١٦٠ - من امتحن بالعجب فليفكر في عيوبه. فان اعجب بفضائله فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنية، فان خفيت عليه عيوبه جملة حتى يظن أنه لا عيب فيه، فليعلم أنه مصيبة للأبد (١) وأنه اتم الناس نقصًا وأعظمهم عيوبًا وأضعفهم تمييزًا. وأول ذلك أنه ضعيف العقل جاهل ولا عيب أشد من هذين، لأن العاقل هو من ميز عيوب نفسه فغالبها وسعى في قمعها. والأحمق هو الذي يجهل عيوب نفسه إما لقلة علمه وتمييزه وضعف فكرته، وإما لأنه يقدر ان عيوبه خصال، وهذا أشد عيب في الأرض. وفي الناس كثير يفجرون بالزنا واللياطة والسرقة والظلم فيعجب بتأتي هذه النجوس له وبقوته على هذه المخازي. واعلم يقينًا أنه لا يسلم إنسي من نقص، حاشا الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين. فمن خفيت عليه عيوب نفسه فقد سقط وصار من السخف والضعة والرذالة والخسة (٢) وضعف التمييز والعقل وقلة الفهم بحيث لا يتخلف عنه متخلف من الأرذال، وبحيث ليس تحته منزلة من الدناءة، فليتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه والاشتغال بذلك عن الإعجاب بها وعن عيوب غيره التي لا تضره لا في الدنيا ولا في الآخرة. وما أدري لسماع عيوب الناس خصلة الا الاتعاظ بما يسمع المرء منها
_________________
(١) كذا في ص: وجاء في د: فليعلم أن مصيبته الى الأبد.
(٢) تقرأ في ص: والخبثة.
[ ١ / ٣٨٦ ]
فيجتنبها ويسعى في إزالة ما فيه منها بحول الله تعالى وقوته. وأما النطق بعيوب الناس فعيب كبير لا يسوغ أصلًا، والواجب اجتنابه الا في نصيحة من يتوقع عليه الأذى بمداخلة المعيب، أو على سبيل تبكيت المعجب فقط في وجهه لا خلف ظهره.
١٦١ - ثم تقول للمعجب: ارجع إلى نفسك، فإذا ميزت عيوبها فقد داويت عجبك، ولا تميل (١) بين نفسك وبين من هو أكثر منها عيوبًا فتستسهل الرذائل وتكون مقلدًا لأهل الشر، وقد ذم تقليد أهل الخير فكيف تقليد أهل الشر لكن ميل بين نفسك وبين من هو أفضل منك فحينئذ يتلف عجبك وتفيق من هذا الداء القبيح الذي يولد عليك الاستخفاف بالناس، وفيهم بلا شك من هو خير منك، فإذا استخفت بهم لغير حق، استخفوا بك بحق، لان الله تعالى يقول: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ (الشورى: ٤٠) فتولد على نفسك ان تكون أهلًا للاستخفاف بك على الحقيقة، مع مقت الله ﷿ وطمس ما فيك من فضيلة.
(أ) فان أعجبت بعقلك، ففكر في كل فكرة سوء تمر بخاطرك وفي أضاليل الأماني الطائفة (٢) بك، فانك تعلم نقص عقلك حينئذ.
(ب) وان أعجبت بآرائك، فتفكر في سقطاتك (٣) واحفظها ولا تنسها، وفي كل رأي قدرته صوابًا فخرج بخلاف تقديرك، وأصاب غيرك وأخطأت انت، فانك ان فعلت ذلك فأقل أحوالك أن يوازن سقوط رأيك صوابه فتخرج لا لك ولا عليك، والأغلب أن خطأك أكثر من صوابك. وهكذا كل أحد من الناس بعد النبيين صلوات الله عليهم.
_________________
(١) ميل بين الأمرين: وازن بينهما ليرى أيهما أفضل وفي ص: تمثل.
(٢) ص: المطالعة.
(٣) ص: سقطاتك.
[ ١ / ٣٨٧ ]
(ج) وان أعجبت بخيرك (١) فتفكر في معاصيك وتقصيرك وفي معايبك ووجوهها (٢)، فوالله لتجدن من ذلك ما يغلب على خيرك ويعفي على حسناتك، فليطل (٣) همك حينئذ من ذلك، وأبدل من العجب تنقيصًا لنفسك.
