(١) [صدر الرسالة]
قال أبو محمد عفا الله عنه:
أفضل ما ابتدئ به حمد الله ﷿ بما هو أهله، ثم الصلاة على محمد عبده ورسوله خاصة وعلى جميع أنبيائه عامة، وبعد -
عصمنا الله وإياك من الحيرة، ولا حملنا ما لا طاقة لنا به، وقيض لنا من جميل عونه دليلًا هاديًا إلى طاعته، ووهبنا من توفيقه أدبًا صارفًا عن معاصيه، ولا وكلنا إلى ضعف عزائمنا، وخور قوانا، ووهاء بنيتنا، وتلدد آرائنا (١)، وسوء اختيارنا، وقلة تمييزنا، وفساد أهوائنا - فإن كتابك وردني من مدينة المرية (٢) إلى مسكني بحضرة شاطبة (٣)، تذكر من حسن حالك ما يسرني، وحمدت الله ﷿
_________________
(١) قد تقرأ أيضًا " آرابنا "، والتلدد: التحير.
(٢) المرية (ِ almeria): بنيت عام ٣٤٤ وأصبحت أهم قاعدة للأسطول الاندلسي على البحر المتوسط. (انظر الروض: ٥٣٧/١٨٣ والترجمة: ٢٢١ والزهري: ١٠١ والعذري: ٨٦) .
(٣) شاطبة (Jativa): تقع إلى الجنوب الغربي من بلنسية، وكانت في الأيام الاسلامية مدينة حصينة يعمل بها كاغد لا نظير له (الروض: ٣٣٧؛ والادريسي (دوزي): ١٩٢ والعذري: ١٨ وآثار البلاد: ٥٣٩) .
[ ١ / ٨٤ ]
عليه واستدمته لك، واستزدته فيك؛ ثم لم ألبث أن اطلع (١) علي شخصك وقصدتني بنفسك، على بعد الشقة وتنائي الديار وشحط المزار وطول المسافة وغول الطريق؛ وفي دون هذا ما سلى المشتاق، ونسى الذاكر، إلا من تمسك بحبل الوفاء مثلك، ورعى سالف الأذمة ووكيد المودات وحق النشأة ومحبة الصبا، وكانت مودته الله تعالى. ولقد أثبت بيننا من ذلك ما نحن عليه حامدون وشاكرون.
وكانت معانيك (٢) في كتابك زائدة على ما عهدته من سائر كتبك، ثم كشفت إلي بإقبالك غرضك، وأطلعتني على مذهبك، سجية لم تزل عليها من مشاركتك لي في حلوك ومرك، وسرك وجهرك، يحدوك الود الصحيح الذي أنا لك على أضعافه، لا أبتغي جزاء غير مقابلته بمثله؛ وفي ذلك أقول مخاطبًا لعبيد الله بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أمير المؤمنين الناصر (٣) ﵀ في كلمة لي طويلة وكان لي صديقًا: [من الطويل]
أودك ودًا ليس فيه غضاضة وبعض مودات الرجال سراب
وأمحضك النصح الصريح وفي الحشا لودك نقش ظاهر وكتاب
فلو كان في روحي سواك اقتلعته ومزق بالكفين عنه إهاب
وما لي غير الود منك إرادة ولا في سواه لي إليك خطاب
_________________
(١) اطلع بمعنى طلع.
(٢) قرأها برشيه: مغازيك.
(٣) المغيرة بن أمير المؤمنين الناصر قتل خنقًا صبيحة الليلة التي مات فيها أخوه الحكم المستنصر في مؤامرة شرحها ابن حيان؛ (انظر الذخيرة لابن بسام ٤/١: ٥٨ ط. بيروت) كي تكون البيعة مضمونة لأخيه الأصغر هشام المؤيد؛ وهذا هو صديقه الذي يذكره هنا في الطوق، وقوله " ﵀ " يدل على أنه كان قد توفي قبل تأليف طوق الحمامة، ولكنه خلف عقبًا كان ابن حزم يعرفهم أيضًا.
[ ١ / ٨٥ ]
إذا حزته فالأرض جمعاء والورى (١) هباء وسكان البلاد ذباب وكلفتني - أعزك الله - أن أصنف لك رسالة في صفة الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه، وما يقع فيه وله (٢) على سبيل الحقيقة، لا متزايدًا ولا مفننًا، لكن موردًا لما يحضرني على وجهه وبحسب وقوعه، حيث انتهى حفظي وسعة باعي فيما أذكره، فبدرت (٣) إلى مرغوبك، ولولا الإيجاب لك لما تكلفته، فهذا من العفو، والأولى بنا مع قصر أعمارنا ألا نصرفها إلا فيما نرجو به رحب المنقلب وحسن المآب غدًا، وغن كان القاضي حمام بن احمد (٤) حدثني عن يحيى ابن مالك بن عائذ (٥) بإسناد يرفعه إلى أبي الدرداء أنه قال: أجموا النفوس بشيء من الباطل ليكون عونًا لها على الحق (٦)؛ ومن أقوال الصالحين من السلف المرضي: من لم يحسن يتفتى لم يحسن
_________________
(١) يعارض ابن حزم هنا - في هذه الأبيات - المتنبي وأبا فراس، وبيته هذا الأخير يذكر بقول أحدهما: إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب (٢) يقع فيه وله: ي يحدث أثناءه ومن أجله وبسببه؛ ومن قرأ " يحدث فيه [من] وله " فإنما يوجه العبارة وجهة خاصة، إذ ليس كل ما يحدث في الحب ولهًا.
(٢) تقرأ أيضًا: فبادرت، وهما بمعنى.
(٣) حمام بن أحمد بن عبد الله: كان - في رأي ابن حزم - واحد عصره في البلاغة وسعة الرواية، ضابطًا لما قيده، ولي قضاء يابرة وشنترين والاشبونة وسائر الغرب أيام عبد الملك المظفر ابن المنصور وأخيه عبد الرحمن، وتوفي بقرطبة (٤٢١)؛ (انظر ترجمته في الصلة: ١٥٣ والجذوة: ١٨٧؛ والبغية رقم: ٦٧٧) .
