- ١ -
تبدو هذه الرسالة نوعًا من المذكرات والخواطر، التي دونت على مر الزمن، وكانت حصيلة التجربة المتدرجة، ولعل أكثرها إنما دون في سن كبيرة، لأنها تشير إلى الهدوء والنضج في محاكمة الناس والأشياء، وتمثل مفارقة وتكملة لطوق الحمامة، وخروجًا على بعض الأحكام التي جاءت في الطوق أو تطويرًا لها. ففي هذه الرسالة يقدم ابن حزم نظرته في الحياة على نحو فلسفي أو فكري.
فإذا نظر إلى الحياة الاجتماعية وجدها تقوم على محور واحد، أحد طرفيه موجب والثاني سالب، أما الطرف الموجب فاسمه " الطمع " ومعناه بهذا التعميم: المحرك أو الدافع الداخلي الذي يوجه الفرد نحو هذا الشيء أو ذاك. فالطمع أصل في كل المظاهر الاجتماعية التي نراها من حب وطموح وحياة مادية وغير ذلك. وإذا أخذنا الحب مثلا لنفسره على مبدأ الطمع وجدنا أنواعا من الحب تختلف في الظاهر، وترجع كلها إلى أصل واحد هو " الطمع فيما يمكن نيله من المحبوب ".
ألست ترى جميع أنواع المحبين يتفرقون في النهاية، فيموت الوالد أسفًا على ولده، والعاشق حزنًا على معشوقه كما يتفقون في التعبير عن هذا الحب فيغار الرجل على صديقه كما يغار الآخر على زوجه. ثم تأمل من يقر برؤية الله تعالى ويحن إلى تحققها تجده
[ ١ / ٣٢٥ ]
لا يقنع بشيء دونها لطمعه فيها، ولكن الذي لا يؤمن بها أي لا يطمع فيها لا يحس بها أصلا، وترى المسلم يحب ابنة عمه حبا مفرطًا على قدر طمعه في أن تصير اليه بينما نجد النصراني الذي لا يحق له الزواج من ابنة عمه لا يحس نحوها بشيء إطلاقًا، وترى هذا النصراني نفسه يعشق أخته من الرضاع بينما لا يحس المسلم بعاطفة نحوها لقلة طمعه فيها. ومعنى ذلك أن هذه الظاهرة الانسانية التي تسمى " الحب " ليس لها وجود إيجابي - في رأي ابن حزم - إلا عندما يدفعها الطمع إلى الوجود فتوجد وتتشكل وتصبح فعالة في حياة صاحبها. ولا يقتصر الطمع على توجيه الحياة الاجتماعية نحو الخير بل هو سبب للشر، وهو يدعو صاحبه إلى الذل، وهو الذي يحرك في الأفراد الأنانية العمياء حتى ليجعل بعض الناس يفضل نفسه على نفوس الآخرين في سبيل الحصول على ما يحدوه الطمع إليه.
فإذا كان الطمع بهذه القوة في حياة الأفراد فمن الطبيعي أن ينشأ عنه " الهم " وهو الظرف السالب في محور الحياة الاجتماعية.
ويصف ابن حزم جميع أدوار الحياة ومظاهرها بأنها محاولة لطرد الهم، وأن الناس جميعا يتفقون في هذه الغاية سواء في ذلك المتدين ومن لا دين له، والخامل والزاهد والفيلسوف العازف عن اللذات وغيرهم. فطالب المال يكد في سعيه ليطرد " هم الفقر "، والساعي وراء الشهرة يجري إليها ليطرد " هم الخفاء والخمول "، والراغب في اللذة يطلبها ليطرد " هم الحرمان من اللذة ". وقل مثل ذلك فيمن أكل وشرب وتزوج ولعب، فإن من يقوم بهذه الأمور إنما يحاول طرد الهم الناشئ عن أضدادها.
ولكن المنافسة في هذه الأمور تخلق همومًا جديدة كطعن حاسد أو ذم ذام. أما الشيء الذي يقتلع الهم من جذوره دون أن يثير بين عناصر المجتمع همًا جديدًا فهو التوجه إلى الله تعالى، فتلك هي
[ ١ / ٣٢٦ ]
الغاية السليمة التي يمكن أن يسعى إليها الفرد مطمئنا، يقول ابن حزم: " فاعلم أنه مطلوب واحد وهو طرد الهم، وليس إليه إلا طريق واحد وهو العمل لله تعالى، فما عدا هذا فضلال وسخف.