(د) وان أعجبت بعلمك فاعلم أنه لا خصلة لك فيه وأنه موهبة من الله مجردة وهبك اياها ربك تعالى فلا تقابلها بما يسخطه، فلعله ينسيك ذلك بعلة يمتحنك بها، تولد عليك نسيان ما علمت وحفظت. ولقد أخبرت عن عبد الملك بن طريف (٤) وهو من أهل العلم والذكاء واعتدال الأحوال وصحة البحث أنه كان ذا حظ من الحفظ عظيم، لا يكاد يمر على سمعه شيء يحتاج إلى استعادته، وأنه ركب البحر فمر به فيه هول شديد أنساه أكثر ما كان يحفظ وأخل بقوة حفظه اخلالًا شديدًا ولم يعاوده ذلك الذكاء بعد. وأنا أصابتني علة فأقمت منها، وقد ذهب ما كنت احفظ الا ما لا قدر له، فما عاودته الا بعد أعوام.
واعلم أن كثيرًا من أهل الحرص على العلم يجدون في القراءة والإكباب على الدرس والطلب ثم لا يرزقون منه حظًا، فليعلم ذو العلم أنه لو كان بالاكباب وحده لكان غيره فوقه، فصح انه موهبة من الله تعالى، فأي مكان للعجب ها هنا ما هذا الا موضع تواضع وشكر لله تعالى واستزادة من نعمه واستعاذة من سلبها.
ثم تفكر أيضًا في أن ما خفي عليك وجهلته من أنواع العلم الذي
_________________
(١) ص: بعلمك بخيرك.
(٢) ص: معاشك ووجوهه.
(٣) ص: فيبطل؛ وما هنا قراءة د.
(٤) الأرجح أنه أبو مروان عبد الملك بن طريف من أهل قرطبة، وكان لغويًا نحويًا أخذ عن ابن القوطية وألف كتابًا حسنًا في الأفعال وتوفي في نحو الأربعمائة (الصلة: ٣٤٠ وبغية الوعاة ٢: ١١١) .
[ ١ / ٣٨٨ ]
تختص (١) به والذي أعجبت بنفاذك فيه، أكثر مما تعلم من ذلك، فاجعل مكان العجب استنقاصًا لنفسك واستقصارًا لها، فهو أولى. وتفكر فيمن كان أعلم منك تجدهم كثيرًا، فلتهن نفسك عندك حينئذ.
وتفكر في إخلالك بعلمك، فانك لا تعمل بما علمت منه فعلمك عليك حجة حينئذ، لقد كان أسلم لك لو لم تكن عالمًا. واعلم ان الجاهل حينئذ أعقل منك وأحسن حالًا وأعذر، فليسقط عجبك بالكلية.
ثم لعل علمك الذي تعجب بنفاذك فيه من العلوم المتأخرة التي لا كبير خصلة فيها كالشعر وما جرى مجراه، فانظر حينئذ إلى من علمه أجل من علمك في مراتب الدنيا والآخرة، فتهون نفسك عليك.
(هـ) وان أعجبت بشجاعتك فتفكر فيمن هو أشجع منك ثم انظر في تلك النجدة التي منحك الله تعالى فيما صرفتها، فان كنت صرفتها في معصية فأنت أحمق، لأنك بذلت نفسك فيما ليس بثمن لها. وان كنت صرفتها في طاعة فقد أفسدتها بعجبك، ثم تفكر في زوالها عنك بالشيخ، وانك إن عشت فستصير في عدد العيال وكالصبي ضعفًا.
على أني ما رأيت العجب في طائفة أقل منه في أهل الشجاعة، فاستدللت بذلك على نزاهة أنفسهم ورفعتها وعلوها.
(و) وإن اعجبت بجاهك في دنياك فتفكر في مخالفيك واندادك ونظائرك (٢) ولعلهم أخساء وضعاء (٣) سقاط. فاعلم أنهم أمثالك فيما أنت فيه ولعلهم ممن يستحيي من التشبه بهم لفرط رذالتهم وخساستهم في أنفسهم وفي أخلاقهم ومنابتهم، فاستهن بكل منزلة شارك فيها من ذكرت لك.
_________________
(١) م: من أنواع العلم ثم من أصناف علمك الذي تختص الخ.
(٢) د: ونظرائك (وهي أصوب) .
(٣) ص: وضعفاء، وهذه قراءة م.
[ ١ / ٣٨٩ ]
وان كنت مالك الأرض كلها ولا خليفة عليك - وهذا بعيد جدًا في الإمكان، فما نعلم أحدًا ملك معمور الأرض كلها على قلته وضيق مساحته (١) بالإضافة إلى غامرها (٢) فكيف إذا أضيف إلى الفلك المحيط - فتفكر فيما قال ابن السماك (٣) للرشيد، وقد دعا بحضرته بقدح فيه ماء ليشربه فقال له: يا أمير المؤمنين فلو منعت هذه الشربة بكم كنت ترضى أن تبتاعها فقال له الرشيد بملكي كله. قال: يا أمير المؤمنين، فلو منعت من خروجها منك، بكم كنت ترضى تفتدي من ذلك قال: بملكي كله. فقال: يا أمير المؤمنين أتغتبط بملك لا يساوي بولة ولا شربة ماء وصدق ابن السماك ﵀.
