١٢٨ - التلون المذموم هو التنقل من زي متكلف، لا معنى له، إلى زي آخر مثله في التكلف وفي أنه لا معنى له، ومن حال لا معنى لها [إلى حال لا معنى لها] (١) بلا سبب يوجب ذلك. فأما من استعمل من الزي ما أمكنه مما به إليه حاجة وترك التزيد مما لا يحتاج إليه، فهذا عين من عيون العقل والحكمة كبير. وقد كان رسول الله ﷺ، وهو القدوة في كل خير والذي أثنى الله تعالى على خلقه والذي جمع الله تعالى فيه أشتات الفضائل بتمامها وأبعده عن كل نقص، يعود المريض مع أصحابه راجلًا في أقصى المدينة بلا خف ولا نعل ولا قلنسوة ولا عمامة، ويلبس الشعر إذا حضره، ويلبس الوشي من الحبرات إذا حضره لا يتكلف إلى ما لا يحتاج إليه، ولا يترك ما يحتاج إليه، ويستغني بما وجد عما لا يجد، ومرة يمشي حافيًا راجلًا، ومرة يركب الناقة، ومرة [يركب] (٢) حمارًا ويردف عليه بعض أصحابه، ومرة يأكل التمر دون خبز والخبز يابسًا، ومرة يأكل العناق المشوية والبطيخ بالرطب والحلوى، يأخذ القوت، ويبذل الفضل، ويترك ما لا يحتاج إليه، ولا يتكلف فوق مقدار الحاجة إليه، ولا يغضب لنفسه، ولا يدع الغضب لربه ﷿.
_________________
(١) زيادة من م.
(٢) زيادة من م.
[ ١ / ٣٧٧ ]
١٢٩ - الثبات الذي هو صحة العقد، والثبات الذي هو اللجاج مشتبهان اشتباهًا لا يفرق بينهما إلا عارف بكيفية الأخلاق. والفرق بينهما أن اللجاج هو ما كان على الباطل أو ما فعله الفاعل نصرًا لما نشب فيه، وقد لاح له فساده او لم يلح له صوابه ولا فساده. وهذا مذموم، وضده الانصاف. وأما الثبات الذي هو صحة العقد فإنما يكون على الحق أو على ما اعتقده المرء حقًا ما لم يلح له باطله. وهذا محمود، وضده الاضطراب، وإنما يلام بعض هذين لأنه ضيع تدبير ما ثبت عليه وترك البحث عما التزم أحق هو أم باطل.
١٣٠ - حد العقل استعمال الطاعات والفضائل، وهذا الحد ينطوي فيه اجتناب المعاصي والرذائل. وقد نص الله تعالى في غير موضع من كتابه على أن من عصاه لا يعقل. قال تعالى حاكيًا عن قوم: ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ (الملك: ١٠) ثم قال مصدقًا لهم: ﴿فاعترفوا بذنبهم فسحقًا لأصحاب السعير﴾ (الملك: ١١) .
١٣١ - وحد الحمق استعمال المعاصي والرذائل. وأما التعدي وقذف الحجارة والتخليط في القول، فإنما هو جنون ومرار هائج. وأما الحمق فهو ضد العقل وهو ما بينا آنفًا، ولا واسطة بين العقل والحمق، إلا السخف.
١٣٢ - وحد السخف هو العمل والقول بما لا يحتاج إليه في دين ولا دنيا ولا حميد خلق، مما ليس معصية ولا طاعة ولا عونًا عليهما ولا فضيلة ولا رذيلة مؤذية، ولكنه من هذر القول وفضول العمل. فعلى قدر الاستكثار من هذين الأمرين والتقلل منهما يستحق المرء اسم السخف. وقد يسخف المرء في قصة ويعقل في أخرى ويحمق في ثالثة.
١٣٣ - وضد الجنون تمييز الأشياء ووجود القوة على التصرف
[ ١ / ٣٧٨ ]
في المعارف والصناعات، وهذا الذي يسميه الأوائل النطق. ولا واسطة بينهما. وأما إحكام أمر الدنيا والتودد إلى الناس بما وافقهم وصلحت عليه حال المتودد من باطل أو غيره أو عيب أو ما عداه، والتحيل في إنماء المال وبعد الصوت وتمشية (١) الجاه بكل ما أمكن من معصية ورذيلة، فليس عقلًا. ولقد كان الذين صدقهم الله تعالى في أنهم لا يعقلون، فأخبرنا تعالى بأنهم لا يعقلون، سائسين لدنياهم مثمرين لأموالهم مدارين لملوكهم حافظين لرياستهم، لكن هذا الخلق يسمى الدهاء، وضده الغفلة (٢) والسلامة. وأما إذا كان السعي فيما ذكرنا فيه تصاون وأنفة فهو يسمى الحزم. وضده المنافي له التضييع. وأما الوقار ووضع الكلام موضعه والتوسط في تدبير المعيشة ومسايرة الناس بالمسالمة فهذه الأخلاق تسمى الرزانة، وهي ضد السخف.
