هكذا أسماها ابن خير في فهرسته (١)، كما سميت أحيانًا " بيان فضل الأندلس وذكر علمائه "، ولم أعثر على أصل مخطوط لها، وإنما أوردها المقري في نفح الطيب (٢)، وذكر أن الحسن بن محمد التميمي القيرواني المعروف بابن الربيب (٣)
_________________
(١) فهرسة ابن خير: ٢٢٦.
(٢) نفح الطيب ٣: ١٥٨ - ١٧٩.
(٣) ترجم له العمري في المسالك ١: ٣١٩ نقلًا عن الأنموذج لابن رشيق وسماه " الحسين " وقال إن أصله من تاهرت وكان عارفًا بالأدب وعلم النسب، قوي الكلام يتكلفه بعض تكلف.
[ ٢ / ٣٥ ]
كتب إلى أبي المغيرة ابن حزمن حزم (ابن عم الفقيه) رسالة (١) يذكر فيها تقصير أهل الأندلس في تخليد أخبار علمائهم ومآثر فضلائهم وسير ملوكهم ويقول فيها: " فإن قلت إنه كان ذلك من علمائكم وألفوا كتبًا لكنها لم تصل إلينا فهذه دعوى لم يصحبها تحقيق لأنه ليس بيننا وبينكم إلا روحة راكب أو دلجة قارب، لو نفث ببلدكم مصدور، لأسمع ببلدنا في القبور، فضلًا عمن في الدور والقصور، وتلقوا قوله بالقبول كما تلقوا ديوان ابن عبد ربه منكم الذي سماه ب " العقد "، على أنه يلحقه فيه بعض اللوم إذ لم يجعل فضائل بلده واسطة عقده، ومناقب ملوكه يتيمة سلكه ".
وقد أورد ابن بسام فصولًا من ردّ أبي المغيرة على القروي (٢) قال في بعضها: " وأنا أعلم أن عندكم لنا تواليف تطيرون بها " ويقول ابن بسام إن أبا المغيرة خرج إلى التطويل، وختم رسالته بذكر جملة من تواليف أهل الأندلس " (٣) .
واطلع ابن حزم أبو محمد على رسالة ابن الربيب بعد وفاة صاحبها فكتب رسالته هذه في الرد عليها، والأرجح أن رسالة ابن الربيب حفزته إلى أن يضع رسالة مطولة في تاريخ الفكر الأندلسي فجاءت هذه الرسالة. ويذكر ابن الأبار (٤) أن ابن حزم صنع هذه الرسالة لمحمد بن عبد الله بن أحمد الفهري، يمن الدولة، صاحب البونت (من أعمال بلنسية) وأطال الثناء عليه وعلى سلفه في الرسالة، وهذا واضح في الفقرة الثانية منها. ولا تعارض بين ما قاله ابن الأبار وقول الحميدي (٥) إنه خاطب بها صديقه أبا بكر ابن إسحاق، فالسالة قد أدت الأمرين معًا، وفي مطلعها: " أما بعد يا أخي يا أبا بكر "، وإنما وجهها إلى أبي بكر لأنه وجد في أحد أدراج مكتبته رسالة القروي موجهة إلى رجل أندلسي لم يعين باسمه، والخلاف بين ما يقوله ابن بسام (ثم المقري) وما يقوله ابن حزم أبو محمد واضح. ترى هل كان أبو محمد يجهل حقًا الشخص الذي أرسلت إليه الرسالة ذلك ما لا ريب فيه، فلو عرفه لم يكن له غرض في إخفاء اسمه، ولا حاجة به إلى مجانبة الصد أو إلى استعمال التقية، وتفسير هذا الخلاف أن أبا بكر محمد بن إسحاق كان يملك نسخة من رسالة القروي لم يذكر فيها عنوان الشخص الذي إليه أرسلت.
_________________
(١) أوردها المقري في النفح ٣: ١٥٦ - ١٥٨ وابن بسام ١/١: ١٣٣.
(٢) الذخيرة ١/١: ١٣٦.
(٣) المصدر نفسه: ١٣٩.
(٤) التكملة: ٣٨٨.
(٥) الجذوة: ٤٢.
[ ٢ / ٣٦ ]
ولما كانت الرسالة قد ألفت باسم يم الدولة صاحب البونت فلا بد من أن تكون قد كتبت في الفترة الواقعة بين ٤٢١ ٤٣٤ وهي الفترة التي تولى فيها يمن الدولة الحكم (١)، وابن حزم لا يذكر له لقبًا في رسالته، ولو كنا نعلم في أي عام انتحل ابن قاسم ذلك اللقب لكان تحديد تاريخ تلك الرسالة أدق.