وان كنت ملك المسلمين كلهم، فاعلم أن ملك السودان وهو رجل أسود (٤) مكشوف العورة جاهل، يملك أوسع من ملكك. فان قلت أخذته بحق، فلعمري ما أخذته بحق اذ استعملت فيه رذيلة العجب، وإذا لم تعدل فيه فاستحي من حالك، فهي حالة لا حالة يجب العجب فيها.
(ز) وان أعجبت بمالك، فهذه أسوأ مراتب العجب فانظر في كل ساقط خسيس فهو أغنى منك، فلا تغتبط بحالة يفوقك فيها من ذكرت. واعلم ان عجبك بالمال حمق لأنه أحجار لا تنتفع بها الا بان تخرجها عن ملكك بنفقتها في وجهها فقط. والمال ايضًا غاد ورائح (٥)، وربما زال
_________________
(١) ص: محاسنه.
(٢) ص: عامرها؛ والغامر من الأرض والدور خلاف العامر.
(٣) هو محمد بن صبيح مولي بن عجل، كوفي، قدم بغداد زمن هارون الرشيد، وكان يعظه، وبعد اقامته مدة ببغداد عاد الى الكوفة وتوفي بها سنة ١٨٣ (صفة الصفوة ٣: ١٠٥ وتاريخ بغداد رقم ٢٨٩٥) وموعظته التي أوردها ابن حزم مذكورة في العقد ٣: ١٦٤.
(٤) م: أسود رذل.
(٥) هو من قول حاتم الطائي: أماوي إن المال غاد ورائح ويبقى من المرء الأحاديث والذكر
[ ١ / ٣٩٠ ]
عنك ورأيته بعينه في يد غيرك، ولعل ذلك يكون في يد عدوك، فالعجب بمثل هذا سخف والثقة به غرور وضعف.
(ج) وان اعجبت بحسنك ففكر فيما عليك مما نستحيي نحن من اثباته وتستحي أنت منه إذا ذهب عنك بدخولك في السن. وفيما ذكرنا كفاية.
(ط) وان اعجبت بمدح اخوانك لك، ففكر في ذم أعدائك اياك، فحينئذ ينجلي عنك العجب، فان لم يكن لك عدو فلا خير فيك ولا منزلة أسقط من منزلة من لا عدو له، فليست إلا منزلة من ليس الله تعالى عنده نعمة يحسد عليها، عافانا الله.
فان استحقرت عيونك ففكر فيها لو ظهرت إلى الناس وتمثل اطلاعهم عليها، فحينئذ تخجل وتعرف قدر نقصك ان كانت لك مسكة من تمييز. واعلم بأنك لو تعلمت كيفية تركيب الطبائع وتولد الأخلاق من امتزاج ناصرها المحمولة في النفس فستقف من ذلك وقوف يقين على ان فضائلك لا خصلة لك فيها وأنها منح من الله تعالى لو منحها غيرك لكان مثلك، وانك لو وكلت إلى نفسك لعجزت وهلكت، فاجعل بدل عجبك بها حمدًا لواهبك إياها وإشفاقًا من زوالها، فقد تتغير الأخلاق الحميدة بالمرض وبالفقر وبالخوف وبالغضب وبالهرم، وارحم من منع ما منحت، ولا تتعرض لزوال ما بك من النعم بالتعاطي (١) على واهبها تعالى، وبأن تجعل لنفسك فيما وهبك خصلة أو حقًا، فتقدر أنك استغنيت عن عصمته فتهلك عاجلًا واجلًا.
ولقد أصابتني علة شديدة ولدت علي ربوًا في الطحال شديدًا، فولد علي لك من الضجر وضيق الخلق وقلة الصبر والنزق أمرًا حاسبت نفسي فيه، اذ أنكرت تبدل خلقي، فاشتد عجبي من مفارقتي لطبعي، وصح عندي أن الطحال موضع الفرح، فإذا فسد تولد ضده.
_________________
(١) التعاطي: الجرأة، وتناول ما لا يحق ولا يجوز تناوله؛ د: التعالي.
