٨٩ - استبقاك من عاتبك، وزهد فيك من استهان بشأنك (١) .
٩٠ - العتاب للصديق كالسبك للسبيكة، فإما تصفو وإما تطير.
٩١ - من طوي من إخوانك سره الذي يعنيك دونك أخون لك ممن أفشى سرك، لأن من أفشى سرك فإنما خانك فقط، ومن طوى سره دونك منهم فقد خانك واستخونك.
٩٢ - لا ترغب فيمن يزهد فيك فتحصل على الخيبة والخزي.
٩٣ - لا تزهد فيمن يرغب فيك، فإنه باب من أبواب الظلم وترك مقارضة الاحسان، وهذا قبيح.
٩٤ - من امتحن بان يخالط الناس فلا يكون (٢) توهمه كله إلى من صحب ولا يبيت (٣) منه إلا على أنه عدو مناصب، ولا يصبح كل غداة إلا وهو مترقب من غدر إخوانه وسوء معاملتهم مثل ما يترقب من العدو المكاشف. فإن سلم من ذلك، فلله الحمد، وإن كانت الأخرى ألفي متأهبًا ولم يمت همًا.
[وأنا أعلمك أن بعض من خالصني المودة وأصفاني إياها غاية
_________________
(١) د: بسيآتك.
(٢) م: فلا يلق.
(٣) ص: يبين.
[ ١ / ٣٥٩ ]
الصفاء في حال الشدة والرخاء والسعة والضيق والغضب والرضى، تغير علي أقبح تغير بعد اثني عر عامًا متصلة في غاية الصفاء، ولسبب لطيف جدًا ما قدرت قط أنه يؤثر مثله في أحد من الناس، وما صلح لي بعدها، ولقد أهمني ذلك سنين كثيرة همًا شديدًا] .
فلا تستعجل مع هذا سوء المعاملة فتلحق بذوي الشرارة من الناس وأهل الخب منهم. ولكن ها هنا طريق وعرة المسلك شاقة المتكلف، يحتاج سالكها إلى أن يكون أهدى من القطا وأحذر من العقعق (١) حتى يفارق الناس راحلًا إلى ربه تعالى، وهذه الطريق هي طريق الفوز في الدين والدنيا [يحرز صاحبها صفاء نيات ذوي النفوس السليمة والعقود الصحيحة، البراء من المكر والخديعة، ويحوي فضائل الأبرار وسجايا الفضلاء، ويحصل مع ذلك على سلامة الدهاة وتخلص الخبثاء ذوي النكراء والدهاء]، وهي أن تكتم سر كل من وثق بك، وأن لا تفشي إلى من إخوانك ولا من غيرهم من سرك ما يمكنك طيه بوجه ما من الوجوه وإن كان أخص الناس بك، وان تفي لجميع من ائتمنك، ولا تأتمن أحدًا على شيء من أمرك تشفق عليه إلا عن ضرورة لا بد منها، فارتد حينئذ واجتهد وعلى الله تعالى الكفاية. وابذل فضل مالك وجاهك لمن سألك أو لم يسألك ولكل من احتاج إليك وأمكنك نفعه لم يعتمدك بالرغبة. ولا تشعر نفسك انتظار مقارضة على ذلك من غير ربك ﷿. ولا تبت إلا على أن أول من أحسنت إليه أول مضر بك وساع (٢) عليك، فإن ذوي التراكيب الخبيثة يبغضون، لشدة الحسد، كل من أحسن إليهم إذا رأوه في أعلى من أحوالهم. وعامل كل أحد في الإنس أجمل معاملة وأضمر
_________________
(١) أهدى من القطا وأحذر من العقعق، انظر الدرة الفاخرة: ٤٤١ وفي اهتداء القطا يقول الشاعر: " تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ".
(٢) ص: وتسارع.
[ ١ / ٣٦٠ ]
السلو عنه إن حلت بعض الآفات التي تأتي مع مرور الأيام والليالي تعش سالمًا مستريحًا.
٩٥ - لا تنصح على شرط القبول، ولا تشفع على شرط الاجابة، ولا تهب على شرط الإثابة، لكن على سبيل استعمال الفضل وتأدية ما عليك من النصيحة والشفاعة وبذل المعروف.
