٤٠ - احرص على أن توصف بسلامة الجانب، وتحفظ من أن توصف بالدهاء فيكثر المتحفظون منك، حتى ربما أضر ذلك بك وربما قتلك.
٤١ - وطن نفسك على ما تكره يقل همك إذا أتاك ولم تستضر بتوطينك أولًا، ويعظم سرورك ويتضاعف، إذا أتاك ما تحب مما لم تكن قدرته.
٤٢ - إذا تكاثرت الهموم سقطت كلها.
٤٣ - الغادر يفي بالمحدود [والوفي يغدر بالمحدود] (٢) والسعيد كل السعيد في دنياه من لم يضطره الزمان إلى اختيار الإخوان.
٤٤ - لا تفكر فيمن يؤذيك فانك ان كنت مقبلًا فهو هالك، وسعدك يكفيك، وإن كنت مدبرًا فكل أحد يؤذيك.
٤٥ - طوبى لمن علم من عيوب نفسه أكثر مما يعلم منها.
٤٦ - الصبر على الجفاء ينقسم ثلاثة أقسام: فصبر عن من يقدر عليك ولا تقدر عليه، وصبر عن من تقدر عليه ولا يقدر عليك، وصبر
_________________
(١) ص: الاختلاف.
(٢) زيادة من م.
[ ١ / ٣٤٧ ]
عن من لا تقدر عليه ولا يقدر عليك. فالأول ذل ومهانة وليس من الفضائل، والرأي لمن خشي ما هو أشد مما يصبر عليه، المتاركة والمباعدة، والثاني فضل وبر وهو الحلم على الحقيقة، وهو الذي يوصف به الفضلاء، والثالث ينقسم قسمين: إما أن يكون الجفاء ممن لم يقع منه إلا على سبيل الغلطة والوهلة ويعلم قبح ما أتى به ويندم عليه، فالصبر عليه فضل وفرض، وهو حلم على الحقيقة، وأما من كان لا يدري مقدار نفسه ويظن أن لها حقًا يستطيل به، فلا يندم على ما سلف منه، فالصبر عليه ذل للصابر وإفساد للمصبور عليه، لأنه يزيد استشراء، والمقارضة له سخف، والصواب إعلامه بأنه كان ممكنًا أن ينتصر منه، وأنه إنما ترك ذلك استرذالًا له فقط، وصيانة عن مراجعته، ولا يزاد على ذلك. وأما جفاء (١) السفلة فليس جوابه الا النكال وحده.
٤٧ - من جالس الناس لم يعدم همًا يؤلم نفسه، وإثمًا (٢) يندم عليه في معاده، وغيظًا ينضج كبده، وذلًا ينكس همته. فما الظن بعد بمن خالطهم وداخلهم والعز والراحة والسرور والسلامة في الانفراد عنهم، ولكن اجعلهم كالنار تدفأ (٣) بها ولا تخالطها. (٤)
٤٨ -[لو لم يكن في مجالسة الناس الا عيبان لكفيا، أحدهما: الاسترسال عند الأنس بالأسرار المهلكة القاتلة التي لولا المجالسة لم يبح بها البائح، والثاني: مواقعة الغلبة المهلكة في الآخرة، فلا سبيل إلى السلامة من هاتين البليتين إلا بالانفراد عن المجالسة جملة] .
٤٩ - لا تحقرن (٥) شيئًا من عمل غد أن (٦) تحققه بان تعجله
_________________
(١) ص: جواب.
(٢) ص: وانما.
(٣) ص: تدن.
(٤) زاد في ص: ليلة.
(٥) ص: لا تؤخر لا تحقرن.
(٦) ص: لا لأن.
[ ١ / ٣٤٨ ]
اليوم (١) وان قل فإن من قليل الأعمال يجتمع كثيرها، وربما اعجز أمرها عند ذلك فبطل الكل. ولا تحقر شيئًا مما ترجو به تثقيل ميزانك يوم البعث أن تعجله الآن، وان قل، فانه يحط عنك كثيرًا لو اجتمع لقذف بك في النار.
٥٠ - الوجع والفقر والنكبة والخوف لا يحس أذاها الا من كان فيها، ولا يعلمه من كان خارجًا عنها، وفساد الرأي والعار والإثم لا يعلم قبحها إلا من كان خارجًا عنها وليس يراه من كان داخلًا فيها.