١٣٤ - الوفاء مركب من العدل والجود والنجدة، لأن الوفي (٣) رأى من الجور ألا يقارض (٤) من وثق به أو من أحسن إليه فعدل في ذلك، ورأى أن يسمح بعاجل يقتضيه له عدم الوفاء من الحظ فجاد في ذلك، ورأى أن يتجلد لما يتوقع من عاقبة الوفاء فشجع في ذلك.
١٣٥ - أصول الفضائل [كلها] (٥) أربعة، عنها تتركب كل فضيلة وهي العدل والفهم والنجدة والجود. وأصول الرذائل كلها أربعة، عنها تتركب كل رذيلة، وهي أضداد التي ذكرنا، وهي الجور والجهل والجبن والشح.
١٣٦ - الأمانة والعفة نوعان من أنواع العدل والجود.
_________________
(١) د: وتسبيب.
(٢) ص: العقل.
(٣) ص: الوفا.
(٤) ص: من الجود ألا يعارض، وأثبت قراءة د.
(٥) زيادة من م.
[ ١ / ٣٧٩ ]
١٣٧ - قال أبو محمد علي بن أحمد: ومما قلته في الأخلاق (١): [مجزوء الرمل]
إنما العقل أساس فوقه الأخلاق سور
فتحل العقل بالعل م وإلا فهو بور
جاهل الأشياء أعمى لا يرى حيث (٢) يدور
وتمام العلم بالعد ل وإلا فهو زور
وتمام العدل بالجو د وإلا فيجور
وملاك الجود بالنج دة والجبن غرور
عف إن كنت غيورًا ما زنى قط غيور
وكمال الكل بالتق وى وقول الحق نور
ذي أصول الفضل عنها حدثت بعد النزور ومما قلته أيضًا: [متقارب]
زمام [أصول] (٣) جميع الفضائ ل عدل وفهم وجود وباس
فعن هذه ركبت غيرها فمن حازها فهو في الناس راس
كذا الراس فيه الأمور التي بإحساسها يكشف الالتباس ١٣٨ - النزاهة في النفس فضيلة، تركبت من النجدة والجود، وكذلك الصبر.
١٣٩ - الحلم نوع مفرد من أنواع النجدة.
١٤٠ - القناعة فضيلة مركبة من الجود والعدل.
١٤١ - الحرص متولد عن الطمع، والطمع متولد عن الحسد. والحسد متولد عن الرغبة. والرغبة متولدة عن الجور والشح والجهل.
_________________
(١) وقعت هذه الفقرة عند المحمصاني بعد رقم: ٢٠٧.
(٢) م: كيف.
(٣) زيادة من د.
[ ١ / ٣٨٠ ]
ويتولد من الحرص رذائل عظيمة منها الذل والسرقة والغضب والزنا والقتل والعشق والهم بالفقر. والمسألة لما بأيدي الناس [تتولد فيما بين الحرص والطمع] (١)، وإنما فرقنا بين الحرص والطمع لأن الحرص هو إظهار ما استكن في النفس من الطمع.
١٤٢ - المداراة فضيلة متركبة من الحلم والصبر.
١٤٣ - الصدق مركب من العدل والنجدة.
١٤٤ -[من جاء إليك بباطل رجع من عنك بحق، وذلك أن من نقل إليك كذبًا عن إنسان حرك طبعك، فأجبته فرجع عنك بحق. فتحفظ من هذا ولا تجب إلا عن كلام صح عندك عن قائله] .
١٤٥ - لا شيء أقبح من الكذب وما ظنك بعيب يكون الكفر نوعًا من أنواعه. فكل كفر كذب. فالكذب جنس [و] الكفر (٢) نوع تحته.
١٤٦ - الكذب متولد من الجور والجبن والجهل، لان الجبن يولد مهانة النفس، والكذاب مهين النفس بعيد عن عزتها المحمودة.
