) بعيد من صحة الإيمان
وكذا الدين واحد مستقيم وكفور من عقدة (٦) دينان وإني لأعرف فتى من أهل الجدة (٧) والحسب والأدب كان يبتاع الجارية وهي سالمة الصدر من حبه، وأكثر من ذلك كارهة له لقلة حلاوة شمائل كانت فيه، وقطوب دائم كان لا يفارقه ولا سيما مع النساء، فكان لا يلبث إلا يسيرًا ريثما يصل إليها بالجماع ويعود ذلك الكره حبًا مفرطًا وكلفًا زائدًا واستهتارًا مكشوفًا، ويتحول الضجر
_________________
(١) من قوله: ومن هذا حتى آخر الأبيات النونية ورد في روضة المحبين: ٢٨٩ - ٢٩٠.
(٢) أورد ابن أبي حجلة هذه الأبيات (ما عدا الأول) في ديوان الصبابة: ٤١، وجعل الرابع منها آخرًا وأوردها ابن القيم في روضة المحبين: ٢٩٠.
(٣) ماني مؤسس مذهب المانوية، وهو قائم على الأثنينية إذ يقول ان مبدأ العالم كونان أحدهما نور والآخر ظلمة، كل واحد منهما منفصل عن الآخر (انظر تفصيلًا لمذهبه عند ابن النديم في الفهرست: ٣٩٢ - ٤٠٢) .
(٤) روضة المحبين وديوان الصبابة: اثنان.
(٥) في ص: شك، والتصويب عن ديوان الصبابة.
(٦) في معظم الطبعات وفي ديوان الصبابة وروضة المحبين: عنده؛ وما أثبته أدق.
(٧) في أكثر الطبعات (ما عدا برشيه): الجد.
[ ١ / ١٢٧ ]
لصحبته ضجرًا لفراقه. صحبه هذا الأمر في عدة منهن، فقال بعض إخواني، فسألته عن ذلك فتبسم نحوي وقال: إذًا والله أخبرك، أنا أبطأ الناس إنزالًا، تقضي المرأة شهوتها وربما ثنت وإنزالي وشهوتي لم ينقضيا بعد، وما فترات بعدها (١) قط، وإني لأبقى بمنتي (٢) بعد انقضائها الحين الصالح، وما لاقى صدري صدر امرأة قط عند الخلوة إلا عند تعمدي المعانقة، وبحسب ارتفاع صدري نزول مؤخري.
فمثل هذا وشبهه إذا وقع (٣) وافق أخلاق النفس وولد المحبة، إذ الأعضاء الحساسة مسالك إلى النفوس ومؤديات نحوها.
_________________
(١) برشيه: قبلها.
(٢) بمنتي: قراءة الصيرفي وتابعه على ذلك مكي؛ بتروف: بحسبي، برشيه: بحبسي.
(٣) وقع: لن ترد إلا عند برشيه، والقراءات الأخرى: فمثل هذا إذا وافق ولد المحبة الخ.
[ ١ / ١٢٨ ]
- ٧ -