٥١ - الأمن والصحة والغنى لا يعرف حقها الا من كان خارجًا عنها وليس يعرفه (٢) من كان فيها. وجودة الرأي والفضائل وعمل الآخرة لا يعرف فضلها الا من كان من أهلها، ولا يعرفه من لم يكن منها.
٥٢ - أول من يزهد في الغادر من غدر له الغادر، وأول من يمقت شاهد الزور من شهد له به، وأول من تهون الزانية في عينه فالذي يزني بها.
٥٣ - ما رأينا شيئًا فسد فعاد إلى صحته الا بعد لأي - أي بعد شدة - فكيف بدماغ يتوالى عليه فساد السكر كل ليلة، وان عقلًا زين لصاحبه تعجيل افساده كل ليلة لعقل (٣) ينبغي أن يتهم.
٥٤ -[الطريق تبرم، والزوايا تكرم، وكثرة المال ترغب وقلته تقنع] (٤) .
٥٥ - قد ينحس العاقل بتدبيره ولا يجوز أن يسعد الأحمق بتدبيره.
_________________
(١) ص: بأن العجلة اليوم.
(٢) م: وليس يعرف حقها.
(٣) ص: العقل.
(٤) هذه الفقرة تبدو دخيلة وقوله " الزوايا تكرم " لا أدري معناه، ولعله " الروايا " أي الابل التي تحمل الماء وتعين على قطع الطريق.
[ ١ / ٣٤٩ ]
٥٦ - لا شيء اضر على السلطان من كثرة المتفرغين حواليه. فالحازم يشغلهم بما لا يظلمهم فيه، فان لم يفعل شغلوه بما يظلمونه فيه.
٥٧ - مقرب أعدائه قاتل نفسه.
٥٨ - كثرة وقوع العين على الشخص تسهل أمره وتهونه.
٥٩ - التهويل بلزوم زي ما، والاكفهرار وقلة الانبساط، ستائر جعلها الجهال الذين مكنتهم (١) الدنيا أمام جهلهم.
٦٠ - لا يغتر العاقل بصداقة حادثة أيام دولته، فكل أحد صديقه يومئذ.
٦١ - اجهد في أن تستعين في أمورك بمن يريد منها لنفسه مثل ما تريد لنفسك، ولا يستعن فيها بمن حظه من غيرك كحظه منك.
٦٢ - لا تجب عن كلام نقل إليك عن قائل حتى توقن أنه قاله فان من نقل إليك كذبًا رجع من عندك بحق (٢) .
٦٣ - ثق بالمتدين وان كان على غير دينك، ولا تثق بالمستخف وان أظهر أنه على دينك. من استخف بحرمات الله تعالى فلا تأمنه على شيء مما تشفق عليه.
٦٤ - وجدت المشاركين بأرواحهم أكثر من المشاركين بأموالهم، هذا شيء طال اختباري اياه، ولم أجد قط على طول التجربة سواه، فأعيتني معرفة العلة في ذلك حتى قدرت أنها طبيعة في البشر.
٦٥ -[من قبيح الظلم الإنكار على من أكثر الإساءة إذا أحسن في الندرة] .
٦٦ -[من استراح من عدو واحد حدث له أعداء كثيرة] .
_________________
(١) ص: مكنهم.
(٢) قارن بالفقرة: ١٤٤.
[ ١ / ٣٥٠ ]
٦٧ -[أشبه ما رأيت بالدنيا خيال الظل وهي تماثيل مركبة على مطحنة خشب تدار بسرعة فتغيب طائفة وتبدو أخرى] .
٦٨ - طال تعجبي في الموت، وذلك أني صحبت أقوامًا صحبة الروح للجسد من صدق المودة، فلما ماتوا رأيت بعضهم في النوم ولم أر بعضهم، وقد كنت عاهدت بعضهم في الحياة على التزاور في المنام بعد الموت ان أمكن ذلك، فلم أره في النوم بعد أن تقدمني إلى دار الآخرة، فلا أدري أنسي أم شغل] .
