إلى معرفة ما تستر به عنها من كلام مسموع
أو شيء مرئي وإلى المدح (٢) وبقاء الذكر
٢١٢ - هذان أمران لا يكاد يسلم منهما أحد إلا ساقط الهمة جدًا أو من راض نفسه الرياضة التامة وقمع قوة نفسه الغضبية قمعًا كاملًا. ومداواة شره النفس إلى سماع كلام تستر به عنها أو رؤية شيء اكتتم به دونها أن يفكر فيما غاب عنها من هذا النوع في غير موضعه الذي هو فيه، بل في أقطار الأرض المتباينة، فان اهتم بكل ذلك فهو مجنون تام الجنون عديم العقل البتة. وأن لم يهتم لذلك فهل هذا الذي اختفى عنه إلا كسائر ما غاب عنه منه سواء بسواء ولا فرق ثم ليزدد احتجاجًا (٣) على هواه فليقل بلسان عقله لنفسه: يا نفس أرأيت لو لم تعلمي ان ها هنا شيئًا أخفي عنك أكنت تطلعين إلى معرفة ذلك فلا بد من لا، فليقل لنفسه: فكوني الآن كما كنت تكونين لو لم تعلمي بان ها هنا شيئًا ستر عنك، فتربحي الراحة وطرد الهم وألم القلق وقبح صفة الشره. وتلك غنائم كثيرة وأرباح جليلة وأغراض فاضلة سنية، يرغب العاقل فيها ولا يزهد فيها إلا تام النقص.
_________________
(١) ص: مطلع؛ م: مطامع.
(٢) م: أو شيء يدني الى المدح.
(٣) م: ليزيد احتجاجه.
[ ١ / ٤٠٧ ]
٢١٣ - واما من علق على وهمه وفكره بان يبعد اسمه في البلاد ويبقى ذكره على الدهور، فليتفكر في نفسه وليقل لها: يا نفس أرأيت لو ذكرت بأفضل الذكر في جميع أقطار المعمور أبد الأبد إلى انقضاء الدهور ثم لم يبلغني ذلك ولا عرفت به أكان لي في ذلك سرور وغبطة أصلًا فلا بد من " لا " ولا سبيل إلى غيرها البتة، فإذا صح ذلك وتيقن فليتعلم يقينًا أنه إذا مات فلا سبيل له إلى علم انه يذكر أو انه لا يذكر، وكذلك وأن كان حيًا إذا لم يبلغه.
ثم ليتفكر أيضًا في معنيين عظيمين أحدهما كثرة من خلا من الفضلاء من الأنبياء والرسل صلى الله عليهم وسلم أولًا والذين لم يبق لهم على أديم الأرض عند أحد من الناس اسم ولا رسم ولا ذكر ولا خبر ولا أثر بوجه من الوجوه. ثم من الفضلاء الصالحين من أصحاب الأنبياء السالفين والزهاد ومن الفلاسفة والعلماء والأخيار وملوك الأمم الدارة وبناة المدن الخالية واتباع الملوك أيضًا الذين انقطعت أخبارهم فلم يبق لهم عند أحد علم ولا لأحد بهم معرفة أصلًا البتة. فهل ضر من كان فاضلًا منهم ذلك أو نقص من فضائلهم أو طمس من محاسنهم أو حط درجتهم عند بارئهم ﷿
ومن جهل هذا الأمر فليعلم انه ليس في شيء من الدنيا خبر عن ملك من ملوك الدنيا والأجيال السالفة ابعد مما بأيدي الناس من تاريخ ملك بني اسرائيل فقط، ثم ما بأيدينا من تاريخ ملك يونان والفرس وكل ذلك لا يتجاوز ألفي عام، فأين ذكر من عمر الدنيا قبل هؤلاء أليس قد دثر وفني وانقطع ونسي البتة
ولذلك قال الله تعالى: ﴿ورسلًا لم نقصصهم عليك﴾ (النساء: ١٦٤) وقال تعالى: ﴿وقرونًا بين ذلك كثيرًا﴾ (الفرقان: ٣٨) وقال الله تعالى: ﴿والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله﴾ (إبراهيم: ٩) فهل الإنسان، وأن ذكر برهة من الدهر، إلا كمن خلا قبل من الأمم الغابرة الذين ذكروا ثم نسوا جملة
[ ١ / ٤٠٨ ]
ثم ليتفكر الإنسان فيمن ذكر بخير أو بشر، هل يزيده ذلك عند الله تعالى درجة أو يكسبه فضيلة لم يكن حازها بفعله أيام حياته. فإذا (١) هذا كما قلنا فالرغبة في الذكر رغبة في غرور (٢)، ولا معنى له ولا فائدة فيه أصلا، لكن إنما ينبغي ان يرغب العاقل في الاستكثار من الفضائل وأعمال البر التي يستحق من هي فيه الذكر الجميل والثناء والحسن والمدح وحميد الصفة، فهي التي تقربه من بارئه تعالى وتجعله مذكورًا عنده ﷿ الذكر الذي ينفعه ويحصل على بقاء فائدته ولا يبيد أبد الأبد، وبالله الوفيق.
٢١٤ - شكر المحسن (٣) فرض واجب، وإنما ذلك بالمقارنة له يمثل ما احسن فاكثر، ثم بالتهمم بأموره والتأتي بحسن الدفاع عنه ثم بالوفاء له، حيًا وميتًا، ولمن يتصل به من شأفة (٤) وأهل كذلك، ثم بالتمادي على وده ونصيحته ونشر محاسنه بالصدق وطي مساويه ما دمت حيًا وتوريث ذلك عقبك وأهل ودك. وليس من الشكر عونه على الآثام وترك نصيحته في ما يوتغ (٥) به دينه ودنياه، بل من عاون من أحسن إليه على باطل فقد غشه وكفر إحسانه وظلمه وجحد إنعامه. وأيضًا فان إحسان الله تعالى وإنعامه ﷿ على كل أحد اعظم واقدم وأهنأ من نعمة كل منعم دونه، فهو تعالى الذي شق لنا الإبصار الناظرة وفتق فينا الآذان السامعة ومنحنا الحواس الفاضلة ورزقنا النطق والتمييز اللذين بهما استأهلنا ان يخاطبنا، وسخر لنا ما في السماوات و[ما في] (٦) الأرض من الكواكب والعناصر، ولم يفضل
_________________
(١) م: فاذا كان هذا.
(٢) م: رغبة غرور.
(٣) م: شكر المنعم.
(٤) شأفة الرجل: أهله وماله، وفي ص: مسافة وكذلك في د.
(٥) يزتغ: يهلك، وأوتغ دينه بالإثم أفسده.
(٦) زيادة من د.
[ ١ / ٤٠٩ ]
علينا من خلقه شيئًا غير ملائكته المقدسين الذين هم عمار السماوات فقط، فأين تقع نعم المنعمين من هذه النعم فمن قدر انه يشكر محسنًا إليه بمساعدته (١) على باطل أو بمحاباته فيما لا يجوز فقد كفر نعمة اعظم المنعمين عليه وجحد إحسان اجل المحسنين إليه ولك يشكر ولي الشكر حقًا ولا حمد أهل الحمد أصلًا، وهو الله تعالى.
ومن حال بين المحسن إليه وبين الباطل وأقامه على مر الحق، فقد شكره حقًا وأدى واجب حقه عليه مستوفى، ولله الحمد أولًا وآخرًا وعلى كل حال.
_________________
(١) ص: بمشاهدته.
[ ١ / ٤١٠ ]