قال أبو محمد علي بن أحمد بن حزم ﵁:
أطلت الفكر في نفسي، بعد تيقني أنها المدبرة للجسد، الحساسة الحية العاقلة المميزة العالمة، وأن الجسد موات لا حياة له، وجماد لا حركة فيه إلا أن تحركه النفس، وبعد إيقاني أنها صاحبة هذه الفكرة، والمحركة للساني بما تريد إخراجه مما استقر عندها فقالت مخاطبة لنفسها، باحثة عن حقيقة أمرها:
يا أيتها النفس المدبرة لهذا الجسد: الست التي قد عرفت صفات جسدك الذي واليت تدبيره، وحققتها وضبطتها
قال: بلى.
قال: يا أيتها النفس المدبرة لهذا الجسد: الست التي تجاوزت جسدك المضاف تدبيره إليك، فخلص فهمك وبحثك (١) إلى سائر ما يليك من الأرض والماء والهواء وسائر الأجرام، ثم إلى ما لم يلك من الأجرام، فميزت أجناس كل ذلك وأنواعه وأشخاصه، وحققت صفات كل ذلك: الذاتية والغيرية، وفرقت بين كل ذلك بالفروق الصحيحة، ثم تخطيت كل ذلك إلى الأفلاك البعيدة وما فيها من الأجرام النيرة فعرفت كيفية أدوارها، ووقفت على حقيقة مدارها،
_________________
(١) ص: وبختك.
[ ١ / ٤٤٣ ]
وضبطت كل ذلك، وأشرفت عليه، وسرحت (١) هنالك، وأوغلت في تلك الطرق والمسالك، وخضت إليه الأنوار والظلم، واقتحمت نحوه الأبعاد حتى أتيته من أمم، ولم يخف ما بعد وغمض
قالت: بلى.
قال: يا أيتها النفس المشرفة على ذلك كله: ألست التي لم تقنعي بهذا المقدار من العلم على عظمه وطوله، ولا ملأ خزانتك هذا الحظ من الإشراف، على كبر شأنه وهوله، حتى تعديت إلى ما كان قبل حلولك في هذا الجسد وارتباطك به، من أخبار القرون البائدة والمماليك الدائرة والأمم الغابرة والوقائع الشنيعة والسير الذميمة والحميدة، ووقفت على أخبارهم وعلومهم فشاهدت كل ذلك بمعرفتك إذ لم تشاهديه بحواسك
قال: بلى.
قال: يا أيتها النفس الغابطة لهذه العظائم المشرفة على هذه الأمور الشنيعة. ألست التي لم يكفك هذا كله حتى تجاوزت العالم بما فيه، وطفرته من جميع نواحيه، فشاهدت الواحد الأول، ووقفت إلى الحق الأول المبدع للعالم بكل ما فيه، فأشرفت (٢) على انه هو، وتوهمت إحداثه لكل ما دونه لتوهمك لكل ما شاهدته بحواسك، فأحطت بكل هذا علمًا، واحتويت على جميعه فهما
قالت: بلى.
قالت: يا أيتها النفس التي بلغت هذه المبالغ النائية، وترقت إلى هذه المراقي العالية، وسربت في تبك السبل الغامضة، واستسهلت الولوج في تلك الشعاب الخافية، وسمت إلى التوقل إلى تلك المنازل
_________________
(١) ص: وشرحت.
(٢) ص: فأشرقت.
[ ١ / ٤٤٤ ]
السامية، وتكلفت الارتقاء إلى دار تلك الفلك الشاهقة: تفكري إذ وصلت إلى هذه الرتب، وخرقت تلك الحجب، ورفعت دونك تلك الستور المسبلة، وفتحت لك تلك الأبواب المغلقة المقفلة، وسهل عليك تولج تلك المضايق الهائلة، وتأتى لك تخلل تلك الثنايا البعيدة، هل عرفت مائيتك، وهل دريت كيفيتك، وهل وقفت على أي شيء أنت، وما جوهرك وهل أشرفت على حملك لصفاتك، كيف حملتها
قال: لا، ما عرفت شيًا من ذلك.
قالت: يا أيتها النفس العارفة بغيرها، الجاهلة بذاتها: فهل تعرفين محلك ومن أين أنت، ومن أين تتكلمين، وكيف تحركين هذه الأعضاء المصونة إذا حركتها، الساكنة إذا تركتها
قالت: لا.
قالت: يا أيتها النفس المعجب شأنها فيما علمت وفيما جهلت: هل تذكرين أين كنت ومن أين أقبلت، وكيف تعلقت بهذا الجسد المظلم الميت الجاهل، وكيف تصريفك له، وكيف بقاؤك فيه بالأسباب الممسكة لك معه، وكيف انفصالك عنه عند الآفات العارضة له
قال: لا.