[ ١ / ٣٩١ ]
(ي) وان أعجبت بنسبك، فهذه اسوأ من كل ما ذكرنا، لأن هذا الذي أعجبت به لا فائدة له أصلًا في دنيا ولا آخرة. وانظر هل يدفع عنك جوعة أو يستر لك عورة أو ينفعك في آخرتك.
ثم انظر إلى من يساهمك في نسبك، وربما فيما هو أعلى منه ممن نالته ولادة الأنبياء ﵈ ثم ولادة الخلفاء، ثم ولادة الفضلاء من الصحابة والعلماء ثم ولادة ملوك العجم من الأكاسرة والقياصرة، ثم ولادة التبابعة وسائر ملوك الاسلام، فتأمل غبراتهم وبقاياهم ومن يدلي بمثل ما تدلي به من ذلك تجد أكثرهم أمثال الكلاب خساسة، وتلقهم في غاية السقوط والرذالة والتبذل والتحلي بالصفات المذمومة. فلا تغتبط بمنزلة هم نظراؤك أو فوقك. ثم لعل الآباء الذين تفخر بهم كانوا فساقًا، وشربة خمور، ولاطة، ومتعبثين (١)، ونوكى، أطلقت الأيام أيديهم بالظلم والجور، فأنتجوا آثارًا (٢) قبيحة يبقى عارهم بذلك على الأيام، ويعظم إثمهم والندم عليها يوم الحساب. فان كان ذلك فاعلم أن الذي أعجبت به من ذلك داخل في العيب والخزي والعار والشنار، لا في الاعجاب.
(ك) فان أعجبت بولادة الفضلاء اياك، فما أخلى يدك من فضلهم ان لم تكن أنت فاضلًا، وما أقل غناءهم عنك في الدنيا والآخرة ان لم تكن محسنًا، والناس كلهم ولد آدم الذي خلقه الله تعالى بيده، وأسكنه جنته وأسجد له ملائكته، ولكن ما أقل نفعه لهم، وفيهم كل عيب (٣) وكل فاسق وكل كافر.
واذا فكر العاقل في أن فضائل آبائه لا تقربه من ربه تعالى ولا تكسبه وجاهة لم يحزها هو بسعده او بفضله في نفسه ولا ماله، فأي معنى
_________________
(١) م: ومغنين.
(٢) م: فأنتجوا ظلمًا وآثارًا.
(٣) م: معيب، وقد تقرأ كذلك في ص.
[ ١ / ٣٩٢ ]
للإعجاب بما لا منفعة فيه وهل المعجب بذلك الا كالمعجب بمال جاره وبجاه غيره وبفرس لغيره سبق كان على رأسه لجامه (١)، وكما تقول العامة في أمثالها: " كالخصي يزهى بذكر ابيه ". (٢)
(ل) فان تعدى بك العجب إلى الامتداح فقد تضاعف سقوطك، لأنه قد عجز عقلك عن مفارقة (٣) ما فيك من العجب. هذا ان امتدحت بحق، فكيف ان امتدحت بكذب! وقد كان ابن نوح وأبو إبراهيم وأبو لهب، عم النبي صلى الله عليه وعلى نوح وابراهيم وسلم، أقرب الناس من أفضل خلق الله تعالى من ولد آدم وممن الشرف كله في اتباعهم، فما انتفعوا بذلك. وقد كان فيمن ولد لغير رشدة، من كان الغاية في رئاسة الدنيا كزياد وأبي مسلم، ومن كان نهاية في الفضل على الحقيقة كبعض من نجله عن ذكره في مثل هذا الفصل ممن يتقرب إلى الله تعالى بمحبته (٤) والاقتداء بحميد آثاره.
(م) وان أعجبت بقوة جسمك فتفكر في أن البغل والحمار والثور أقوى منك وأحمل للأثقال، وان أعجبت بخفتك، فاعلم أن الكلب والأرنب يفوقانك في هذا الباب. فمن اعجب العجيب إعجاب ناطق بخصلة يفوقه فيها غير الناطق.
١٦٢ - واعلم أن من قدر في نفسه عجبًا أو ظن لها على سائر الناس فضلًا، فلينظر إلى صبره عندما يدهمه من هم أو نكبة أو وجع أو دمل أو مصيبة، فان رأى في نفسه قلة الصبر (٥) فليعلم أن جميع أهل
_________________
(١) هذه حكاية عن أبي عبيدة أن الخيل أجريت للرهان فسبق فرس فجعل رجل من النظارة يكبر ويثب فقيل له أكان الفرس لك قال: لا ولكن اللجام لي (الميداني: ٢: ٥٧) .
(٢) يشبه في الأمثال القديمة " كالفاخرة بحدج ربتها " (الحدج: المركب) (انظر فصل المقال: ٤٠١ والميداني ٢: ٥٧) وأورده الميداني (٢: ٨١) كالخصي يفتخر بزب مولاه.
