سمَّاها ابن حيان " نقط العروس في نوادر الأخبار " (٤) وذلك عنوان أدلُّ على
_________________
(١) انظر حديثًا عن حدة ابن حزم في الجزء الأول من الرسائل (١٩٨٠): ٧٦.
(٢) الذخيرة ١/١: ١٦٨.
(٣) نقط (بفتح النون وسكين القاف) مصدر نَقَط، وعلى هذا يكون معى العنوان " تنقيط العروس " أي تحسينها بالنقط؛ وورد في الأغاني (١٧: ٣١٨) إنما شعر ذي الرمة نُقَطُ عروس تضمحل عما قليل وهذه الصيغة جمع نقطة؛ وانظر الميداني ٢: ١٩٨ حيث كتبت " نَقْطُ " هنالك، وبهذه الصيغة وردت الترجمة (Naqt) واستشهد الجرجاني في الكتابات بما قيل في شعر ذي الرمة ثم قال: ونقط العروس إذا غسلته ذهب (كنايات: ١١٧) .
(٤) المقتبس ٥: ٣٧، ١٣٢.
[ ٢ / ٢٩ ]
محتواها من العنوان الذي ورد على مخطوطة ميونخ. وفي نفح الطيب (نقط العروس في تواريخ الخلفاء) وقد فاد منها ابن حيان في المقتبس، ورواها الحميدي تلميذ ابن حزم، كا رواها أبو أسامة يعقوب ابن الفقيه أبي محمد وعنه أخذها البطروجي الحافظ (١)، وعرفها ابن بسام صاحب الذخيرة (٢) وذكره ابن سعيد في ارسالة التي ذيل بها على رسالة في فضل أهل الندلس لابن حزم (٣)، وكانت أحد مصادره في كتاب المغرب (٤) كا ذكرها ابن خلكان بقوله: " وله كتاب صغير سماه نقط العروس مع كل غريبة نادرة وهو مفيد جدًا "، وقد اعتمه ابن خلكان (٥) ونقل عنه التجاني في تحفة العروس (٦)، وأدرج بعض نصوصها لسان الدين ابن اخطيب في كتابه أعمال الأعلام (٧)، والنويري في نهاية الأرب (٨) ولا ندري إن كان احب مفاخر البربر (٩) ينقل ها مباشرة.
وقد قام بشرها المستشرق زيبولد (Seybold) في مجلة مركز الدراسات التاريخية بغرناطة سنة ١٩١١ وأعاد نشرها أستاذنا الدكتور شوقي ضيف بمجلة كلية الآداب - جامعة القاهرة (العدد ١٣ سنة ١٩٥١) عن نسخة بايزيد عمومية وهي براوية الحميدي تلميذ ابن حزم وصاحبه، ولهذه المكانة التي يحتلها الحميدي فإن الثقة بروايته عالية، ولكن عند لمقارة الدقيقة بين النسختين يتبين لنا شدة التفاوت بينهما، فرواية نسخة ميونخ تحتفظ بزيادات لا وجود لها في نسخة الحميدي، وهذه الثانية كذلك، ولهذا كان لا بد ن المزاوجة بينهما لإخراج رواية كاملة، وقد اتخذت نسخة ميونخ (ورمزها: م) أصلًا لأنها تحفل بزيادات كثيرة، ووضعت زيادات نسخة بايزيد (ورمزها: ب) بين معقفين، وقد تسرب الاختلاف بين النسختين لا إلى زيادة هنا ونقص هناك وحسب بل إلى طبيعة العبارة نفسها، وهذا الاختلاف يتمثل أيضًا في النقول التي وردت من نقط العروس في المصادر التي تم ذكرها فآنفًا، وقد يعزى ذلك
_________________
(١) معجم أصحاب الصدفي: ٢٩.
(٢) انظر الذخيرة ١/١: ٤٣٣.
(٣) نفح الطيب ٣: ١٨٢.
(٤) المغرب ١: ٤٥.
(٥) ابن خلكان ٣: ٣٢٦؛ ٥: ٢٢.
(٦) تحفة العروس: ٧٣، ١٩٢.
(٧) أعمال الأعلام: ١٤، ٢٦، ٦٣، ١٣٢، ١٤٢.
(٨) نهية الأرب ٢٢: ٩٣.
(٩) مفاخر البربر: ٤٨.
[ ٢ / ٣٠ ]
في بعض الأحيان إلى تصرف النقلة، ولكنه قد يشير من ناحية أخرى إلى أن المؤلف كتب غير نسخة واحدة معدلة على الأصل الأول، وهذا التعليل قد يفسر التفاوت الكثير بين النسختين المذكورتين أيضًا.
وقد ترجمت هذه الرسالة إلى الإسبانية عن نشرة زيبولد وقام بذلك الأستاذ لويس سيكو دي لوثينا (Luis Seco de Lucena) سنة ١٩٤١ في مجلة جامعة غرناطة (ثم جمعت في كتاب ونشرت مع النص العربي الذي حققه زيبولد في بلنسية ١٩٧٤) . ولما اطلع دي لوثينا على نشرة الدكتور شوقي ضيف، كتب مقالًا بملة الأندلس (العدد ١٩ سنة ١٩٦٤ ص ٢٣ - ٣٨) درس فيه نصًا عن غالب القائد (هو الفقرة: ٧٦ من هذه الطبعة) وقارنه بنص عن غالب نفسه ورد في أعمال الأعلام، وهذا النص لم يرد في نسخة ميونخ. ويبدو أن سعد الدين بن شنب لم يطلع على ما كتبه دي لوثينا إذ عاد إلى الموضوع نفسه في مقال له بعنوان:
Ibk el - Khatib a - t - il emprunte au Naqt al - " Arus d " ibn. Hazm la relation de la mort de Ghalib al - Nassiri (RHCM٤ (١٩٦٨) pp.١٧ - ١٩)
وقد كتب أبو عب الرحمن بن عقيل الظاهري مقالًا عن هذه الرسالة بعنوان " التعريف بنقط العروس " نشر بمجلة الدعوة السعودية، العدد: ٤٩١.