(٤) في مختلف الطبعات: يحيى بن مالك عن عائذ؛ وهو يحيى بن مالك بن عائذ بن كيسان، أبو زكرياء مولى هاشم بن عبد الملك، من أهل طرطوشة، سمع ببلده ورحل إلى المشرق (٣٤٧) وتردد هنالك نحوًا من اثنتين وعشرين سنة وكتب عن طبقات من المحدثين بمصر وبغداد والبصرة والأهواز، وعاد إلى بلده (٣٦٩) فسمع من ضروب من الناس وطبقات من أهل العلم، وكانت وفاته بقرطبة سنة ٣٧٥ (انظر ابن الفرضي ٢: ١٩١ والجذوة: ٣٥٦ والبغية رقم: ١٤٩٢) .
(٥) ورد قول أبي الدرداء في بهجة المجالس (١: ١١٥) " إني لأستجم قلبي بشيء من اللهو ليكون أقوى لي على الحق ".
[ ١ / ٨٦ ]
يتقرأ (١) . وفي بعض الأثر: أريحوا النفوس فإنها تصدأ كما يصدأ الحديد (٢) .
والذي كلفتني فلا بد فيه من ذكر ما شاهدته حضرتي، وأدركته عنايتي، وحدثني به الثقات من أهل زماني، فاغتفر لي الكناية عن الأسماء فهي إما عورة لا نستجيز كشفها، وإما نحافظ في ذلك صديقًا ودودًا ورجلًا جليلًا وبحسبي أن اسمي من لا ضرر في تسميته ولا يلحقنا والمسمى عيب في ذكره، إما لاشتهار لا يغني عنه الطي وترك التبيين، وإما لرضى من المخبر عنه بظهور خبره وقلة إنكار منه لنقله.
سأورد في رسالتي هذه أشعارًا قلتها فيما شاهدته، فلا تنكر أنت ومن رآها - علي أني سالك فيها مسلك حاكي الحديث عن نفسه، فهذا مذهب المتحلين بقول الشعر، وأكثر من ذلك فإن إخواني يجشمونني القول فيما يعرض لهم على طرائقهم ومذاهبهم. وكفاني أني ذاكر لك ما عرض لي مما يشاكل ما نحوت نحوه وناسبه إلي.
والتزمت في كتابي هذا الوقوف عند حدك، والاقتصار على ما رأيت أو صح عندي بنقل الثقات، ودعني من أخبار الأعراب المتقدمين، فسبيلهم غير سبيلنا، وقد كثرت الأخبار عنهم، وما مذهبي أن أنضي مطية سواي، ولا أتحلى بحلي مستعار، والله المستغفر والمستعان لا رب غيره.
_________________
(١) في معظم الطبعات: يتقوى؛ ولا معنى لها، وقرأها برشيه: يتقرى؛ وهي بالألف الطويلة يتقرأ لأنها مخففة عن " يتقرأ " أي يتنسك؛ والمتقرئ: الناسك، وفي أخبار أبي عمرو ابن العلاء أنه لما تقرأ طمر كتبه؛ والمعنى: إذا لم يحسن المرء أن يتفنى في فترة الفتوة، لم يستطع أن يتنسك حين يقع في دور النسك.
(٢) من أقوالهم: " حادثوا هذه القلوب فإنها تصدأ كما يصدأ الحديد " (بهجة المجالس ١: ١١٦) ومعنى حادثوا: اصقلوا.
[ ١ / ٨٧ ]
(٢) [أبواب الرسالة]
وقسمت رسالتي هذه على ثلاثين بابًا:
منها في أصول الحب عشرة:
فأولها هذا الباب (١)؛ ثم باب في علامات الحب، ثم باب فيه ذكر من احب في النوم، ثم باب فيه ذكر من احب بالوصف، ثم باب فيه ذكر من احب من نظرة واحدة، ثم باب فيه ذكر من لا يصح محبته إلا مع المطاولة، ثم باب التعريض بالقول، ثم باب الاشارة بالعين، ثم باب المراسلة، ثم باب السفير.
ومنها في أغراض الحب وصفاته المحمودة والمذمومة اثنا عشر بابًا - وإن كان الحب عرضًا، والعرض لا يحتمل الأعراض (٢)، وصفة، والصفة لا توصف، فهذا على مجاز اللغة في إقامة الصفة مقام الموصوف، وعلى معنى قولنا: وجودنا عرضًا أقل في الحقيقة من عرض غيره وأكثر وأحسن وأقبح، في إدراكنا لها [و] علمنا انها متباينة في الزيادة والنقصان (٣) من ذاتها المرئية والمعلومة، إذ لا تقع فيها الكمية ولا تجزي، لأنها لا تشغل مكانًا - وهي:
باب الصديق المساعد، ثم باب الوصل، ثم باب طي السير، ثم باب الكشف والاذاعة، ثم باب الطاعة، ثم باب المخالفة، ثم باب
_________________
(١) يعني: " أولها هذا الباب الذي نحن فيه وفيه صدر الرسالة وتقسيم الأبواب والكلام في ماهية الحب "، فالكلام ماهية الحب جزء من الباب الأول يسبقه جزءان آخران هما فاتحة الكتاب وذكر الأبواب.
(٢) يقول ابن حزم (الفصل ٥: ١٠٨) ولسنا نقول إن عرضًا إلى ما لا نهاية له قلت: وفي هذا إيماء إلى أن العرض قد يحمل عرضًا، وقد صرح في موضع آخر (الفصل ٥: ٤٧) ان بعض الأعراض قد يحمل الأعراض كقولنا: حمرة مشرقة وحمرة كدرة وعمل سيء وعمل صالح وقوة شديدة وقوة دونها في الشدة، ومثل هذا كثير.
(٣) قولنا والنقصان: عبارة تبدو مضطربة.
[ ١ / ٨٨ ]
من احب صفة لم يحب بعدها غيرها مما يخالفها، ثم باب القنوع، ثم باب الوفاء، ثم باب الغدر، ثم باب الضنى، ثم باب الموت.