٩٦ - حد الصداقة الذي يدور على طرفي محدوده هو أن يكون المرء يسوءه ما ساء الآخر، ويسره ما سره. فما سفل عن هذا فليس صديقًا ومن حمل هذه الصفة فهو صديق. وقد يكون المرء صديقًا لمن ليس صديقه - وإنما الذي يدخل في باب الاضافة، فهو المصادقة فهذا يقتضي فعلًا من فاعلين - إذ قد يحب الانسان من يبغضه، وأكثر من ذلك في الآباء مع الأبناء، وفي الاخوة مع اخوتهم، وبين الأزواج، وفيمن صارت محبته عشقًا. وليس كل صديق ناصحًا، لكن كل ناصح صديق فيما نصح فيه. و[حد] (١) النصيحة هو أن يسوء المرء ما ضر الآخر ساء ذلك الآخر أم سره. وأن يسره ما نفعه سر الآخر أم ساءه. فهذا شرط في النصيحة زائد على شروط الصداقة. وأقصى غايات الصداقة التي لا مزيد عليها من شاركك بنفسه وماله لغير علة توجب ذلك، وآثرك على من سواك. ولولا أني شاهدت مظفرًا ومباركًا (٢)
_________________
(١) زيادة من م.
(٢) مظفر ومبارك: من موالي العامريين، استقلا ببلنسية بعد ما انفرط الأمر في الفتنة البربرية بالأندلس، وابن حزم يشير إلى صداقة فذة ربطت بينهما رغم ما قد تثيره الشركة في الحكم من تنافس، وتحدث ابن حيان عن ذلك بقوله: " ثم بلغ من سياسة هين العبدين الفدمين، مبارك ومظفر، في مدة امارتهما، إلى أن تقارضا من صحة الألفة فيها طول حياتهما بما فاتا في معناهما أشقاء الأخوة، وعشاق الأحبة، فنزلا يومئذ معًا في سلطانهما قصر الامارة مختلطين يجمعهما في أكثر أوقاتهما مائدة واحدة، ولا يتميز أحدهما عن الآخر في عظيم ما يستعملانه من كسوة وحلية وفراش ومركوب وآلة، ولا ينفردان إلا في الحرم خاصة " (الذخيرة ٣/١: ١٥) .
[ ١ / ٣٦١ ]
صاحبي بلنسية، لقدرت أن ها الخلق معدوم في زماننا، ولكني ما رأيت قط رجلين استوفيا جميع أسباب الصداقة مع تأتي الأحوال الموجبة للفرقة غيرهما.
٩٧ - ليس شيء من الفضائل أشبه بالرذائل من الاستكثار من الاخوان والأصدقاء. فإن ذلك فضيلة تامة مركبة، لأنهم لا يكتسبون إلا بالحلم والجود والصبر والوفاء والاستضلاع والمشاركة والعفة وحسن الدفاع وتعليم العلم، وبكل حالة محمودة. ولسنا نعني الشاكرية (١) والاتباع أيام الحرمة، [فأولئك لصوص الاخوان وخبث الأصدقاء، والذين يظن أنهم أولياء وليسوا كذلك، ودليل ذلك] انحرافهم عند انحراف الدنيا (٢)، ولا نعني المصادقين لبعض الاطماع، ولا المتنادمين على الخمر والمجتمعين على المعاصي والقبائح ونيل أعراض الناس والفضول وما لا فائدة فيه. فليس هؤلاء أصدقاء، لنيل بعضهم من بعض وانحرافهم (٣) عند فقد تلك الرذائل التي جمعتهم، وإنما نعني إخوان الصفاء لغير معنى إلا لله ﷿، [إما للتناصر على بعض الفضائل الجدية وإما لنفس المحبة المجردة فقط. ولكن] إذا حصلت عيوب الاستكثار منهم [وصعوبة الحال في إرضائهم والغرر في مشاركتهم] وما يلزمك من الحق لهم عند نكبة تعرض لهم [فإن غدرت بهم أو أسلمتهم لؤمت وذممت، وإن وفيت أضررت بنفسك وربما هلكت، وهذا الذي لا يرضي الفاضل بسواه إذا تنشب في الصداقة، وإذا تفكرت في الهم بما يعرض لهم وفيهم من] موت أو فراق، أو غدر من يغدر منهم كان السرور بهم لا يفي بالحزن الممض من أجلهم. وليس في الرذائل شيء أشبه بالفضائل من محبة المدح، لأنه
_________________
(١) الشاكري: الأجير؛ قيل أنه معرب " جاكر " ومعناه " السخري ".