١٤٧ - رأيت الناس في كلامهم الذي هو فصل بينهم وبين الحمير والكلاب والحشرات ينقسمون أقسامًا ثلاثة: أحدها من لا يبالي فيما أنفق كلامه، فيتكلم بكل ما سبق إلى لسانه غير محقق نصر حق ولا إنكار باطل، وهذا هو الأغلب في الناس، والثاني أن يتكلم ناصرًا لما وقع بنفسه انه حق ودافعًا لما توهم أنه باطل، غير محقق لطلب الحقيقة، لكن لجاجًا فيما التزم، وهذا كثير وهو دون الأول. والثالث واضع الكلام في موضعه، وهذا أعز من الكبريت الأحمر.
١٤٨ - لقد طال هم من غاظه الحق.
_________________
(١) زيادة من د.
(٢) ص: فالكذب جنس الكفر الكفر..
[ ١ / ٣٨١ ]
١٤٩ - اثنان عظمت راحتهما: أحدهما في غاية الحمد (١) والآخر في غاية الذم، وهما مطرح الدنيا ومطرح الحياء.
١٥٠ - لو لم يكن من التزهد في الدنيا إلا أن كل إنسان في العالم، فإنه كل ليلة إذا نام نسي كل ما يشفق (٢) عليه في يقظته، وكل ما يشفق منه، وكل ما يشره (٣) إليه، فتجده في تلك الحال (٤) لا يذكر ولدًا ولا أهلًا ولا جاهًا ولا خمولًا ولا ولاية ولا عزلة ولا فقرًا ولا غنى ولا مصيبة (٥)، وكفى بهذا واعظًا لمن عقل.
١٥١ - من عجيب تدبير الله ﷿ للعالم، أن كل شيء اشتدت الحاجة إليه، كان (٦) ذلك أهون له. وتأمل ذلك في الماء فما فوقه. وكل شيء اشتد الغنى عنه كان ذلك أعز له. وتأمل ذلك في الياقوت الأحمر فما دونه.
١٥٢ - الناس فيما يعانونه (٧) كالماشي في الفلاة، كلما قطع أرضًا بدت له أرضون. وكلما قصد المرء سببًا حدثت له أسباب.
١٥٣ - صدق من قال ان العاقل في الدنيا متعوب، وصدق من قال انه فيها مستريح. فأما تعبه فبما يرى من انتشار الباطل وغلبة دولته وبما يحال بينه وبين الحق من إظهار الحق. وأما راحته فمن كل ما يهتم به سائر الناس من فضول الدنيا.
١٥٤ - إياك وموافقة الجليس [السيء] (٨) ومساعدة أهل زمانك
_________________
(١) د: المدح.
(٢) ص: يشعر، وأثبت قراءة د.
(٣) ص: يسره.
(٤) ص: الخير.
(٥) جواب " لو " في أول الفقرة محذوف للاكتفاء.
(٦) ص: كانت.
(٧) م: يعاينون.
(٨) زيادة من م.
[ ١ / ٣٨٢ ]
فيما يضرك في أخراك وفي دنياك، وإن قل، فإنك لا تستفيد بذلك إلا الندامة حيث لا ينفعك الندم. ولن (١) يحمدك من ساعدته بل يشمت بك، وأقل ذلك، وهو المضمون، أنه لا يبالي بسوء (٢) عاقبتك وفساد مغبتك. وإياك ومخالفة الجليس ومعارضة أهل زمانك فيما لا يضرك في دنياك ولا في أخراك، وإن قل، فإنك تستفيد بذلك الأذى والمنافرة والعداوة، وربما أدى ذلك إلى المطالبة والضرر العظيم دون منفعة أصلًا.
١٥٥ - إن لم يكن بد من إغضاب الناس أو إغضاب الله ﷿، ولم يكن لك مندوحة عن منافرة الحق ومنافرة الخلق، فأغضب الناس ونافرهم، ولا تغضب ربك ولا تنافر الحق.