ومنها في الآفات الداخلة على الحب ستة أبواب وهي:
باب العادل، ثم باب الرقيب، ثم باب الواشي، ثم باب الهجر، ثم باب البين، ثم باب السلو.
ومن هذه الأبواب الستة بابان لكل واحد منهما ضد من الأبواب المتقدمة الذكر، وهما:
باب العاذل، وضده باب الصديق المساعد؛ وباب الهجر، وضده باب الوصل.
ومنها أربعة أبواب لا ضد لها من معاني الحب وهي:
باب الرقيب، وباب الواشي، ولا ضد لهما إلا ارتفاعهما. وحقيقة الضد ما إذا وقع ارتفع الأول، وإن كان المتكلمون قد اختلفوا في ذلك، ولولا خوفنا إطالة الكلام فيما ليس من جنس الكتاب لتقصيناه - (١)، وباب البين وضده تصاقب الديار - وليس التصاقب من معاني الحب نتكلم فيها - وباب السلو، وضده الحب بعينه، إذ معنى السلو ارتفاع الحب وعدمه.
ومنها بابان ختمنا بهما الرسالة، وهما:
باب الكلام في قبح المعصية، باب في فضل التعفف، ليكون
_________________
(١) تحدث ابن حزم عن التضاد في كتاب التقريب (ص: ٧١) فقال: " والأضداد هي كل نقطتين اقتسم معنياهما طرفي البعد وكانا واقعين تحت مقولة واحدة وكان بينهما وسائط " فالسواد والبياض ضدان تحت جنس واحد هو اللون، والجود والشح تحت جنسين هما الفضيلة والرذيلة. وكل ضدين يدركان بحاسة واحدة، وكل ضدين ان كان أحدهما في النفس فالآخر فيها أيضًا وقال: فالمتضادة هي ما إذا وقع أحدهما ارتفع وقع الآخر ولا وسائط بينهما، كالحياة والموت والاجتماع والافتراق.
[ ١ / ٨٩ ]
خاتمة إيرادنا وآخر كلامنا الحض على طاعة الله ﷿، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فذلك مفترض على كل مؤمن.
لكن خالفنا في نسق بعض هذه الأبواب هذه الرتبة المقسمة في درج هذا الباب الذي هو أول أبواب الرسالة، فجعلناها على مباديها إلى منتهاها واستحقاقها في التقدم والدرجات والوجود، ومن أول مراتبها إلى آخرها، وجعلنا الضد إلى جنب ضده فاختلف المساق في أبواب يسيرة والله المستعان.
وهيئتها في الإيراد: أولها هذا الباب الذي نحن فيه وفيه صدر الرسالة وتقسيم الأبواب والكلام في باب ماهية الحب، ثم باب علامات الحب، ثم باب من أحب في النوم، ثم باب من أحب بالوصف، ثم باب من أحب من نظرة واحدة، ثم باب من لا يحب إلا مع المطاولة، ثم باب من أحب صفة لم يحب بعدها غيرها مما يخالفها، ثم باب التعريض بالقول، ثم باب الاشارة بالعين، ثم باب المراسلة، ثم باب السفير، ثم باب طي السر، ثم باب إذاعته، ثم باب الطاعة، ثم باب المخالفة، ثم باب العاذل، ثم باب الوصل، ثم باب الهجر، ثم باب الوفاء، ثم باب الغدر، ثم باب البين، ثم باب القنوع، ثم باب الضنى، ثم باب السلو، ثم باب الموت، ثم باب قبح المعصية، ثم بابا فضل التعفف.
(٣) [الكلام في ماهية الحب]:
الحب - أعزك الله - أوله هزل وآخره جد، دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة. وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله ﷿.
وقد أحب من الخلفاء المهديين والأئمة الراشدين كثير، منهم
[ ١ / ٩٠ ]
بأندلسنا (١) عبد الرحمن بن معاوية (٢) لدعجاء، والحكم بن هشام (٣)، وعبد الرحمن بن الحكم وشغفه بطروب (٤) أم عبد الله ابنه أشهر من الشمس، ومحمد بن عبد الرحمن (٥) وأمره مع غزلان أن بنيه عثمان والقاسم والمطرف معلوم (٦)، والحكم المستنصر وافتتانه بصبح أم هشام المؤيد بالله (٧) ﵁ وعن جميعهم وامتناعه عن التعرض للولد
_________________
(١) عبارة: وقد أحب من الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدية (هكذا): وردت عند ابن قيم الجوزية في كتاب الجواب الكافي: ١٦٤؛ وعند الشيخ يوسف ين مرعي الحنبلي في منية المحبين (نسخة مكتبة بلدية الاسكندرية) الورقة: ٩ (انظر مقالة غرسيه غومس " مجلة الأندلس (١٩٥١): ٣٢٦؛ إلا أن كليهما لم يذكر أئمة الآندلس، ولعلهما لم يكونا يعتقدان أنهم أئمة راشدون واكتفيا بذكر عشق عمر بن عبد العزيز لجارية زوجته (وقد فصل ابن القيم القصة ص: ١٧١ كما وردت في تزيين الأسواق ٢: ٦٥) وذكرا خبر عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (انظر الجواب الكافي: ١٥٨) .
(٢) هو عبد الرحمن الداخل صقر قريش أبو المطرف (١٣٨ - ١٧٢/٧٥٥ - ٧٨٨) .
(٣) الحكم بن هشام حفيد عبد الرحمن الداخل (١٨٠ - ٢٠٦/٧٩٦ - ٨٢١) ولم يذكر من كان يحب؛ وقد ذكر ابن عذاري (البيان المغرب ٢: ٧٩) أنه كان له خمس جوار قد استخلصهن لنفسه وملكهن أمره؛ ولعل هذه الكثرة في العدد هي التي حالت بين ابن حزم وذكر هذه الحقيقة، لأن هذا التكثر يعارض معنى الحب كما يفهمه، مما سيجيء تبيانه.