وهي رسالة في النوادر والغرائب، والعنواين فيها تدل على المنحى العام فيها مثل: أخلوقة لم يقع في الدهر مثلها، فضيحة لم يقع في العالم إلى يومنا مثلها، من غرائب المناكح، من غرائب الدهر، من غرائب الأخبار الخ؛ ويبدو فيها اهتمام ابن حزم بالألقاب، فقد افتتح الرسالة بهذا الموضوع ثم عاد إليه في الفقرة ٨٤، ٨٥، ٨٦، حتى أنه اقترح ألقابًا صالحة للاستعمال، ومثل هذا الاهتمام لا يتطابق وعدم إيمانه بجدوى الألقاب، فهو يقول في التعليق على كثرة الألقاب وقلة غناء الملقبين، وتدني الحال إلى أن انتحل السماسرة واللصوص والأنذال ورذالات الناس الألقاب لأنفسهم " ولقد كانت دولة عبد الملك وبنيه الوليد ويزيد وهشام وعمر بن عبد العزيز لا عضد لها ولا عماد، ولا قب إلا أسماؤهم وأسماء آبائهم فقط، وقد طبقت الدنيا خساسة وضعفًا ومهانة " (١) .
ولا يخفي ابن حزم أنه كان معجبًا بالأمير محمود بن سبكتكين إلى أن تلقب
_________________
(١) نقط العروس، الفقرة: ٨٦، ص: ١٠٢.
[ ٢ / ٣١ ]
بلقب " يمين الدولة " فسقط عنده إلى غير ما كان يقدره فيه (١)؛ ولا تفسير لاهتمامه بموضوع الألقاب إلا أنه داخل في جملة النوادر، وإنه لا يستطيع جحد التاريخ بإغفال هذا الجانب فيه، وإن كان لا يقر الألقاب، ولا يحترمها.
وبسبب التفاوت القائم بين نسختي " نقط العروس " لا نستطيع أن نحكم على الترتيب النهائي الذي اختاره ابن حزم لرسالته، ولكنها في حالها الراهنة تعد من أكثر رسائله بعدًا عن منهج مرسوم، وذلك أمر يستغرب منه، إلا أن يكون العذر هو أنها خطرات مرت بذاكرته فدونها كما خطرت، ومع ذلك فنحن نلمح فيها موضوعات محددة، فبعد ذكر الألقاب يتعرض ابن حزم لخلافة وشؤونها وما يتصل بها من ولاية عهد (ف ٢ - ١٩) ثم يتحدث عن الخلفاء وأحوالهم فيعد من كان منهم طاغية أو أحمق أو حزمًا أو كثير الفتوح أو مهرًا بشرب الخمر أو عالمًا أو عدلًا أو مسرفًا أو أديبًا الخ والعلاقة بين الخليفة وأقربائه من أبناء وأخوة وأعمام. ويستغرق هذا الموضوع عدة فقرات في رسالته، ولكنه لا يرى بأسًا في أن يدرج هنا وهناك فقرًا لا علاقة لها بالموضوع الرئيسي. ثم يعود إلى الخلفاء وأوالهم في الفقرات ٨٩ - ٩١، ١٠٥. وخارج نطاق الخلفاء والخلافة تدث ابن زم عن شؤون مثل: غرائب المناكح، من تزوج من الكبراء والعلية منكحًا ساقطًا، من تزوج من غمار الناس في الخلفاء؛ وغير ذلك من موضوعات، وقد خصص الفقرة (١٠٤) للحديث عن أمور تتعلق بالرسول (ص)، وبكل ذلك تجاوز الحديث ع الخلفاء إلى موضوعات أخرى، ولهذا أشرت إلى أن تسميتها " نقط العروس في تواريخ الخلفاء " غير دقيقة وأدق منها أنها في النوادر، كما قال ابن حيان. ولا ريب في أنها رسالة متعددة الفوائد، تنبه إلى بعض المفارقات في أخبار الناس وأحوالهم، مثيرة بجمع الأشباه والنظائر، وتقديم المعلومات لمفاجئة، وكثير من أجزائها إنما يقوم على الإحصاء، وهي تدلُّ على " ذهنية " نفاذة إلى أمور قد يمر به الآخرون دون توقف عندها.
وقد كتبت الرسالة في سنة ٤٣٢ - فيما أقدر - إذ يذكر فيها (ف: ٦٨) محمد بن عيسى بن مزين صاحب شلب [الآن] وهذا توفي في العام المذكور، كما يذكر مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين وقتله لعمه محمد (ف: ٧٢) وكان ذلك في شعبان من ذلك العام (٢)؛ ولم يكر في الألقاب المضافة إلى الدولة لقب يمن الدولة أحمد بن
_________________
(١) نقط العروس: الفقرة ٨٦، ص: ١٠١.
(٢) تاريخ ابن الأثير ٩: ٤٨٨.
[ ٢ / ٣٢ ]
محمد صاحب البونت، مع أنه نزل عنده وحظي برعايته وقد ظل يمن الدولة حاكمًا حتى ٤٣٤ ولكن ابن حزم في الرسالة التي كتبها له في فضل الأندلس لا يورد له لقبًا؛ غير أني لا أقطع بأن تكون الرسالة قد وضعت في صورتها النهائية في ذلك التاريخ نفسه، إذ لو كان الأمر كذلك لما وجدنا في النسختين كل ذلك الاختلاف (١) .
- ٢ -