١٥٦ - الاتساء بالنبي ﷺ في وعظه أهل الجهل والمعاصي والرذائل واجب، فمن وعظ بالجفاء والاكفهرار فقد أخطأ وتعدى طريقته وصار في أكثر الأمور مغريًا للموعوظ بالتمادي على أمره لجاجًا وحردًا ومغايظة للواعظ الجافي، فيكون في وعظه مسيئًا لا محسنًا. ومن وعظ ببشر وتبسم ولين وكأنه مشير برأي ومخبر عن غير الموعوظ بما يستقبح من الموعوظ فذلك أبلغ وأنجع في الموعظة. فغن لم يتقبل فلينتقل إلى الوعظ بالتحشيم وفي الخلاء. فإن لم يقبل ففي حضرة من يستحيي منه الموعوظ. فهذا أدب الله تعالى في أمره بالقول اللين. وكان ﷺ لا يواجه بالموعظة، لكن كان يقول: " ما بال أقوام يفعلون كذا " (٣) . وقد أثنى ﵇ على الرفق، وأمر بالتيسير، ونهى عن التنفير، وكان يتحول بالموعظة خوف الملل. وقال تعالى: ﴿ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ (آل عمران: ١٥٩) وأما الغلظة والشدة فإنما تجب في حد من حدود الله، فلا لين في ذلك للقادر على إقامة الحد
_________________
(١) ص: ولم.
(٢) م: سوء.
(٣) انظر نموذجًا من ذلك في البخاري (ايمان: ٣) .
[ ١ / ٣٨٣ ]
خاصة. ومما ينجع في الوعظ أيضًا الثناء بحضرة المسيء على من فعل خلاف فعله، س فها داعية إلى عمل الخير. وما أعلم لحب المدح فضلًا إلا ها وحده، وو أن يقتدي به من يسمع الثناء. ولهذا يجب أن تؤرخ الفضائل والرذائل لينفر سامعها عن القبيح المأثور عن غيره، ويرغب في الحسن المنقول عمن تقدمه، ويتعظ بما سلف.
١٥٧ - وتأملت كل ما دون السماء وطالت فيه فكرتي فوجدت كل شيء فيه، من حي وغير حي، من طبعه عن قوي أن يخلع [على] (١) غيره من الأنواع هيأته ويلبسه صفاته. فترى الفاضل يود لو كان [كل] الناس فضلاء، وترى الناقص يود لو كان كل الناس نقصاء، وترى كل من ذكر شيئًا يحض عليه يقول: أنا أفعل أمر كذا وكذا، وكل [ذي] مذهب يود لو كان الناس موافقين له. وترى ذلك في العناصر، إذا قوي بعضها على بعض أحاله إلى نوعيته، وترى ذلك في تركيب الشجر وفي تغذي النبات والشجر بالماء ورطوبة الأرض وإحالتهما ذلك إلى نوعيتها. فسبحان مخترع ذلك ومدبره، لا إله إلا هو.
١٥٨ - ومن عجيب قدرة الله تعالى كثيرة الخلق، ثم لا نرى أحدًا يشبه آخر شبهًا لا يكون بينهما فيه فرق. وقد سالت من طال عمره وبلغ ثمانين عامًا، هل رأى الصور فيما خلا مشبهة لهذه شبهًا واحدًا، فقال لي: لا بل لكل صورة فرقها. وهكذا كل ما في العالم، يعرف ذلك من تدبر الآلات وجميع الأجسام المركبات، وطال تكرر بصره عليها، فإنه حينئذ يميز ما بينها ويعرف بعضها من بعض بفروق فيها تعرفها النفس، ولا يقدر أحد يعبر عنها بلسانه. فسبحان العزيز الحكيم الذي لا تتناهى مقدوراته.
_________________
(١) زيادة من م، وجاء في د: أن يخلع عن غيره من الأنواع كيفياته.
[ ١ / ٣٨٤ ]
١٥٩ -[من عجائب الدنيا قوم غلبت عليهم آمال فاسدة لا يحصلون منها إلا على إتعاب النفس عاجلًا ثم الهم والإثم آجلًا، كمن يتمنى غلاء الأقوات التي في غلائها هلاك الناس، وكمن يتمنى بعض الأمور التي فيها الضرر لغيره، وإن كانت له فيها منفعة، فإن تأميله ما يؤمل من ذلك لا يعجل له ذلك قبل وقته، ولا يأتيه من ذلك بما ليس في علم الله تعالى تكونه، فلو تمنى الخير والرخاء لتعجل الأجر والراحة والفضيلة ولم يتعب نفسه طرفة عين فما فوقها، فاعجبوا لفساد هذه الأخلاق بلا منفعة] (١) .
_________________
(١) راجع الفقرة: ١٤ في ما تقدم.
[ ١ / ٣٨٥ ]