(٤) عبد الرحمن بن الحكم أبو المطرف (٢٠٦ - ٢٣٨/٨٢١ - ٨٥٢)؛ وانظر جانبًا من أخباره مع طروب عند ابن عذاري (٢: ٩٢) وابن الأبار (الحلة السيراء ١: ١١٤، ١١٦) ومن غزله فيها: وإما بدت لي شمس النهار طالعة ذكرتني طروبا (٥) محمد بن عبد الرحمن بن الحكم أبو عبد الله (٢٣٨ - ٢٧٣/٨٥٢ - ٨٦٦)، ولد نيفًا وثلاثين ذكرًا، وكان جلهم قد انقرض في أيام ابن حزم (الجمهرة: ٩٩) .
(٥) نوه ابن حزم بالمطرف ابن الأمير محمد وبأنه كان شاعرًا مفلقًا عالمًا بالغناء، قال: وكان عثمان وابراهيم ابنا محمد عارفين بالغناء جدًا، ولم يذكر شيئًا عن القاسم إلا أنه كان يعرف أن رجلًا واحدًا من عقبه ربما بقي حتى أيامه (الجمهرة: ٩٩)؛ وترجم الحميدي (الجذوة: ٣٧٧) لمن اسمه أبو القاسم من أبناء الأمير محمد، وقال انه كان يعرف بابن غزلان؛ وكان القاسم قد اختص الشاعر العتبي وله معه حكايات (المغرب ١: ١٣٤) .
(٦) الحكم المستنصر أبو المطرف بن عبد الرحمن الناصر (٣٥٠ - ٣٦٦/٩٦١ - ٩٧٦) الخليقة العالم؛ تزوج جارية بشكنسية اسمها صبح (Aurora) ورزق منها بابنه هشام الذي تولى الخلافة من بعده، ولم يكن له فيها إلا الاسم إذ قام بالأمر الحاجب المنصور بن أبي عامر؛ أما هشام فكان حكمنه الاسمي (٣٦٦ - ٣٩٩/٨٧٦/١٠٠٨) ومرة ثانية (٤٠٠ - ٤٠٣/١٠٠٩ - ١٠١٣)؛ وقد ذهب بعضهم إلى تصور علاقة عاطفية بين صبح والمنصور، دفعت بهذا إلى تحقيق طموحه؛ ولكن المصادر تشير إلى انه استمالها بالهدايا والالطاف، وانتهى تضارب المصالح إلى كراهية عميقة.
[ ١ / ٩١ ]
من غيرها. ومثل هذا كثير، ولولا ان حقوقهم على المسلمين واجبة - وإنما يجب أن نذكر من أخبارهم ما فيه الحزم وإحياء الدين، وغنما هو شيء كانوا ينفردون به في قصورهم مع عيالهم فلا ينبغي الإخبار به عنهم - لأوردت من أخبارهم في هذا الشأن غير قليل.
وأما كبار رجالهم ودعائهم دولتهم فأكثر من أن يحصوا، واحدث ذلك ما شاهدناه بالأمس من كلف المظفر عبد الملك بن أبي عامر (١) بواجد، بنت رجل من الجنانين (٢) حتى حمله حبها أن يتزوجها، وهي التي خلف عليها بعد فناء العامريين الوزير عبد الله بن مسلمة (٣)، ثم تزوجها بعد قتله رجل من رؤساء البربر.
ومما يشبه هذا أن أبا العيش بن ميمون القرشي الحسني (٤) أخبرني أن نزار بن معد صاحب مصر لم ير ابنه منصور بن نزار (٥) الذي ولي الملك بعد وادعى الإلهية إلا بعد مدة من مولده، مساعدة
_________________
(١) الحاجب عبد الملك المظفر بن المنصور (٣٩٢ - ٣٩٨/١٠٠٢ - ١٠٠٨) خلف أباه المنصور في الحجابة، وكانت السلطة الفعلية بيده، وفي أيامه أخلد الأندلسيون إلى الراحة وتنافسوا في زخرف الدنيا (انظر الذخيرة ٤/١: ٧٨ وما بعدها) .
(٢) بواجد الجناين؛ هذا هي قراءة بروفنسال، (انظر مجلة الأندلس ١٥ (١٩٥٠): ٣٥٠ وسأشير إليها من بعد باسم: الاندلس)، وقد قرئت قبله " بواحد الجبائين "، وإذا صحت القراءة فيبدو أن اسم " واجد " كان شائعًا، إذ كانت لابن الشرح زوجة بهذا الاسم (البيان المغرب ٣: ٨٠) .
(٣) عبد الله بن مسلمة: لعله الذي كان صاحب مدينة الزاهرة عندما ثار محمد بن هشام ابن عبد الجبار لينتزع الخلافة من هشام المؤيد (ابن عذاري ٣: ٥٨) وقد اتصل به صاعد البغدادي أول دخوله الأندلس، ثم نكب عبد الله فكان صاعد يستعطف له أبا جعفر بن الدب ليشفع به لدى سليمان المستعين (الذخيرة ٤/١: ١٠ - ١١) .
(٤) أغلب ظني أنه حسني لا حسيني، وان كنت لم أجده بين أسماء الطارئين على الآندلس.
(٥) نزار بن معد هو أبو منصور العزيز بالله بن المعز لدين الله، ولد سنة ٣٤٥ وبويع بالخلافة سنة ٣٦٥ وبقي حتى ٣٨٦، أما منصور فهو المعروف بالحاكم بأمر الله (٣٦٨ - ٤١١) .
[ ١ / ٩٢ ]
لجارية كان يحبها حبًا شديدًا، هذا ولم يكن له ذكر ولا يرث ملكه ويحيي ذكره سواه.
ومن الصالحين والفقهاء في الدهور الماضية والأزمان القديمة من قد استغني بأشعارهم عن ذكرهم؛ وقد ورد من خبر عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (١) وشعره ما فيه الكفاية، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة (٢)، وقد جاء من فتيا ابن عباس ﵁ ما لا يحتاج إلى غيره حين يقول (٣): هذا قتيل الهوى لا عقل ولا قود.