ويظهر أن ابن حزم يؤمن بقوة الطمع في تكبير جانب الشر في الحياة، ومن ثم آمن بان الهم دائما شر، ولكنه نسي أن الأكل والشرب والزواج واللعب وغيرها من الأمور التي تقوم بها الحياة الانسانية ليست شرًا وإن سخرت لطرد الهم، وأن التوجه إلى الله تعالى لا يقضي عليها، بل هي متجددة لأنها ضرورية، ومن ثم يصبح طرد الهم ملازمًا لبقاء الحياة الانسانية لا يزول إلا بزوالها. فإذا ارتبطت هذه الأمور كلها بغاية واحدة، وهي التوجه إلى الله تعالى فليس ذلك طردًا للهم، ولكنه تهوين لشأنه، وتقليل لأثره في السعي والعمل الانساني على ظهر هذه الأرض.
ومن الملاحظة يتبين لنا أن ابن حزم يقترب في بعض نظراته الاجتماعية من رجال المدرسة النفسية، فنظرية " الطمع " تشبه إلى حد كبير ما يقال عن الغرائز وأثرها، بل إن اتخاذ اسم واحد للدوافع في نفس الفرد يقترب من رأي فرويد في حصره جميع الطاقات الغريزية في الانسان تحت اسم " لبيدو " واتخاذه غريزة الجنس متمثلة لكل الطاقات والقوى. أما طرد الهم فيمكن ان يشمل ما يسمى في علم النفس الجماعي، " الصراع النفسي والاجتماعي " وهذان النوعان من الصراع قد يحتوي أحدهما الآخر، وقد يستقل عنه، ولكن في الربط بين طرد الهم وفكرة التوجه إلى الله يقترب ابن حزم من فكرة " الصراع الاجتماعي " الذي يتمثل في توجيه الرغبات الدنيوية نحو غاية مثالية.
ومهما يقل في نقد الآراء الاجتماعية التي أوردها ابن حزم يزال بعض تلك الآراء يقربه إلى أنفسنا. فنحن نحس كأن ابن حزم يتحدث عن مشكلاتنا الحاضرة وهو يقول: أشد الأشياء على الناس الخوف والهم والمرض والفقر. ونحن أيضًا نعجب إعجابًا بالغا بنفاذ
[ ١ / ٣٢٧ ]
نظرته في المجموعة البشرية وشؤونها حين يقول: " تأملت كل ما دون السماء وطالت فيه فكرتي فوجدت كل شيء فيه وغير حي، من طبعه إن قوي أن يخلع على غيره من الأنواع هيأته ويلبسه صفاته، فترى الفاضل يود لو كان كل الناس فضلاء وترى الناقص يود لو كان كل الناس نقصاء، وكل ذي مذهب يود لو كان الناس موافقين له. " وعلماء الاجتماع المحدثون يرون في هذه الظاهرة ميلا إلى " الانسجام الاجتماعي ".
- ٢ -
وتسلمنا هذه النظرات الاجتماعية إلى ذلك المبدأ العام الذي لون تفكير ابن حزم في كلياته وجزئياته وهو " التوجه إلى الله تعالى "، فقد كان هذا الاعتبار حاضرًا في ذهنه عند كل قولة يقولها وكل رأي يبديه حتى استسلمت فلسفته إلى نوع من الزهد يوحي لأول وهلة أنه يتعارض مع مبادئه الاجتماعية، ولكنه في الواقع زهد صحيح وسليم، تستطيع أن تعبيره تحقيقًا دقيقًا للسنة الاسلامية، ولا يضطلع به، بمثل هذا الوضوح، إلا رجل كابن حزم في تحريه ودقته وسعة اطلاعه وتشربه لروح الدين الاسلامي، فابن حزم مؤمن بقيمة الزهد، وتوجهه نظرته التشاؤمية أحيانًا إلى تحبيب العزلة، ولكنه في مجموع نظرته يفهم أن الزهد هو التغلب على النفعية جهد الطاقة، وانه التربية النفسية التي تضحي بالعجب وتقضي عليه، ولذلك وقف كثيرًا من جهده على توضيح الطرق التي يحارب بها العجب، ومضى يدرس الأفراد حتى يقف على دوافع هذه الرذيلة في أعماق نفوسهم ليستطيع القضاء على تلك الدوافع في منابتها. والزهد أيضًا هو التكيف المحمود الذي يمثله الرسول، وقد لخص ابن حزم سيرة الرسول في هذه الناحية تلخيصًا مبدعًا حين قال " وقد كان رسول الله (ﷺ) وهو القدوة في كل خير والذي أثنى الله تعالى على خلقه والذي جمع فيه تعالى أشتات
[ ١ / ٣٢٨ ]
الفضائل بتمامها وأبعده عن كل نقص، يعود المريض مع أصحابه راجلًا في أقصى المدينة بلا خف ولا نعل ولا قلنسوة ولا عمامة، ويلبس الشعر إذا حضره، ويلبس الوشي من الحبرات إذا حضره، لا يتكلف إلى ما لا يحتاج اليه ولا يترك ما يحتاج إليه، ويستغني بما وجد عما لا يجد، ومرة يمشي حافيًا راجلًا، ومرة يمشي بالخف، ويركب البغلة الرائعة الشهباء ومرة يركب الفرس عريًا ومرة يركب الناقة ومرة يركب حمارًا، ويردف عليه بعض أصحابه، ومرة يأكل التمر دون خبز، والخبز يابسًا، ومرة يأكل العناق المشوية، والبطيخ بالرطب والحلوى، يأخذ القوت ويبذل الفضل ويترك ما لا يحتاج اليه، ولا يتكلف فوق مقدار الحاجة اليه، ولا يغضب لنفسه ولا يدع الغضب لربه ﷿ ".