(٢) ص: ولسنا نعني الشاكرية والاتباع أيام الدنيا لانحرافهم عند انحراف الدنيا.
(٣) د: فليس هؤلاء أصدقاء، ودليل ذلك أن بعضهم ينال من بعض وينحرف عنه.
[ ١ / ٣٦٢ ]
في الوجه سخف ممن يرضى به [وقد (١) جاء في الاثر في المداحين ما جاء]، إلا أنه قد ينتفع به في الاقصار عن الشر والتزيد من الخير وفي أن يرغب في مثل ذلك الخلق الممدوح من سمعه. ولقد صح عندي أن بعض السائسين للدنيا لقي رجلًا من أهل الأذى للناس، وقد قلده (٢) بعض الأعمال بالجميل والرفق منتشرًا، فكان ذلك سببًا إلى إقصار ذلك الفاسق عن كثير من شره.
٩٨ - بعض أنواع النصيحة يشكل تمييزه من النميمة لأن من سمع إنسانًا يذم آخر ظالمًا له أو يكيده ظالمًا له فكتم ذلك على وجهه كان ربما قد ولد على الذام (٣) والكائد ما لم يبلغ استحقاقه بعد من الأذى فيكون ظالمًا له، وليس من الحق أن يقتص من الظالم بأكثر من قدر ظلمه. والتخلص من هذا الباب صعب إلا على ذوي العقول. والرأي للعاقل في مثل هذا أن يحفظ المقول فيه من القائل فقط دون أن يبلغه ما قال لئلا يقع في الاسترسال إليه فيهلك. وأما في الكيد، فالواجب أن يحفظه من الوجه الذي يكاد منه بألطف ما يقدر في الكتمان على الكائد، وأبلغ ما يقدر في تحفيظ المكيد، ولا يزد على هذا شيئًا. وأما النميمة فهي التبليغ لما سمع مما لا ضرر فيه على المبلغ إليه، وبالله تعالى التوفيق.
٩٩ - النصيحة مرتان، فالأولى فرض وديانة والثانية تنبيه وتذكير، وأما الثالثة فتوبيخ وتقريع وليس وراء ذلك إلا الركل واللطام (٤)، وربما
_________________
(١) يشير الى مثل قوله (ص): " اذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب " (كشف الخفاء ١: ٩٤) وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي عن المقداد بن الأسود، والطبراني وابن حبان عن ابن عمر، والحاكم في الكنى عن أنس.
(٢) د: قلد.
(٣) ص: على الدوام، واعتمدت قراءة د.
(٤) ص: واللكام.
[ ١ / ٣٦٣ ]
أشد من لك من الغي والأذى، اللهم إلا في معاني الديانة. فواجب على المرء ترداد النصح، رضي المنصوح أو سخط، تأذى الناصح بذلك أو لم يتأذ.
١٠٠ - إذا نصحت فانصح سرًا لا جهرًا أو بتعريض لا بتصريح إلا لمن لا يفهم، فلا بد من التصريح له (١) .
١٠١ - ولا تنصح على شرط القبول منك، فإن تعديت هذه الوجوه، فأنت ظالم لا ناصح، وطالب طاعة (٢) لا مؤدي حق ديانة وأخوة، وليس هذا حكم العقل ولا حكم الصداقة، ولكن حكم الأمير مع رعيته والسيد مع عبيده.
١٠٢ - لا تكلف صديقك إلا مثل ما تبذل له من نفسك فإن طلبت أكثر فأنت ظالم.
١٠٣ - لا تكسب إلا على شرط الفقد، ولا تتول إلا على شرط العزلة (٣) وإلا فأنت مضر بنفسك خبيث السيرة.
١٠٤ - مسامحة أهل الاستئثار والاستغنام والتغافل لهم ليس مروءة ولا فضيلة، بل هو مهانة وضعف وتضرية لهم على التمادي على ذلك الخلق المذموم وتغبيط لهم به وعون لهم على فعل ذلك السوء؛ وإنما تكون المسامحة مروءة لأهل الإنصاف المبادرين إلى المسامحة (٤) والايثار، فهؤلاء فرض على أهل الفضل أن يعاملوهم بمثل ذلك، لا سيما إن كانت حاجتهم أمس وضرورتهم أشد. فإن قال قائل: فإذا كان كلامك هذا موجبًا لاسقاط المسامحة والتغافل للإخوان، فقد استوى الصديق والعدو والأجنبي في المعاملة، وهذا إفساد ظاهر،
_________________
(١) م: إلا أن لا يفهم المنصوح تقريضًا.