وقد اختلف الناس في ماهيته وقالوا وأطالوا والذي أذهب إليه (٤) أنه اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع (٥)، لا على ما حكاه محمد بن داود (٦) رحمه
_________________
(١) من أعلام التابعين، وكان عالمًا ناسكًا، توفي بالمدينة (بين ٩٨، ١٠٢ هـ) وله شعر غزلي رقيق (انظر ابن خلكان ٣: ١١٥ والأغاني ٩: ١٣٥ وفي حاشية ابن خلكان توسع في ذكر مصادر أخرى) .
(٢) الفقهاء السبعة: عروة بن الزبير، سعيد بن المسيب، سليمان بن ياسر، عبيد الله بن عتبة، أبو بكر بن عبد الرحمن، قاسم بن محمد، خارجة بن زيد، وقد جمعهم بعضهم بقوله: ألا كل من لا يقتدي بأئمة فقسمته ضيزى عن الحق خارجه فخذهم عبيد الله عروة قاسم سعيد سليمان أبو بكر خارجه (ابن خلكان ١: ٢٨٣) .
(٣) انظر محاظرات الراغب ٢: ٤٥ (ط. بيروت) وفيه قال ابن عباس " قتيل الهوى هدر الخ، وانظر القول مقترنًا بقصته في الموشى (٧٢ - ٧٣)؛ ونقل ابن القيم (الجواب الكافي: ١٧٥) هذا القول عن ابن حزم مصرحًا باسمه.
(٤) قوله: والذي اذهب إليه إلى قوله: فعلمنا أنه شيء في ذات النفس، نقله ابن القيم في روضة المحبين: ٧٤ - ٧٦.
(٥) في أصل عنصرها الرفيع: كأنه تعبير آخر عن القول " في عالم المثل ".
(٦) محمد بن داود الظاهري أبو بكر (- ٢٩٧): كان فقيهًا أديبًا شاعرًا ظريفًا، وهو صاحب كتاب الزهرة، وهو في جزءين أحدهما في الحب وقد طبع بتحقيق نيكل وطوقان (١٩٣٢) والثاني في التقوى وقد طبع في بغداد (١٩٧٥) بتحقيق الدكتورين ابراهيم السامرائي ونوري حمودي القيسي. (انظر ابن خلكان ٤: ٢٥٩، والفهرست: ٢١٧ وتاريخ بغداد ٥: ٢٥٦، والوافي ٣: ٥٨) .
[ ١ / ٩٣ ]
الله عن بعض أهل الفلسفة: الأرواح أكر مقسومة، لكن على سبيل مناسبة قواها في مقر عالمها العلوي، ومجاورتها في هيئة تركيبها (١) .
وقد علمنا أن سر التمازج والتباين في المخلوقات إنما هو الاتصال والانفصال، والشكل دأب (٢) يستدعي شكله، والمثل إلى مثله ساكن، وللمجانسة عمل محسوس وتأثير مشاهد، والتنافر في الأضداد والموافقة في الأنداد والنزاع فيما تشابه موجود فيما بيننا، فكيف بالنفس وعالمها العالم الصافي الخفيف، وجوهرها الجوهر الصعاد المعتدل، وسنخها المهيأ لقبول الاتفاق والميل والتوق والانحراف والشهوة والنفار - كل ذلك معلوم بالفطرة في أحوال تصرف الإنسان فيسكن إليها (٣)، والله ﷿ يقول ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها﴾ (الأعراف:١٨٩) فجعل علة السكون أنها منه. ولو كان علة الحب حسن الصورة الجسدية لوجب ألا يستحسن الأنقص في الصورة (٤)،
_________________
(١) هذا القول مأخوذ من كتاب " الزهرة " ونصه هنالك " وزعم بعض المتفلسفين ان الله جل ثناؤه خلق كل روح مدورة الشكل على هيئة الكرة ثم قطعها أيضًا فجعل في كل جسد نصفًا وكل جسد لقي الجسد الذي فيه النصف الذي قطع من النصف الذي معه كان بينهما عشق للمناسبة القديمة (الزهرة ١: ١٥ وانظر محاضرات الراغب ٢: ٤٠)؛ والفرق بين رأي ابن حزم ورأي ابن داود هو في القسمة نفسها، فبينا يذهب ابن حزم إلى أن النفوس تجزأت عدة أجزاء، يرى ابن داود أن الكرة انقسمت نصفين وحسب، كل منهما يطلب صاحبه، وفي نهاية المطاف نجد ابن حزم الذي لا يؤمن بالتكثر، يأخذ برأي ابن داود من وجهة عملية؛ لماذا رفض ابن حزم الشكل الكري للأرواح؛ هذا ما لا يقدم تفسيرًا له؛ هل كان ابن حزم يرى تعدد التوق إلى ائتلاف الأقسام في مراحل مختلفة من العمر.
(٢) روضة المحبين: فالشكل إنما؛ وقضية انجذاب المثل إلى مثله (أو كما قال المتنبي وشبه الشيء منجذب إليه) موجودة في مأدبة أفلاطون ص: ٦٨، وتردد في مواضع مختلفة، انظر روضة المحبين: ٦٧.
(٣) الضمير في " إليها " مبهم، ولعل هنا سقطًا في النص؛ وربما كانت عبارة " فيسكن إليها " زائدة لا ضرورة لها لأن ما بعدها يغني عنها. أو لعلنا أن نقرأ " ليجد النفس التي هي شطر منه فيسكن إليها "؛ وقد سقطت العبارة " كل ذلك إليها " من روضة المحبين.
(٤) روضة المحبين: من الصور.
[ ١ / ٩٤ ]
ونحن نجد كثيرًا ممن يؤثر الأدنى ويعلم فضل غيره ولا يجد محيدًا لقلبه عنه (١) . ولو كان للموافقة في الأخلاق لما أحب المرء من لا يساعده ولا يوافقه، فعلمنا انه شيء في ذات النفس.