ولا شك أن رجال الدين الذي دعوا إلى الزهد الخالص في الدنيا أو الذين يفعلون ذلك، في حاجة إلى أن يقرأوا هذه النبذة القصيرة التي تحدد معنى الزهد الطبيعي.
وبمثل هذه البصيرة النافذة وذلك الذكاء المدهش استطاع ابن حزم أن يحل كثيرًا من المشكلات التي أثارتها حياة الزهد على مر العصور، فقد كان الزهاد يتجادلون حول الفقر والغنى وأيهما أفضل: الغني أو الفقير، ولما سئل ابن حزم " آلبلاء أفضل أم العافية والفقر أفضل أم الغنى أجاب دون تردد: هذا سؤال فاسد، إنما الفضل للعباد بأعمالهم ونحن نسأل الله تعالى العافية والغنى ونعوذ بالله من البلاء والفقر، وإنما الفضل بالصبر والشكر [الرسائل: الورقة ٢٣١] .
وفي موطن آخر استطاع ابن حزم أن يوقفنا على رأي صحيح واضح في مشكلة الزهد الذي يدعو إلى المغالاة في التعبد، فقد سئل: ما الحد الأعلى في التعبد فكان جوابه: أنا اكره لكل واحد أن يزيد عن عدد ما كان يتنفل به نبيه محمد لوجهين: أحدهما: قول الله عز
[ ١ / ٣٢٩ ]
وجل (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) . والثاني أن يخطر الشيطان في قلبه، فيوسوس أنه قد فعل من الخير أكثر مما كان محمد يفعله فيهلك في الأبد، ويحيط عمله، ويجد صلاته وصيامه في ميزان سيئاته [رسالة التلخيص لوجوه التخليس، الورقة: ٢٤٢] .
- ٣ -
فإذا كان لابن حزم نظرات اجتماعية صادقة أو فلسفة أخلاقية موضحة الحدود فلابد ان تدرس هذه النواحي عنده في ظل فكرته الدينية، فهي التي كانت توجهه وتأخذ بيده في كل سبيل، وإن لم يخل من تأثر عام ببعض مبادئ الفلسفة الأخلاقية عند أفلاطون وأرسطوطاليس كمحاولته أن يفسر قيام الفضائل على أربعة عناصر - تنشأ من تجمعها المركبات - وهي العدل والفهم والنجدة والجود، وهذا يذكرنا برأي فلاطون، كما يذكرنا مبدأ التوسط بين طرفين بتعريف الفضيلة عند أرسطوطاليس. ولا شك أن كثيرًا من محاكمات ابن حزم تظهر تأثره بالفلسفة والمنطق، وهو الشيء الذي عابه بن خصومه وشنعوا عليه بسببه. ولكن لا شك أيضًا أن الفكرة الدينية هي العامل الرئيس في توجيه ملكاته وذكائه، فبها استطاع أن يقول إن علم الشريعة أفضل العلوم وأجلها، وبسببها يظهر ابن حزم الناقد الأدبي جائرًا في أحكامه على الشعر، فهو يراه من العلوم المتأخرة، ولكنه في حكمه خاضع لمبادئه الخلقية تمام الخضوع. ويرى أن يكون منهج التعليم قاصرًا في الشعر على شعر الحكمة كأشعار حسان وكعب بن مالك وصالح بن عبد القدوس، ويرى كذلك أن يحال بين الطلبة وبين رواية أربعة أضرب من الشعر هي الغزل وأشعار التصعلك وأشعار التغرب وشعر الهجاء. وهذه التقدير للشعر صادر عن مبدأ تربوي قائم على تحكيم المبدأ الخلقي في تقويم الفن. ومهما يكن رأينا في ابن حزم الناقد، فلا شك أنه في موقفه من الشعر يمثل حلقة في تلك السلسلة الطويلة من قياس الشعر بمقاييس خلقية، وإذا نحن أنكرنا هذا الرأي على ابن
[ ١ / ٣٣٠ ]
حزم فما هو إلا إنكار نظري، لأننا نتبع ما يقوله بالفعل في تدريس الشعر للطلبة قبل انتقالهم إلى طور النضج، ونجنبهم قراءة جزء كبير مما نهى عنه ابن حزم، ولعل هذا عينه هو عناه ابن حزم في نقده للشعر لأنه يرسم منهجًا في التعليم ويخضع كل العلوم لمقاييس تربوية.