٦٩ -[غفلة النفس ونسيانها ما كانت فيه في دار الابتداء قبل حلولها في الجسد كغفلة من وقع في طين غمر عن كل ما عهد وعرف قبل ذلك. ثم أطلت الفكر أيضًا في ذلك فلاح لي شعب زائد من البيان. وهو أني رأيت النائم اذ همت نفسه بالتخلي من جسده وقوي حسها حتى تشاهد الغيوب قد نسيت ما كان فيه قبيل نومها نسيانًا تامًا البتة على قرب عهدها به، وحدثت لها أحوال أخر، وهي في كل ذلك ذاكرة حساسة متلذذة آلمة، ولذة النوم محسوسة في حاله، لان النائم يلتذ ويحتلم ويخاف ويحزن في حال نومه] .
٧٠ - انما تأنس النفس بالنفس. فأما الجسد فمستثقل مبروم به، ودليل ذلك استعجال المرء بدفن جسد حبيبه إذا فارقته نفسه، وأسفه لذهاب النفس وان كانت الجثة حاضرة بين يديه.
٧١ - لم أر لإبليس (١) أصيد ولا أقبح ولا أحمق من كلمتين ألقاهما على ألسنة دعاته: إحداهما اعتذار من أساء بأن فلانًا أساء قبله، والثانية استسهال الإنسان ان يسيء اليوم لأنه قد أساء أمس، [أو أن يسيء في وجه ما لأنه قد أساء في غيره. فقد صارت هاتان الكلمتان عذرًا مستهلتين للشر ومدخلتين له في حد ما يعرف ويحمل ولا ينكر] .
_________________
(١) ص: الا ابليس.
[ ١ / ٣٥١ ]
٧٢ -[استعمل سوء الظن حيث تقدر على توفيته حقه في التحفظ والتاهب، واستعمل حسن الظن حيث لا طاقة بك على التحفظ فتربح راحة النفس] .
٧٣ -[حد الجود وغايته أن تبذل الفضل كله في وجوه البر وأفضل ذلك في الجار المحتاج وذي الرحم الفقير، وذي النعمة الذاهبة والأخص فاقة. ومنع الفضل من هذه الوجوه داخل في البخل، وعلى قدر التقصير والتوسع في ذلك يكون المدح والذم، وما وضع في غير هذه الوجوه فهو تبذير، وهو مذموم، وما بذلت من قوتك لمن هو أمس حاجة منك، فهو فضل وإيثار، وهو خير من الجود؛ وما منع من هذا فهو لا حمد ولا ذم وهو انتصاف] .
٧٤ - بذل الواجبات فرض، وبذل ما فضل عن القوت جود. والإيثار على النفس من القوت بما لا تهلك على عدمه فضل، ومنع الواجبات حرام، ومنع ما فضل عن القوت بخل وشح. والمنع من الايثار ببعض القوت عذر (١)، ومنع النفس أو الأهل القوت أو بعضه نتن ورذالة ومعصية، والسخاء بما ظلمت فيه أو أخذته بغير حقه ظلم مكرر (٢)، والذم جزاء ذلك لا الحمد، لأنك إنما تبذل مال غيرك على الحقيقة لا مالك. واعطاء الناس حقوقهم مما عنك ليس جودًا ولكنه حق.
٧٥ - حد الشجاعة بذل النفس للموت عن الدين والحريم، وعن الجار المضطهد، وعن المستجير المظلوم، وعن الهضيمة ظلمًا في المال والعرض وسائر سبل الحق، سواء قل من يعارض أو كثر. والتقصير (٣) عما ذكرنا جبن وخور، وبذلها في عرض الدنيا تهور وحمق. وأحمق من
_________________
(١) ص: منع، وهذه قراءة د.
(٢) م: مكروه.
(٣) ص: والصبر.
[ ١ / ٣٥٢ ]
ذلك من بذلها في المنع عن الحقوق والواجبات - قبلك أو قبل غيرك - وأحمق من هؤلاء كلهم قوم شاهدتهم لا يدرون فيما يبذلون أنفسهم، فتراه يقاتلون زيدًا عن عمرو، وتارة يقاتلون عمرًا عن زيد، ولعل ذلك يكون في يوم واحد، فيتعرضون للمهالك بلا معنى، فينقلبون (١) إلى النار أو يفرون إلى العار. وقد أنذر بهؤلاء رسول الله ﷺ في قوله " يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قتل " (٢) .