وربما كانت المحبة لسبب من الأسباب، وتلك تفنى بفناء سببها، فمن ودك لأمر ولي مع انقضائه، وفي ذلك أقول: [من الطويل]
ودادي لك الباقي على حسب كونه تناهى فلم ينقص بشيء ولم يزد
وليست له غير الإرادة (٢) علة ولا سبب حاشاه يعلمه أحد
إذا ما وجدنا الشيء علة نفسه فذاك وجود ليس يفنى على الأبد
وإما وجدناه لشيء خلافه شطر ثانيفإعدامه في عدمنا ما له وجد ومما يؤكد هذا القول أننا علمنا أن المحبة ضروب (٣)، فأفضلها: محبة المتحابين في الله ﷿، إما لاجتهاد في العمل، وإما لاتفاق في أصل النحلة والمذهب (٤)، وإما لفضل علم بمنحه الإنسان؛ ومحبة القرابة، ومحبة الألفة في الاشتراك في المطالب، ومحبة التصاحب والمعرفة، ومحبة البر (٥) يضعه المرء عند أخيه، ومحبة الطمع (٦) في جاه المحبوب، ومحبة المتحابين لسر يجتمعان
_________________
(١) قارن بقول ابن الجوزي: وإذا كان سبب العشق اتفاقًا في الطباع بطل قول من قال ان العشق لا يكون إلا للأشياء المستحسنة وإنما يكون العشق لنوع مناسبة وملاءمة ثم قد يكون الشيء حسنًا عند شخص، غير حسن عند آخر (ذم الهوى: ٣٠٠) .
(٢) تعبير " الارادة " هنا لا أضنه يعني " الارادة الإنسانية " وإنما التقدير الإلهي، أي ان ذلك شيء مرتب في طبيعة النفس، حسب التوفيق الإلهي، ولهذا عبر عن هذا الموقف بقوله: " الشيء علة نفسه ".
(٣) هنا يوسع ابن حزم في مفهوم " الحب "، حتى يصبح معنى الاتصال بين أجزاء النفوس ليس اتصالًا بين ذكر وانثى، وإنما هو اتصال بين الأجزاء المتشابهة في كل صعيد، وعلى هذا الفهم، سيمضي في كل رسالته؛ فجهة العشق التي علتها اتصال النفوس ليست إلا وجهًا واحدًا من وجوه المحبة، وقارن بما ورد في رسالة في مداواة النفوس (رسائل: ١٣٨) .
(٤) روضة المحبين: في أصل المذهب.
(٥) روضة المحبين: ومحبة البر.
(٦) روضة المحبين: ومحبة لطمع.
[ ١ / ٩٥ ]
عليه يلزمهما ستره، ومحبة بلوغ (١) اللذة وقضاء الوطر، ومحبة العشق التي لا علة لها إلا ما ذكرنا من اتصال النفوس.
فكل هذه الأجناس منقضية (٢) مع انقضاء عللها، وزائدة بزيادتها، وناقصة بنقصانها، متأكدة بدنوها فاترة ببعدها، حاشا محبة العشق الصحيح المتمكن من النفس فهي التي لا فناء لها إلا بالموت. وإنك لتجد الإنسان السالي بزعمه، وذا السن المتناهية، إذا ذكرته تذكر وارتاح وصبا واعتاده الطرب واهتاج له الحنين.
ولا يعرض في شيء من هذه الأجناس المذكورة، من شغل البال والخبل والوسواس وتبدل الغرائزالمركبة، واستحالة السجايا المطبوعة، والنحول والزفير وسائر دلائل الشجا، ما يعرض في العشق، فصح بذلك أنه استحسان روحاني وامتزاج نفساني.
فإن قال قائل: لو كان هذا كذلك لكانت المحبة بينهما مستوية، إذ الجزءان مشتركان في الاتصال وحظهما واحد، فالجواب عن ذلك أن نقول: هذه لعمري معارضة صحيحة، ولكن نفس (٣) الذي لا يحب من يحبه مكتنفة الجهات ببعض الأعراض الساترة والحجب المحيطة بها من الطبائع الأرضية فلم تحس بالجزء الذي كان متصلًا بها قبل حلولها حيث هي، ولو تخلصت لاستويا في الاتصال والمحبة. ونفس المحب متخلصة عالمة بمكان ما كان يشركها في المجاورة، طالبة له، قاصدة إليه، باحثة عنه، مشتهية لملاقاته، جاذبة له لو أمكنها كالمغنيطس والحديد.
فقوة جوهر المغنيطس المتصلة بقوة جوهر الحديد لم تبلغ من
_________________
(١) روضة المحبين: ومحبة لبلوغ.
(٢) روضة المحبين: وكل فمنقضية.
(٣) ولكن نفس والحديد.. وردت في رغبة المحبين: ٧٦ وزاد إليها قول ابن حزم بعد ذلك " وكالنار في الحجر " مع حذف ما بينهما.
[ ١ / ٩٦ ]
تحكمها ولا من تصفيتها أن تقصد إلى الحديد على انه من شكلها وعنصرها، كما أن قوة الحديد لشدتها قصدت إلى شكلها وانجذبت نحوه، إذ الحركة أبدًا إنما تكون من الأقوى، وقوة الحديد متروكة الذات غير ممنوعة بحابس، تطلب ما يشبهها وتنقطع إليه وتنهض نحوه بالطبع والضرورة وليس بالاختيار والتعمد. وأنت متى أمسكت الحديد بيدك لم ينجذب، إذ لم يبلغ من قوته أيضًا مغالبة الممسك له مما هو أقوى منه. ومتى كثرت أجزاء الحديد اشتغل بعضها ببعض واكتفت بأشكالها عن طلب اليسير من قواها النازحة عنها، فمتى عظم جرم المغنيطس ووازت قواه جميع قوى جرم الحديد عادت إلى طبعها المعهود.
وكالنار في الحجر (١) لا تبرز على قوة النار في الاتصال والاستدعاء لأجزائها حيث كانت إلا بعد القدح ومجاورة الجرمين بضغطهما واصطكاكهما، وإلا فهي كامنة في حجرها لا تبدو ولا تظهر.