(٢) م: وطالب طاعة وملك.
(٣) د: العزل.
(٤) ص: المبادرون لأهل المسامحة، والتصويب عن م.
[ ١ / ٣٦٤ ]
فنقول، وبالله التوفيق: كلا ما نحض (١) إلا على المسامحة والايثار والتغافل - ليس لأهل التغنم - لكن للصديق حقًا، فإن أردت معرفة وجه العمل في هذا والوقوف على نهج الحق فإن القضية (٢) التي توجب الأثرة من المرء (٣) على نفسه صديقه ينبغي لكل واحد من الصديقين أن يتأمل ذلك النازل (٤)، فأيهما كان أمس حاجة فيه وأظهر ضرورة لديه، فحكم الصداقة والمروءة تقتضي للآخر وتوجب عليه أن يؤثر على نفسه في ذلك، فأن لم يفعل فهو متغنم (٥) مستكثر، لا ينبغي أن يسامح البتة، إذ ليس صديقًا ولا أخًا. فأما إذا استوت حاجتهما واتفقت ضرورتهما، فحق الصداقة ههنا أن يسارع كل واحد منهما إلى الأثرة على نفسه، فإن فعلا ذلك فهما صديقان، وإن بدر أحدهما إلى ذلك ولم يبادر الآخر إليه، فإن كانت عادته هذه فليس صديقًا ولا ينبغي أن يعامل معاملة الصداقة، وإن كان قد يبادر هو أيضًا إلى مثل ذلك في قضية أخرى فهما صديقان.
١٠٥ - من أردت قضاء حاجته بعد أن سألك إياها أو أردت ابتداءه بقضائها، فلا تعمل له إلا ما يريد هو لا ما تريد أنت، وإلا فأمسك. فإن تعديت هذا كنت مسيئًا لا محسنًا، ومستحقًا للوم منه ومن غيره لا للشكر، ومقتضيًا للعداوة لا للصداقة.
١٠٦ - لا تنقل إلى صديقك ما يؤلم نفسه ولا ينتفع بمعرفته، بهذا فعل الأراذل (٦)، ولا تكتمه ما يستضر بجهله فها فعل أهل الشر.
_________________
(١) د: فنقول وبالله تعالى التوفيق كلاما ما نحض
(٢) ص: القصة.
(٣) ص: الأمر.
(٤) د: الأمر.
(٥) ص: معتم، والتصويب عن م.
(٦) ص: الادراك.
[ ١ / ٣٦٥ ]
١٠٧ - لا يسرك أن تمدح بما ليس فيك، بل ليعظم (١) غمك بلك لأنه نقصك ينبه الناس عليه ويسمعهم إياه وسخرية منك وهزء بك، ولا يرضى بهذا إلا أحمق ضعيف العقل. ولا تأس إن ذممت بما ليس فيك، بل افرح به، فإنه فضلك ينبه الناس عليه. ولكن افرح إذا كان فيك ما تستحق به المدح، وسواء مدحت به أو لم تمدح. واحزن إذا كان فيك ما تستحق به الذم، وسواء ذممت به أو لم تذم.
١٠٨ - من سمع قائلًا يقول في امرأة صديقه قول سوء فلا يخبره بذلك أصلًا، لا سيما إن كان القائل عيابة وقاعًا في الناس، سليط اللسان أو دافع معرة (٢) عن نفسه يريد أن يكثر أمثاله في الناس، وهذا كثير موجود؛ وبالجملة فلا يحدث الانسان (٣) إلا بالحق، وقول هذا القائل لا يدري أحق هو أم باطل، إلا أنه في الديانة عظيم، فإن سمع القول مستفيضًا من جماعة وعلم أن أصل ذلك القول شائع وليس راجعًا إلى قول إنسان واحد، أو اطلع على حقيقة، إلا انه لا يقدر أن يوقف صديقه على ما وقف هو عليه، فليخبره بذلك بينه وبينه في رفق، وليقل له: النساء كثير، أو حصن منزلك وثقف أهلك واجتنب أمر كذا وتحفظ من وجه كذا، فإن قبل المنصوح وتحرز، فحظ نفسه أصاب، وإن رآه لا يتحفظ ولا يبالي أمسك ولم يعاوده بكلمة، وتمادى على صداقته إياه، فليس في أن لا يصدقه في قوله ما يوجب قطيعته؛ فإن اطلع على [حقيقة] وقدر أن يوقف صديقه على مثل (٤) ما وقف هو عليه من الحقيقة، ففرض عليه أن يخبره بذلك وأن يوقفه على الجلية، فإن غير ذلك، وإن رآه لا يغير (٥) فليتجنب صحبته، فإنه رذل
_________________
(١) ص: لتعظيم.