(٣) ص: عن مفارقة مقاومة (فكأنه أثبت قراءتين) .
(٤) د: بحبه.
(٥) د. م: فان رأى نفسه قليلة الصبر.
[ ١ / ٣٩٣ ]
البلاء من المجذمين وغيرهم من الصابرين، أفضل منه على تأخر طبقتهم في التمييز. وان رأى نفسه صابرة فليعلم أنه لم يأت بشيء يسبق فيه على ما ذكرنا بل هو إما متأخر عنهم وإما مساو لهم، ولا مزيد.
١٦٣ - ثم لينظر إلى سيرته وعدله أو جوره فيما خوله الله تعالى من نعمة أو مال أو خول أو أتباع أو صحة أو جاه، فان وجد نفسه مقصرة فيما يلزمه من الشكر لواهبه تعالى، ووجدها حائفة في العدل، فليعلم أن أهل العدل والشكر والسيرة الحسنة من المخولين أكثر مما هو فيه، أفضل منه. فإن رأى نفسه ملتزمة للعدل، فالعادل بعيد من العجب البتة لعلمه بموازين الأشياء، ومقادير الأخلاق، والتزامه التوسط الذي هو الاعتدال بين الطرفين المذمومين. فإن أعجب لم يعدل، بل قد مال إلى جنبة الافراط المذمومة.
١٦٤ - ولتعلم أن التعسف وسوء الملكة لمن خولك الله أمره من رقيق أو رعية يدلان على خساسة النفس ودناءة الهمة وضعف العقل، لان العاقل الرفيع النفس العالي الهمة، انما يغالب أكفاءه في القوة ونظراءه في المنعة. وأما الاستطالة على من لا يمكنه المعارضة، فسقوط في الطبع ورذالة في النفس والخلق وعجز ومهانة، ومن فعل ذلك فهو بمنزلة من يتبجح بقتل جرذ او بعقر برغوث او بفرك قملة وحسبك بهذا ضعة وخساسة.
١٦٥ - واعلم أن رياضة النفس (١) أصعب من رياضة الأسد، لان الأسد اذا سجنت في البيوت التي تتخذها (٢) لها الملوك، أمن شرها، والنفس ان سجنت لم يؤمن شرها.
_________________
(١) م: الأنفس.
(٢) ص: تتخذ.
[ ١ / ٣٩٤ ]
١٦٦ - العجب أصل يتفرع عنه التيه والزهو والكبر والنخوة والتعاطي (١) وهذه أسماء واقعة على معان متقاربة، ولذلك صعب الفرق بينها على أكثر الناس، فقد يكون العجب لفضيلة في المعجب ظاهرة: فمن معجب بعلمه فيكفهر ويتغلق (٢) على الناس، ومن معجب بعمله فيترفع ويتعاطى (٣)، ومن معجب برأيه فيزهو على غيره، ومن معجب بنفسه فيتيه، ومن معجب بجاهه وعلو حاله فيتكبر وينتخي (٤) .
١٦٧ - وأقل مراتب العجب أن تراه يتوقر عن الضحك [في مواضعه] (٥) وعن خفة الحركات وعن الكلام إلا فيما لابد له منه من أمور دنياه، وعيب هذا أقل من عيب غيره، ولو فعل هذه الأفاعيل على سبيل الاقتصار على الواجبات وترك الفضول لكان ذلك فضلًا وموجبًا لحمدهم، ولكنهم إنما يفعلون ذلك احتقارًا للناس وإعجابًا بأنفسهم، فحصل لهم بذلك استحقاق الذم، و" إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ". حتى إذا زاد الأمر، ولم يكن هنالك تمييز يحجب عن توفيته العجب حقه ولا عقل جيد، حدث من ذلك ظهور الاستخفاف بالناس واحتقارهم بالكلام وفي المعاملة، حتى إذا زاد على ذلك وضعف التمييز والعقل ترقى ذلك إلى الاستطالة على الناس بالأذى باللسان واليد والتحكم والظلم والطغيان (٦) واقتضاء الطاعة لنفسه والخضوع لها إن أمكنه ذلك. فإن لم يقدر على ذلك امتدح بلسانه واقتصر على ذم الناس والاستهزاء بهم.
١٦٨ - وقد يكون العجب لغير معنى ولغير فضيلة في
_________________
(١) م: التعالي.
(٢) ينغلق: يغضب ويحتد ويبدي ضيق خلقه.
(٣) د: ويتعالى.
(٤) ينتخي: يفتخر ويتعظم.