ومن الدليل على هذا أيضًا أنك لا تجد اثنين يتحابان إلا وبينهما مشاكلة واتفاق [في] الصفات الطبيعية، لابد في هذا وإن قل، وكلما كثرت الأشباه زادت المجانسة وتأكدت المودة، فانظر هذا تره عيانًا، وقول رسول الله ﷺ يؤكده: " الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " (٢)، وقول مروي عن أحد الصالحين:
_________________
(١) هذا التمثيل إنما يصح اعتمادًا على نظرية " الكمون " التي كانت سائدة حينئذ؛ أي أن النار كامنة في الحجر، ومهمة القدح أن يستخرجها " انظر الحيوان للجاحظ ٥: ١٠ وما بعدها "؛وتشبيه الحب بالنار الكامنة، ورد على لسان جارية في قصة في الموشي: ٧١ " له كمون ككمون النار في الحجر إن قدحته أورى، وإن تركته توارى "؛ وفي ديوان الصبابة: ١٠.
(٢) ورد هذا الحديث في البخاري (باب الأنبياء:٢) ومسلم " باب البر: ١٥٩، ١٦٠) ومسند أحمد ٢: ٢٩٥، ٥٢٧،٥٣٧ وانظر بهجة المجالس ١: ٦٤١ والصداقة والصديق: ١٣٦ والموشى: ٢٥ ومحاضرات الراغب ٢: ٩، ٥٣، ونسب إلى سقراط قوله: " النفوس أشكال فما تشاكل منها اتفق وما تضاد اختلف " (مختار الحكم: ٩٣) وانظر روضة المحبين: ٧٣ وأورد فيه قصة؛
[ ١ / ٩٧ ]
" أرواح المؤمنين تتعارف ". ولذلك ما اغتم بقراط حين وصف له رجل من أهل النقصان يحبه، فقيل له في ذلك فقال: ما أحبني إلا وقد وافقته في بعض أخلاقه (١) .
وذكر أفلاطون أن بعض الملوك سجنه ظلمًا، فلم يزل يحتج عن نفسه حتى أظهر براءته، وعلم الملك أنه له ظالم، فقال له وزيره الذي كان يتولى إيصال كلامه إليه: أيها الملك، قد استبان لك أنه بريء فما لك وله فقال الملك: لعمري ما لي إليه سبيل غير أني أجد لنفسي استثقالًا لا أدري ما هو. فأدي ذلك إلى افلاطون. قال: فاحتجت أن أفتش في نفسي وأخلاقي شيئًا أقابل به نفسه وأخلاقه مما يشبهها، فنظرت في أخلاقه فإذا هو محب للعدل كاره للظلم، فميزت هذا الطبع في، فما هو إلا أن حركت هذه الموافقة وقابلت نفسه بهذا الطبع الذي بنفسي فأمر بإطلاقي وقال لوزيره: قد انحل كل ما أجد في نفسي له.
وأما العلة التي توقع الحب أبدًا في أكثر الأمر على الصورة الحسنة، فالظاهر أن النفس تولع بكل شيء حسن وتميل إلى التصاوير المتقنة، فهي إذا رأت بعضها تثبتت فيه (٢)، فإن ميزت وراءها شيئًا من
_________________
(١) أقرب الأقوال إلى هذا قول منسوب إلى أنطيانس، إذ مدحه رجل شرير فقال له: ما أحوجني أن أكون قد فعلت شرًا إذ كنت قد استحسنت مني شيئًا (صوان الحكمة: ٢٤٧) وقول أبقراط هذا قد نقله ابن حجة في كتابه ديوان الصبابة: ٤٩ وابن القيم في روضة المحبين: ٧٣؛ وانظر: دراسات عن ابن حزم للدكتور الطاهر مكي (القاهرة ١٩٧٧) ص ٣٢٤ - ٣٣٩.
(٢) قارن هذا بقول علي بن ربن الطبري " فإن من شان النفس الولوع والعجب بكل شيء حسن من جوهر أو نبت أو دابة، فإذا اتفق مثل الحسن في شيء هو من جنس الإنسان ومما في غريزته الحب له اهتاجت الشهوة حينئذ وحرصت النفس على مواصلته وقربه " (فالنصفان متشابهان إلى حد بعيد، وابن ربن توفي سنة ٢٤٧ هـ) . ويقول ابن الجوزي: العشق شدة ميل النفس إلى صورة تلائم طبعها فإذا قوي فكرها فيها تصورت حصولها وتمنت ذلك (ذم الهوى: ٢٩٣ وانظر أيضًا: ٢٩٦) .
[ ١ / ٩٨ ]
أشكالها اتصلت وصحت المحبة الحقيقية، وإن لم تميز وراءها شيئًا من أشكالها لم يتجاوز حبها الصورة، وذلك هو الشهوة؛ وإن للصور لتوصيلًا عجيبًا بين أجزاء النفوس النائية.
وقرأت في السفر الأول من التوراة (١) أن النبي يعقوب ﵇ أيام رعيه غنمًا للابان خاله مهرًا لابنته شارطه على المشاركة في إنسالها، فكل بهيم ليعقوب وكل أغر للابان، فكان يعقوب ﵇ يعمد إلى قضبان الشجر يسلخ نصفًا ويترك نصفًا بحاله، ثم يلقي الجميع في الماء الذي ترده الغنم، ويتعمد إرسال الطروقة في ذلك الوقت فلا تلد إلا نصفين، نصفا بهما ونصفًا غرًا.
وذكر عن بعض القافة أنه أتي بابن أسود لأبيضين، فنظر إلى أعلامه فرآه لهما عير شك، فرغب ان يوقف على الموضع الذي اجتمعا عليه، فأدخل البيت الذي كان فيه مضجعهما، فرأى فيما يوازي نظر المرأة صورة أسود في الحائط، فقال لأبيه: من قبل هذه الصورة أتيت في ابنك.
وكثيرًا ما يصرف شعراء أهل الكلام هذا المعنى في اشعارهم، فيخاطبون المرئي في الظاهر خطاب المعقول الباطن، وهو المستفيض في شعر النظام إبراهيم بن سيار (٢) وغيره من المتكلمين، وفي ذلك أقول شعرًا منه: [من البسيط]:
_________________
(١) انظر سفر التكوين؛ الاصحاح: ٣٠/ ٢٥ - ٤٣.