وقد نثر الحميدي معظم فقرات هذه الرسالة في جذوة المقتبس موزعة على التراجم، ولذا يعد نصّ الجذوة هامًا لمقارنته بالصورة التي أوردها المقري؛ وكنت استخرجت هذه الرسالة من نفح الطيب ونشرتها في كتابي " تاريخ الأدب الأندلسي عصر سيادة قرطبة " (الطبعة الأولى ١٩٦٠) ص ٢٩٢ ٣١٣، ثم نشرها الدكتور صلاح الدين المنجد مع رسالة الشقندي (وهي أيضًا في نفح الطيب) تحت عنوان: فضائل أهل الأندلس وأهلها (بيروت ١٩٦٨) وللأستاذ جعفر ماجد بحث حولها نشره في حوليات الجامعة التونسية عدد ١٣ (١٩٧٦) بعنوان " رسالة ابن الربيب ورد ابن حزم ".
وبعد أن يذكر ابن حزم السبب الذي حداه إلى كتابة الرسالة والثناء على من كتبت باسمه يتحدث عن فضائل الأندلس ويربطها بحديث أم حرام بنت ملحان (وفيه بشر الرسول بأن المجاهدين في البحر كالملوك على الأسرة) ويبين أن قرطبة تقع بحسب قسمة الأقاليم مع سُرَّ من رأى ولذلك فإن حظ أهلها من الذكاء غير قليل بحسب التقديرات الفلكية. وإذا عاب عائب الأندلس أو قرطبة بقلة التآليف فإن ذلك لو صح لكان منطبقًا على القيروان نفسها لأنه لم يؤلف فيها وفي بعض المدن الأفريقية الأخرى إلا محمد بن يوسف الوراق وو أندلسي لأنه هاجر إل الأندلس وإن نشأ بالقيروان. وهنا يستطرد ابن حزم ليحدد مدلول لفظة " أندلسي " وعلى من تطلق؛ فيرى أن الأندلسي، سوى المقيم الذي يموت في بلده، هو كل شخص هاجر إلى الأندلس وأقام فيها ومات هنالك، مل أبي علي القالي، فأما الأندلسي الذي غادر بلده ول يعد إليه وتوفي في بلاد غريبة فإنه لا يعد أندلسيًا مثل محمد بن هانئ.
ثم يعود ليعرض للكتب التي خلدت مآثر البلدان العريقة كبغداد والبصرة والكوفة فلا يجد منها إلا القليل. فأما البلدان الأخرى مثل الجبال وخراسان وكرمان والسند والري الخ فيصرح ابن حزم بأنه لم ير فيها تآليف تخلد ذكر ملوكها وعلمائها وشعرائها، ولو وجد شيء من ذلك لوصل إلى الأندلس كما وصلت كتب من
_________________
(١) أعمال الأعلام: ٢٠٨.
[ ٢ / ٣٧ ]
مؤلفات المشارقة وأهل المغرب.
ويقف ابن حزم وقفة غير قصيرة نسبيًا من تنكر الأندلسيين للعالم المرموق فيهم، وكأنه يقدم لنا هنا حديثًا ذاتيًا عن المرء إذا تميز على نظرائه أو خالفهم في طريقتهم المعهودة، وكلا الأمرين يمثله ابن حزم.
وبعد ذلك يتولى الردّ العملي القائم على الإحصاء والتقييم فيتناول مؤلفات الأندلسيين التي تستحق أن تذكر وتكون موضع اعتزاز في العلوم المختلفة بحسب الترتيب التالي:
علوم الشريعة (الفقه والتفسير والدراسات القرآنية جملة والحديث) - اللغة - الشعر - الأخبار (التاريخ) - الطب - الفلسفة - العدد والهندسة - سبعة علوم، لا يؤلف عالم عاقل إلا في أحدها (١) . ويختم رسالته بتوضيح السبب الذي جعل الاتجاه إلى علم الكلام بالأندلس ضعيفًا ويشير إلى بعض جهوده في نطاق المذهب الظاهري، ثم يميز ذكر بعض الشعراء والبلغاء الأندلسيين مقارنًا بينهم وبين نظرائهم من المشارقة.
هذه صورة موجزة لبنية الرسالة، وقد كتب ابن سعيد تذييلًا عليها (٢)، واستدرك بعض الكتب التي لم يذكرها ابن حزم لمعاصريه، مثل كتب مكي بن أبي طالب، وهو ممن له مناظرات مع ابن حزم، ولعل ذلك يعود إلى أن تلك الكتب لم تكن في نظر ابن حزم قيمة أو أنها كتبت بعد تاريخ الرسالة، وكذلك ذكر كتاب المتين لابن حيان وكتبًا أخرى لابن عبد البر وكتابًا لابن الفرضي في أخبار الشعراء وتاريخ الغزال نظمًا، وهذا يدل على أن رسالة ابن حزم أغفلت كتبًا كثيرة، ولم يكتب لها الاستيفاء المرجو، وربما كان السبب في ذلك تمييز مؤلفها عمدًا بين كتب جديرة بالذكر وأخرى غير جديرة بذلك، وأنها كتبت في تاريخ مبكر من حياة ابن حزم ولم يعد النظر فيها ليضيف إليها ما جدَّ بعد تأليفها.