(٥) زيادة من د.
(٦) م: بالأيدي واللسان والتحكم والطغيان.
[ ١ / ٣٩٥ ]
المعجب، وهذا من عجيب ما يقع في هذا الباب، وهو شيء يسميه عامتنا " التمييز المتمندل " (١) وكثيرًا ما نراه في النساء وفيمن عقله قريب من عقولهن من الرجال، وهو عجب من ليس فيه خصلة أصلًا، لا علم ولا شجاعة ولا علو حال ولا نسب رفيع ولا مال يطغيه وهو يعلم مع ذلك انه صفر من ذلك كله، لأن هذه الأمور لا يغلط فيها من يقذف بالحجارة (٢)، وإنما يغلط فيها من له أدنى حظ منها، فربما يتوهم إن كان ضعيف العقل انه قد بلغ الغاية القصوى منها، كمن له حظ من علم، فهو يظن أنه عالم كامل، أو كمن له نسب معرق في ظلمة، وتجدهم لم يكونوا أيضًا رفعاء في ظلمهم، فتجده لو كان ابن فرعون ذي الأوتاد ما زاد على إعجابه الذي فيه، او له شيء من فروسية فهو يقدر انه يهزم عليًا ويأسر الزبير ويقتل خالدًا، أو له شيء من جاه رذل لا يرى الاسكندر على حال، أو يكون قويًا على أن يكسب، ما يتوفر بيده مويل يفضل عن قوته، فلو أخذ بقرني الشمس لم يزد على ما هو فيه. وليس يكثر العجب من هؤلاء وإن كانوا عجبًا، لكن ممن لاحظ له من علم أصلًا، ولا نسب البتة، ولا مال ولا جاه ولا نجدة، بل نراه في كفالة غيره مهتضمًا لكل من له أدنى طاقة، وهو يعلم أنه خال من كل ذلك، وأنه لاحظ له في شيء منه، ثم هو مع ذلك في حالة المزهو التياه.
ولقد تسببت إلى سؤال بعضهم في رفق ولين عن سبب علو
_________________
(١) م: التمترك؛ ولم أوفق الى توجيه لفظة " التمندل " حتى رأيت الدكتور عبد العزيز الأهواني ﵀ قد أشار إلى الزجل (رقم: ١٢٥) لابن قزمان، وقد جاء في المقطوعة الثالثة منه (انظر مجلة المعهد المصري، المجلد: ١٩ (١٩٧٦ - ١٩٧٨) ص: ٦٠. حبيب يتمنزل لما أنا عبد وفسر " يتمنزل " بمعنى يدل بمنزلته ويتكبر؛ وهذا توضيح جيد ولكنه يلقي شكًا على لفظة " التمييز " وأنا أعتقد أن اللفظتين لفظة واحدة، واضطرب فيهما الناسخ أو أن الأصل الصحيح هو: " وهو شيء يسميه عامتنا التمنزل والتمندل " والتمندل تعني أيضًا اصطناع الدل.
(٢) من يقذف بالحجارة: كناية عن المجنون؛ وفي ص: يغلط فيها من لا يقذف.
[ ١ / ٣٩٦ ]
نفسه واحتقاره الناس، فما وجدت عنده مزيدًا على ان قال لي: " أنا حر لست عبد أحد ". فقلت له: أكثر من تراه يشاركك في هذه الفضيلة، فهم أحرار مثلك إلا قومًا من العبيد هم أطول يدًا منك وأمرهم نافذ عليك وعلى كثير من الأحرار. فلم أجد عنده زيادة. فرجعت إلى تفتيش أحوالهم ومراعاتها، فأفكرت في ذلك سنين لأعلم السبب الباعث لهم على هذا العجب الذي لا سبب له، فلم أزل اختبر ما تنطوي عليه نفوسهم بما يبدو من أحوالهم ومن مراميهم في كلامهم، فاستقر أمرهم على انهم يقدرون أن عندهم فضل عقل وتمييز ورأي أصيل، لو أمكنتهم الأيام من تصرفه أو وجدوا (١) فيه متسعًا لأداروا الممالك الرفيعة ولبنان فضلهم على سائر الناس، ولو ملكوا مالًا لأحسنوا تصريفه، فمن هاهنا تسرب التيه إليهم وسرى العجب فيهم.