٧٦ - حد العفة ان تغض بصرك وجميع جوارحك عن الأجسام التي لا تحل لك، فما عدا هذا فهو عهر، وما نقص حتى يمسك عما أحل الله تعالى فهو ضعف وعجز.
٧٧ - حد العدل أن تعطي من نفسك الواجب وتأخذه، وحد الجور أن تأخذه ولا تعطيه.
٧٨ - وحد الكرم أن تعطي من نفسك الحق طائعًا، وتتجافى عن حقك لغيرك قادرًا، فالفضل أعم والجود أخص، إذ الحلم فضل وليس جودًا، والفضل فرض زدت عليه نافلة.
٧٩ - إهمال ساعة يفسد رياضة سنة.
٨٠ - خطأ الواحد خير في تدبير الأمور من صواب الجماعة التي لا يجمعها واحد، لأن خطأ الواحد في ذلك يستدرك، وصواب الجماعة يضري على استدامة الإهمال، وفي ذلك الهلاك.
٨١ -[نوار الفتنة لا يعقد] .
٨٢ -[كانت في عيوب، فلم أزل بالرياضة واطلاعي على
_________________
(١) هذه هي قراءة م؛ وفي ص: يقتلون.
(٢) الحديث في الترمذي (تجارات: ٥٨) والنسائي (زكاة: ٦٤) والموطأ (سفر: ٨٨) .
[ ١ / ٣٥٣ ]
ما قالت الأنبياء صلوات الله عليهم والأفاضل من الحكماء المتأخرين والمتقدمين في الأخلاق وفي آداب النفس أعاني مداواتها، حتى أعان الله ﷿ على أكثر ذلك بتوفيقه ومنه، وتمام العدل ورياضة النفس والتصرف بأزمة الحقائق هو الإقرار بها، ليتعظ بذلك متعظ يومًا ان شاء الله.
(أ) فمنها كلف في الرضاء وإفراط في الغضب، فلم أزل أداوي ذلك حتى وقفت عند ترك إظهار الغضب جملة بالكلام والفعل والتخبط، وامتنعت مما لا يحل من الانتصار وتحملت من ذلك ثقلًا شديدًا وصبرت على مضض مؤلم كان ربما امرضني، وأعجزني ذلك في الرضى وكأني سامحت نفسي في ذلك، لأنها تمثلت ان ترك ذلك لؤم.
(ب) ومنها دعابة غالبة، فالذي قدرت عليه فيها إمساكي عما يغضب الممازح، وسامحت نفسي فيها إذ رأيت تركها من الانغلاق ومضاهيًا للكبر.
(ج) ومنها عجب شديد: فناظر عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها حتى ذهب كله ولم يبق له والحمد لله أثر، بل كلفت نفسي احتقار قدرها جملة واستعمال التواضع.
(د) ومنها حركات كانت تولدها غرارة الصبا وضعف الأعضاء فقسرت نفسي على تركها فذهبت.
(هـ) ومنها محبة في بعد الصيت والغلبة، فالذي وقفت عليه من معاناة هذا الداء الإمساك فيه عما لا يحل في الديانة، والله المستعان على الباقي، مع ظهور النفس الغضبية إذا كانت منقادة للناطقة فضل وخلق محمود.
(و) ومنها إفراط في الأنفة بغضت الي إنكاح الحرم جملة بكل وجه وصعبت ذلك في طبيعتي، وكأني توقفت عن مغالبة هذا الافراط الذي أعرف قبحه لعوارض اعترضت علي، والله المستعان.
[ ١ / ٣٥٤ ]
(ز) ومنها عيبان قد سترها الله تعالى وأعان على مقاومتهما، وأعان بلطفه عليهما، فذهب احدهما البتة ولله الحمد. وكأن السعادة كانت موكلة بي، فاذا لاح منه طالع قصدت طمسه. وطاولني الثاني منهما فكان إذا ثارت منه مدوده نبضت عروقه فيكاد يظهر ثم يسر الله تعالى قدعه بضروب من لطفه حتى اخلد.
(ح) ومنها حقد مفرط قدرت بعون الله تعالى على طيه وستره، وغلبته على اظهار جميع نتائجه، وأما قطعه البتة فلم أقدر عليه وأعجزني معه أن أصادق من عاداني عداوة صحيحة أبدًا.