(٢) ابراهيم بن سيار النظام أبو اسحاق ٢٣١/ ٨٤٥ أستاذ الجاحظ من أبرز المتكلمين البصريين، له عدة مؤلفات (انظر الفهرست: ٢٠٥ وطبقات المعتزلة: ٤٩) وأخباره وآراؤه مبثوثة في كتب الجاحظ، وللدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة دراسة عنه (القاهرة ١٩٤٦)؛ قال ابن النديم: وذهب في شعره مذهب الكلام الفلسفي، وقد أورد ابن نباتة في سرح العيون: ٢٣٠ - ٢٣١ نماذج من شعره، ينطبق عليها ما يومئ إليه ابن حزم.
[ ١ / ٩٩ ]
ما علة النصر في الأعداء نعرفها وعلة الفر منهم إذ يفرونا
إلا نزاع نفوس الناس قاطبة إليك يا لؤلؤًا في الناس مكنونا
ومن كنت قدامه لا ينثني أبدًا فهم إلى نورك الصعاد يعشونا
ومن تكن خلفه فالنفس تصرفه إليك طوعًا فهم دأبًا يكرونا ومن ذلك أقول: [من الطويل]
أمن عالم الأملاك (١) أنت أم آنسي أبن لي فقد أزرى بتمييزي العي
أرى هيئة إنسية غير أنه إذا أعمل التفكير فالجرم علوي
تبارك من سوى مذاهب خلقه على انك النور الأنيق الطبيعي
ولا شك عندي أنك الروح ساقه إلينا مثال في النفوس اتصالي
عدمنا دليلًا في حدوثك شاهدًا نقيس عليه أنك مرئي
ولولا وقوع العين في الكون لم نقل سوى أنك العقل الرفيع الحقيقي وكان بعض أصحابنا يسمي قصيدة لي " الإدراك المتوهم " منها: [من المتقارب] .
ترى كل ضد به قائمًا فكيف تحد اختلاف المعاني
فيا أيها الجسم لا ذا جهات ويا عرضًا ثابتًا غير فان
نقضت علينا وجوه الكلام فما هو مذ لحت بالمستبان وهذا بعينه موجود في البغضة، ترى الشخصين يتباغضان لا لمعنى ولا علة، ويستثقل بعضهما بعضًا بلا سبب.
والحب - أعزك الله - داء عياء وفيه الدواء منه على قدر
_________________
(١) المعروف أن " أملاك " جمع ملك - بكسر اللام - ولكنه استعملها هنا جميعًا لملك - بفتح اللام -، مفرد ملائكة؛ ولا بأس من قراءتها " الافلاك " لتحدثه من بعد " الجرم العلوي ".
[ ١ / ١٠٠ ]
المعاناة (١)، وسقام مستلذ وعلة مشتهاة لا يود سليهما البرء ولا يتمنى عليلها الإفاقة؛ يزين للمرء ما كان يأنف منه، ويسهل عليه ما كان يصعب عنده حتى يحيل الطبائع المركبة والجبلة المخلوقة، وسيأتي كل ذلك مخلصًا في بابه إن شاء الله.
خبر:
ولقد علمت فتى من بعض معارفي قد وحل في الحب وتورط في حبائله، وأضر به الوجد، وأنصبه (٢) الدنف، وما كانت نفسه تطيب دعاؤه إلا بالوصل والتمكن ممن يحب، على عظيم بلائه وطويل همه، فما الظن بسقيم لا يريد فقد سقمه! ولقد جالسته يومًا فرأيت من إكبابه وسوء حاله وإطراقه ما ساءني، فقلت له في بعض قولي: " فرج الله عنك " فلقد رأيت أثر الكراهية في وجهه؛ وفي مثله أقول من كلمة طويلة: [من البسيط]
وأستلذ بلائي فيك يا أملي ولست عنك مدى الأيام انصرف
إن قيل لي تتسلى عن مودته فما جوابي إلا اللام والألف خبر:
وهذه الصفات مخالفة لما أخبرني به عن نفسه أبو بكر محمد بن قاسم بن محمد القرشي المعروف بالشبانسي (٣)، من ولد الإمام هشام
_________________
(١) في طبعة بتروف وغيرها: المعاملة؛ وما أثبته هو قراءة برشيه.
(٢) هذه هي قراءة برشيه؛ وفي مختلف الطبعات: " وأنضحه الدنف " وليس في معاني لفظ " أنضح " ما يمكن توجيهه نحو هذا المعنى.
(٣) محمد بن قاسم بن محمد بن اسماعيل بن هشام بن محمد بن هشام بن الوليد بن هشام الرضى بن عبد الرحمن بن معاوية القرشي المرواني المعروف بالشبانسي، كان عالمًا بالآداب متقدمًا في البلاغة والكتابة، استقر بعد الفتنة بطليطلة كاتبًا للرسائل بها، وتوفي سنة ٤٤٧ (التكملة ١: ٣٨٩) ولأبيه القاسم بن محمد الشبانسي ترجمة في الجذوة: ٣١٠) والبغية رقم: ١٢٩٦ وكان الأب أيضًا أديبًا شاعرًا، سجن في أيام المنصور فكتب إليه بقصيدة يستعطفه فيها فرق له وأطلقه؛ ولأخيه عبد الرحمن ترجمة في التكملة رقم: ١٥٤٩؛ وقد تصحفت كلمة " الشبانسي " في طبعات الطوق وتنبه لها غرسيه غومس (انظر ترجمته للطوق: ١٠٣ الحاشية رقم: ٢) .
[ ١ / ١٠١ ]
ابن عبد الرحمن بن معاوية أنه لم يحب أحدًا قط، ولا أسف على إلف بان منه، ولا تجاوز حد الصحبة والألفة إلى حد الحب والعشق منذ خلق.
[ ١ / ١٠٢ ]
- ٢ -