١٦٩ - وهذا مكان فيه للكلام شغب عجيب ومعارضة معترضة وهو انه ليس شيء من الفضائل كلما كان المرء منه أعرى قوي ظنه انه قد استولى عليه واستمر يقينه في أنه قد كمل فيه إلا العقل والتمييز، حتى انك تجد المجنون المطبق والسكران الطافح يسخران بالصحيح، والجاهل الناقص يهزأ بالحكماء والأفاضل العلماء، والصبيان الصغار يتفكهون (٢) بالكهول، والسفهاء العيارين يستخفون بالعقلاء المتصاونين، وضعفة النساء يستنقصن عقول أكابر الرجال وآراءهم، وبالجملة: فكلما نقص العقل توهم صاحبه أنه أوفر الناس عقلا وأكمل ما كان تمييزًا، ولا يعرض هذا في سائر الفضائل، فإن العاري منها جملة يدري أنه عار منها، وإنما يدخل الغلط على من له أدنى حظ منها وإن قل، فإنه يتوهم حينئذ إن كان ضعيف التمييز أنه علي (٣) الدرجة فيه. ودواء من ذكرنا الفقر والخمول، ولا دواء لهم أنجع منه
_________________
(١) د: لوجدوا فيه متسعا، ص: ولأداروا.
(٢) م: يتهكمون.
(٣) د: عالي.
[ ١ / ٣٩٧ ]
وإلا فداؤهم وضررهم على الناس عظيم جدًا، فلا تجدهم إلا عيابين للناس وقاعين في الأعراض، مستهزئين بالجميع، مجانبين للحقائق، مكبين على الفضول، وربما كانوا مع ذلك متعرضين للمشاتمة والمهارشة، وربما قصدوا إلى الملاطمة والمضاربة عند أدنى سبب يعرض لهم.
١٧٠ - وقد يكون العجب كمينًا في المرء حتى إذا حصل على أدنى جاه ومال ظهر ذلك عليه، وعجز عقله عن قمعه وستره.
١٧١ - ومن طريف ما رأيت في بعض أهل الضعف أن منهم من يغلبه ما يضمر من محبة ولده الصغير وامرأته حتى يصفها بالعقل في المحافل، وحتى إنه يقول هي أعقل مني، وأنا أتبرك بوصيتها. وأما مدحه إياها بالجمال والحسن والعافية فكثير في أهل الضعف جدًا، حتى انه لو كان خاطبًا لها زاد على ما يقول في ترغيب السامع لوصفه فيها، ولا يكون هذا إلا في ضعيف العقل عار من العجب بنفسه.
١٧٢ - إياك والامتداح، فغن كل من يسمعك، لا يصدقك وإن كنت صادقًا، بل يجعل ما سمع منك من ذلك من أول معايبك، وإياك ومدح أحد في وجهه، فإنه فعل أهل الملق وضعفة النفوس. وإياك وذم أحد في حضرته ولا في مغيبه، فلك في إصلاح نفسك شغل.
١٧٣ - وإياك والتفاقر (١)، فإنك ما تحصل من ذلك إلا على تكذيبك أو احتقار من يسمعك، ولا منفعة لك في ذلك أصلًا إلا كفر نعمة ربك وشكواه إلى من لا يرحمك. وإياك ووصف نفسك باليسار، فإنك لا تزيد على اطماع السامعين فيما عندك ببطر (٢) ولا تزد على شكر الله تعالى وذكر فقرك إليه وغناك عمن دونه فغن هذا يكسبك
_________________
(١) ص: التفاخر، والتفاقر: التظاهر بالفقر.
(٢) ببطر: غير معجمة في ص، وسقطت من د.
[ ١ / ٣٩٨ ]
الجلالة والراحة من الطمع فيما عندك. [و] العاقل هو من لا يفارق ما أوجبه تمييزه، ومن سبب للناس الطمع فيما عنده لم يحصل إلا على أن يبذله لهم، فلا غاية لهذا أو يمنعهم فيلؤم ويعادونه، فإذا أردت أن تعطي أحدًا شيئًا فليكن ذلك منك قبل أن يسألك، فهو أكرم وأنزه وأوجب للمجد (١) .
١٧٤ - من بديع ما يقع في الحسد قول الحاسد إذا سمع إنسانًا يغرب (٢) في علم ما: " هذا شيء بارد، إذ لم يتقدم إليه ولا قاله قبله أحد ". فإن سمع من يبين ما قد قاله غيره قال: " هذا بارد وقد قيل قبله ". وهذه طائفة سوء قد نصبت أنفسها للقعود على طريق العلم يصدون الناس عنها ليكثر نظراؤهم من الجهال.