وأما سوء الظن فيعده (١) قوم عيبًا على الاطلاق وليس كذلك إلا اذا أدى صاحبه إلى ما لا يحل في الديانة أو ما يقبح في المعاملة والا فهو حزم، والحزم فضيلة.
وأما الذي يعيبني به جهال أعدائي من أني لا أبالي - فيما اعتقده حقًا - عن مخالفة من خالفته ولو أنهم جميع من على ظهر الأرض، وأني لا أبالي موافقة أهل بلادي في كثير من زيهم الذي قد تعودوه لغير معنى، فهذه الخصلة عندي من أكبر فضائلي التي لا مثيل لها ولعمري لو لم تكن في - وأعوذ بالله - لكانت من أعظم متمنياتي وطلباتي عند خالقي ﷿. وأنا أوصي بذلك كل من يبلغه كلامي، فلن ينفعه اتباعه الناس في الباطل والفضول اذا اسخط ربه تعالى وغبن عقله أو آلم نفسه وجسده وتكلف مؤونة لا فائدة فيها.
وقد عابني أيضًا بعض من غاب عن معرفة الحقائق أني لا آلم لنيل من نال مني، وأني اتعدى ذلك من نفسي إلى اخواني فلا امتعض لهم إذا نيل منهم بحضرتي. وأنا أقول إن من وصفني بذلك فقد أجمل الكلام ولم يفسره. والكلام إذا أجمل اندرج فيه تحسين القبيح وتقبيح الحسن. ألا
_________________
(١) ص: سوء الظن بعد.
[ ١ / ٣٥٥ ]
ترى لو أن قائلًا قال: ان فلانًا يطأ أخته، لفحش ذلك ولاستقبحه كل سامع له حتى إذا فسر فقال: هي اخته في الإسلام، ظهر فحش هذا الاجمال وقبحه! وأما أنا فاني إن قلت لا آلم لنيل من نال مني لم أصدق، فالألم في ذلك مطبوع مجبول في البشر كلهم. لكني قد قصرت نفسي على أن لا أظهر لذلك غضبًا ولا تخبطًا ولا تهيجًا، فان تيسر لي الامساك عن المقارضة جملة بأن أتأهب لذلك فهو الذي اعتمد عليه بحول الله تعالى وقوته، وان بادرني الأمر لم أقارض الا بكلام مؤلم غير فاحش أتحرى فيه الصدق ولا أخرجه مخرج الغضب ولا الجهل. وبالجملة فاني كاره لهذا، الا لضرورة داعية اليه مما أرجو به قمع المستشري في النيل مني أو قدع الناقل الي، إذ أكثر الناس محبون لإسماع المكروه من يسمعونه اياه على ألسنة غيرهم، ولا شيء أقدع لهم من هذا الوجه، فانهم يكفون به عن نقلهم المكاره على ألسنة الناس إلى الناس وهذا شيء لا يفيد الا إفساد الضمائر وادخال النمائم فقط.