- ٤ -
وقد نبهتني هذه المذكرات وغيرها إلى أن ابن حزم ربما كان من أولئك الرواد الذين مهدوا لابن خلدون طريقه لوضع علم الاجتماع. فذهبت أقارن بين الرجلين، ودلتني المقارنة على اتفاقهما في بعض المظاهر، مثل اعتقادهما ان التاريخ علم شريف الغاية " لأنه يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سريهم. حتى تتم في ذلك فائدة الاقتداء لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا " (المقدمة: ٩ ط. التجارية) .
ومنها إبطال علم النجوم لبطلان إمكان التجربة التي تحتاج آمادًا طويلة لا يفي بها العمر الانساني، ومنها الإيمان بسلامة البداوة في أجسام أهلها واستغنائهم عن علم الطب بطرقهم الخاصة، إلى غير ذلك من نظرات لو جمعت لكان منها قدر صالح لإثبات مدى التشابه، ولكنه فيما يبدو لي - تشابه ظاهري يصل إليه كل مفكر على انفراد دون تأثر أو اتباع. وربما لم يكن ابن حزم من الأشخاص الذي تأثر بهم ابن خلدون، فابن خلدون لا يذكره بين من عنوا بشيء من التفسيرات الاجتماعية، ولا يحيل عليه حين ينصح الطلبة بقراءة كتب تفهمهم حقيقة السنة الإسلامية وتؤمن لديهم سلامة العقيدة، وربما كان اتباع ابن خلدون للمذهب المالكي يباعد بينه وبين الاستئناس إلى رأي رجل ظاهري كابن حزم كان عنيفًا في خصومه للمالكية. ثم هنالك ذلك البون الشاسع في النظرة الاجتماعية عند كل منهما، فابن حزم أقرب
[ ١ / ٣٣١ ]
إلى الفيلسوف الأخلاقي، ومن هذا الوضع نفسه ينظر إلى المجتمع، ويهتم بالفرد اهتمامًا بالغًا، أما ابن خلدون فإنه عالم اجتماعي لا يعبر الفرد في فلسفته ومبادئه اهتمامًا كبيرًا. وابن حزم صاحب مذهب قائم على الاكتفاء بالنقل، وهو يتخذ من هذا النقل شاهدًا على صحة النبوات والشرائع والتواريخ، بينما لا يرضى ابن خلدون بالنقل وحده في الخبر، لأنه يتحمل الخطأ والدس والتشويه، ومع كل ذلك فإن ابن حزم يظل مقدمة صالحة لذلك السموق الشامخ في الفكر الاسلامي كما يمثله ابن خلدون: أولا في تلك النظرة الإجلالية للتاريخ واعتباره علمًا وثانيًا في ذلك التقدير لمعنى التعاون في الحياة الاجتماعية، ذلك المبدأ الذي تلقاه ابن حزم عن أستاذه ابن الكتاني ودان به في نظرته الاجتماعية، فقد كان ابن حزم معجبًا بقول ذلك الأستاذ " إن من العجب من يبقى في هذا العالم دون معاونة لنوعه على مصلحة، أما يرى الحراث يحرث له، والطحان يطحن له، والنساج ينسج له وسائر الناس كل متول شغلا له فيه مصلحة وبه إليه ضرورة " وعلى بساطة هذا الكلام فإنه يجمل أن يكون أساسًا لتحويل الناس في المغرب عن الاتكالية والخمول اللذين كانا يصحبان التصوف حيثما حل. ومن هذه النظرة الايجابية إلى التعاون الإنساني في المجتمع المغربي، ومن تفشي الحياة الخاملة في طبقات الصوفية هنالك، استمد ابن خلدون، ولابد، شيئًا من تفسيراته. ومن مغالاة أهل الظاهر وإغراقهم في الاعتماد على النقل تولد لديه ما يبصره بالطريقة المثلى لتصحيح الأخبار وتمحيصها، فاهتدى إلى ضرورة المعرفة بالعمران البشري وقاده هذا إلى البحث عن مبادئ كامنة وراء ذلك العمران.
[ ١ / ٣٣٢ ]