(٢) م: مغرم.
(٣) ص: الناس، وأثبت قراءة د.
(٤) م: جل.
(٥) ص: يتغير.
[ ١ / ٣٦٦ ]
لا خير فيه ولا بقية (١) . ودخول رجل مستتر في منزل المرء دليل سوء لا يحتاج إلى غيره، ودخول المرأة في منزل رجل على سبيل التستر مثل ذلك أيضًا، وطلب دليل أكثر من هذين سخف. وواجب أن يجتنب مثل هذه المرأة، وفراقها على كل حال، وممسكها لا يبعد عن الديانة.
١٠٩ - الناس في بعض أخلاقهم على سبع مراتب: فطائفة تمدح في الوجه وتذم في المغيب، وهذه صفة أهل النفاق والعيابين، وهذا خلق فاش في الناس غالب عليهم. وطائفة تذم في المشهد والمغيب، وهذه صفة أهل السلاطة والوقاحة من العيابين. وطائفة تمدح في الوجه والمغيب وهذه صفة أهل الملق والطمع. وطائفة تذم في المشهد وتمدح في المغيب، وهذه صفة أهل السخف والنواكة. وأما أهل الفضل فيمسكون عن المدح والذم في المشاهدة، ويثنون بالخير في المغيب أو يمسكون عن الذم. وأما العيابون البرآء من النفاق والقحة، فيمسكون في المشهد ويذمون في المغيب. وأما أهل السلامة فيمسكون عن المدح وعن الذم في المشهد والمغيب، ومن كل من أهل هذه الصفات قد شاهدنا وبلونا.
١١٠ - إذا نصحت ففي الخلاء وبكلام لين، ولا تسند سب من تحدثه إلى غيرك فتكون نمامًا. فإن خشنت كلامك في النصيحة فذلك إغراء وتنفير. وقد قال تعالى: (فقولا له قولًا لينًا) (طه: ٤٤) وقال رسول الله ﷺ: " لا تنفر " (٢) . وإن نصحت بشرط القبول منك فأنت ظالم ولعلك مخطئ في وجه نصحك فتكون مطالبًا بقبول خطئك وبترك الصواب.
١١ - لكل شيء فائدة، ولقد انتفعت بمحك (٣) أهل الجهل
_________________
(١) د: بغية.
(٢) ورد النهي عن التفسير في عدة مواطن من الحديث، انظر مسند أحمد ٣: ٢٠٩، ٤: ٣٩٩.
(٣) المحك: المنازعة في الكلام، والتمادي في اللجاجة والاغضاب.
[ ١ / ٣٦٧ ]
منعة عظيمة، وهي أنه توقد طبعي واحتدام خاطري وحمي فكري وتهيج نشاطي، فكان ذلك سببًا إلى تواليف لي عظيمة المنفعة، ولولا استثارتهم ساكني، واقتداحهم كامني ما ابنعثت لتلك التواليف.
١١٢ - لا تصاهر إلى صديق ولا تبايعه، فما رأينا هذين العملين إلا سببًا للقطيعة، وإن ظن أهل الجهل أن فيهما تأكيدًا للصلة فليس كذلك، لان هذين العقدين داعيان كل واحد إلى طلب حظ نفسه، والمؤثرون على أنفسهم قليل جدًا. فإذا اجتمع طلب كل امرئ حظ نفسه وقعت المنازعة، ومع وقوعها فساد المودة. وأسلم المصاهرة مغبة مصاهرة الأهلين بعضهم بعضًا، لان القرابة تقتضي الصبر وإن كرهوه لأنهم مضطرون إلى ما لا انفكاك لهم منه من الاجتماع في النسب الذي توجب الطبيعة لكل أحد الذب عنه والحماية له.
[ ١ / ٣٦٨ ]