ثم بعد هذا فان النائل مني لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لها: أما أن يكون كاذبًا، وإما أن يكون صادقًا. فان كان كاذبًا فلقد عجل الله لي الانتصار منه على لسان نفسه بأن حصل في جملة أهل الكذب، وبأن نبه على فضلي بأن نسب إلي ما أنا منه برئ العرض، وقد يعلم أكثر السامعين له كذبه إما في وقته ذلك وإما بعد بحثهم عما قال. وان كان صادقًا فانه لا يخلو من أحد من ثلاثة أوجهك إما أن أكون شاركته في أمر استرحت اليه استراحة المرء إلى من يقدر فيه ثقة وأمانة، فهذا أسوأ الناس حالة، وكفى به سقوطًا وضعة. وإما أن يكون عابني بما يظن أنه عيب وليس عيبًا، فقد كفاني جهله شأنه. وهو المعيب لا من عاب. وإما أن يكون عابني بعيب هو في على الحقيقة وعلم مني نقصًا أطلق به لسانه، فإن كان صادقًا فنفسي أحق بأن ألوم منه، وأنا حينئذ أجدر بالغضب على نفسي مني على من عابني بالحق. وأما أمر إخواني فإني لست أمسك عن الامتعاض لهم، لكني
[ ١ / ٣٥٦ ]
أمتعض امتعاضًا رقيقًا لا أزيد فيه على أن أندم القائل منهم بحضرتي وأجعله يتذمم ويتعذر ويخجل ويتنصل، وذلك بأن أسلك به طريق ذم من نال من الناس، وان نظر المرء في أمر نفسه والتهمم بإصلاحها أولى به من تتبع عثرات الناس، وبأن أذكر فضل صديقي فأبكته على اقتصاره على ذكر العيب دون ذكر الفضيلة وأن أقول له: " انه لا يرضى فيك فهو أولى بالكرم منك، فلا ترض لنفسك بهذا "، أو نحو هذا من القول. وأما أن أهارش القائل فأحميه وأهيج طباعه وأستثير غضبه فينبعث منه في صديقي أضعاف ما أكره، فأنا الجاني حينئذ على صديقي والمعرض له بقبيح السب وتكراره فيه وإسماعه من لم يسمعه والإغراء به، وربما كنت أيضًا في ذلك جانيًا على نفسي ما لا ينبغي لصديقي أن يرضاه لي من إسماعي الجفاء والمكروه، وأنا لا أريد من صديقي أن يذب عني بأكثر من الوجه الذي حددت، فان تعدى ذلك إلى أن يساب النائل مني حتى يولد بذلك أن يتضاعف النيل وان يتعدى أيضًا اليه بقبيح المواجهة، وربما إلى أبوي وأبويه على قدر سفه النائل ومنزلته من البذاءة وربما كانت منازعة بالأيدي، فأنا مستنقص لفعله في ذلك زار عليه متظلم منه غير شاكر له، لكني ألومه على ذلك أشد اللوم، وبالله تعالى التوفيق] .
[وذمني أيضًا بعض من تعسف الأمور دون تحقيق بأني أضيع مالي، وهذه جملة بيانها]، أني لا أضيع منه (١) الا ما كان في حفظه نقص ديني أو إخلاق عرضي أو إتعاب نفسي،. فإني أرى الذي أحفظ من هذه الثلاثة، وأن قل، أجل في العوض مما يضيع من مالي، ولو أنه كل ما ذرت عليه الشمس.
٨٣ - أفضل نعم الله على العبد أن يطبعه على العدل وحبه وعلى الحق وإيثاره [فما استعنت على قمع هذه الطوالح الفاسدة وعلى كل خير
_________________
(١) جاءت هذه الفقرة في ص على النحو التالي: عيب بعضهم بإتلاف ماله فقال إني لا أضيع منه الخ.
[ ١ / ٣٥٧ ]
في الدين والدنيا الا بما في قوتي من ذلك، ولا حول ولا قوة الا بالله تعالى. وأما من طبع على الجور واستسهاله على الظلم واستخفافه فلييئس من أن يصلح نفسه او يقوم طباعه أبدًا، وليعلم أنه لا يفلح في دين ولا في خلق محمود. وأما الزهو والحسد والكذب والخيانة فلم أعرفها بطبعي قط، وكأنني لا حمد لي في تركها لمنافرة جبلتي إياها، والحمد لله رب العالمين] .
٨٤ - من عيب حب الذكر أنه يحبط الأعمال اذا احب عاملها أن يذكر بها وكاد يكون شركًا، لانه يعمل لغير الله ﷿، وهو يطمس الفضائل لأن صاحبه لا يكاد يفعل الخير حبًا للخير لكن ليذكر به.
٨٥ - أبلغ في ذمك من مدحك بما ليس فيك، لأنه نبه على نقصك، وأبلغ في مدحك من ذمك بما ليس فيك لأنه نبه على فضلك، ولقد انتصر لك من نفسه بذلك وباستهدافه إلى الإنكار واللائمة.
٨٦ - لو علم الناقص نقصه لكان كاملًا.
٨٧ - لا يخلو مخلوق من عيب. فالسعيد من قلت عيوبه ودفنت (١) .
٨٧ - أكثر ما يكون ما لم تظن، والحزم هو التأهب لما تظن. فسبحان مرتب (٢) ذلك ليري الإنسان عجزه وافتقاره إلى خالقه.
_________________
(١) د: ودقت.
(٢) م: من رتب.
[ ١ / ٣٥٨ ]