قالت: يا أيتها النفس المعترفة بجهل ذاتها، الواقفة على علم ما عداها: ألست أنت المخاطبة والمسؤولة السائلة
قالت: بلى.
قالت: فما قطع بك عن معرفة ذاتك وصفاتك، ومكانك وبدء شانك، ومحلك وتنقلك، وكيف تعلقت بهذا الجسد وكيف تصريفك له وكيف تنقلك عنه
[ ١ / ٤٤٥ ]
فتدبرت هذا فأيقنت أنه لو كان علمها ما علمت بقوتها وطبيعتها، دون مادة من غيرها، لكان المعجز لها مما جهلته أسهل عليها من الممكن لها مما علمت. فاعترفت بان لها مدبرًا علمها ما علمت من البعيدات فعلمته، وجهلت ما لم يطلعها طلعه من القريبات فجهلته.
فيا لك برهانًا على عجز المخلوق ومهانته وضعفه وقلته، نعم وعلى أن النفس لا تفعل ولا تقعد إلا بقوة وإرادة من قبل غيرها لا تتجاوزها ولا تتعداها، ولله الأمر كله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
انتهى القول في النفس والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا
محمد وآله، وسلم تسليمًا كثيرًا
[ ١ / ٤٤٦ ]
١ - الابيات الجيمية (ص: ١٠٩ من طوق الحمامة)، قد أوردها المقري في نفح الطيب ٣: ٥٩٩، ورواية البيت الاول هناك:
خلوت بها والراح ثالثة لنا وجنح ظلام الليل قد مد واعتلج ويبدو أن الابيات استوقفت أبا عامر ابن مسلمة مؤلف كتاب (حديقة الارتياح) فعلق عليها بقوله: لا أذكر مثلها إلا قول بعض المشارقة
فأمطرت لؤلؤًا من نرجس فسقت وردًا وعضت على العناب بالبرد إلا أنه لم يعطف خمسة على خمسة كما صنع ابن حزم.
٢ - ونقل المقري أيضًا (نفح الطيب ٢: ٨٣) أن ابن حزم مر يومًا هو وأبو عمر بن عبد البر صاحب الاستيعاب بسكة الحطابين من مدينة إشبيلية فلقيهما شاب حسن الوجه، فقال ابو محمد: هذه صورة حسنة، فقال له ابو عمر: لم نر إلا الوجه فلعل ما سترته الثياب ليس كذلك، فارتجل ابن حزم أبياتًا مطلعها:
وذي عذل فيمن سباني حسنه يطيل ملامي في الهوى ويقول.. الأبيات (النفح (٢: ٨٢) ويقول المقري في صدر القصة، قال ابن حزم في طوق " الحمامة ". غير أن النسخة التي وصلتنا من هذه الرسالة لا تحتوي هذه القصة، فهل في الرسالة نقص او أن المقري قد وهم.
٣ - فاتن أن أذكر بين المؤلفات التي تدور حول الغناء والسماع (ص ٤١٩ - ٤٢٠ من هذا الكتاب) رسالة في السماع والوجد لأبي سعيد ابن الأعرابي وقد لخصت في كتاب اللمع. والفضل ف هذا التنبيه يعود إلى ذكتور رضوان السيد.
٤ - جاء في بعض المصادر نقلًا عن ابن حزم (انظر مثلًا ديوان الصبابة: ٢٧)
[ ١ / ٤٤٧ ]
أن رجلًا قال لعمر بن الخطا يا أمير المؤمنين إني رأيت امرأة فعشقتها، فقال عمر: ذلك مما لا يملك. وقد ذكر ابن القيم هذا القول في الجواب الكافي (١٦٤) ولكنه لم ينسبه لابن حزم، ويبدو أن سبب نسبته له وروده بعد قول لابن حزم مباشرة. وأيًا كان لأمر، فليس لهذا القول وجود في طوق الحمامة.
٥ - سهوت عن الإشارة إلى الترجمة الإنجليزية التي قام بها آربري (لندن ١٩٥٣) لطوق الحمامة، وكذلك ترجمة آسين بلاسيوس لرسالته في مداواة النفوس (مدريد ١٩١٦) وترجمة ندى توميش للرسالة نفسها غلى الفرنسية (بيروت ١٩٦١)، ومن الدراسات ذات الصل برسالته في الغناء بحث للأستاذ تيريس (Teres) بعنوان:
La epistola sobre el canto con musica insru،ental de Ibn Hazm de Cordoba؛ Andalus ٣٦ (١٩٧١)، pp ٢٠٣ - ٢١٤.
٦ - من الكتب المتصلة بموضوع الغناء والسماع: جزء في السماع للسلمي (كوبريلي: ١٦٣٣١) وكشف القناع عن حكم الوجد والسماع لأبي العباس أحمد بن عمر الأندلسي (لاله لي: ١٤٨٢) .
[ ١ / ٤٤٨ ]