١٧٥ - إن الحكيم لا تنفعه حكمته عند الخبيث الطبع، بل يظنه خبيثًا مثله. وقد شاهدت أقوامًا ذوي طبائع ردية، وقد تصور في أنفسهم الخبيثة أن الناس كلهم على مثل طبائعهم لا يصدقون أصلًا بأن أحدًا هو سالم من رذائلهم بوجه من الوجوه، وهذا أفسد (٣) ما يكون من فساد الطبع والبعد عن الفضل والخير. ومن كانت هذه صفته لا ترجى له معافاة (٤) أبدًا، وبالله تعالى التوفيق.
١٧٦ - العدل حصن يلجأ إليه كل خائف، وذلك أنك ترى الظالم إذا رأى من يريد ظلمه دعا إلى العدل وأنكر الظلم حينئذ وذمه، ولا ترى أحدًا يذم العدل. فمن كان العدل في طبعه فهو ساكن في ذلك الحصن الحصين.
١٧٧ - الاستهانة نوع من (٥) أنواع الخيانة: إذ قد يخونك من
_________________
(١) د: للحمد.
(٢) ص: يعرف.
(٣) م: أسوأ.
(٤) ص: معانا، د: معاناة.
(٥) ص: من نوع.
[ ١ / ٣٩٩ ]
لا يستهين بك، ومن استهان بك فقد خانتك الانصاف، فكل مستهين خائن، وليس كل خائن مستهينًا.
١٧٨ - الاستهانة بالمتاع دليل على الاستهانة برب المتاع.
١٧٩ - حالتان يحسن فيهما ما يقبح في غيرهما وهما المعاتبة والاعتذار، فإنه يحسن فيهما تعديد الأيادي وذكر الاحسان، وذلك غاية القبح فيما عدا هاتين الحالتين.
١٨٠ - لا عيب على من مال بطبعه إلى بعض القبائح ولو انه أشد العيوب وأعظم الرذائل ما لم يظهره بقول أو فعل، بل يكاد يكون أحمد ممن أعانه طبعه على الفضائل، ولا تكون مغالبة الطبع الفاسد إلا عن قوة عقل فاضل.
١٨١ - الخيانة في الحرم أشد من الخيانة في الدماء.
١٨٢ - العرض أعز على الكريم من المال؛ ينبغي للكريم أن يصون جسمه بماله، ويصون نفسه بجسمه، ويصون عرضه بنفسه، ويصون دينه بعرضه ولا يصون بدينه شيئًا أصلًا.
١٨٣ - الخيانة في الأعراض أخف من الخيانة في الأموال، وبرهان ذلك أنه لا يكاد يوجد من لا يخون في العرض وإن قل ذلك منه وكان من اهل الفضل. وأما الخيانة في الأموال، وإن قلت أو كثرت، فلا تكون إلا من رذل بعيد عن الفضل.
١٨٤ - القياس في أحوال الناس قد يكذب في أكثر الأمور ويبطل في الأغلب، واستعمال ما هذه صفته في الدين لا يجوز.
١٨٥ - المقلد راض ان يغبن عقله، ولعله مع ذلك يستعظم أن يغبن ماله فيخطئ في الوجهين معًا.
١٨٦ - لا يكره الغبن في ماله ويستعظمه إلا لئيم الطبع دقيق الهمة مهين النفس.
[ ١ / ٤٠٠ ]
١٨٧ - من جهل معرفة الفضائل فليعتمد على ما أمر به الله تعالى ورسوله ﷺ فإنه يحتوي على جميع الفضائل.
١٨٨ - رب مخوف كان التحفظ (١) منه سبب وقوعه. ورب سر كانت المبالغة في طيه علة انتشاره (٢)، ورب إعراض أبلغ في الاسترابة من إدامة النظر. واصل ذلك كله الإفراط الخارج عن حد الاعتدال.
١٨٩ - الفضيلة وسيطة بين الإفراط والتفريط، فكلا الطرفين مذموم، والفضيلة وسيطة بينهما محمودة، حاشا العقل فإنه لا إفراط فيه.
١٩٠ - الخطأ في الحزم خير من الخطأ في التضييع.
١٩١ - من العجائب ان الفضائل مستحسنة ومستثقلة، والرذائل مستقبحة ومستخفة.
١٩٢ - من أراد الإنصاف فليتوهم نفسه مكان خصمه، فإنه يلوح له وجه تعسفه.
١٩٣ - حد الحزم معرفة الصديق من العدو. وغاية الخرق والضعف جهل العدو من الصديق.
١٩٤ - لا تسلم عدوك لظلم ولا تظلمه، وساو في ذلك بينه وبين الصديق، وإياك وتقريبه وإعلاء قدره فإن هذا من فعل النوكى. ومن ساوى بين عدوه وصديقه في التقريب والرفعة، فلم يزد على أن زهد الناس في مودته وسهل عليهم عداوته، ولم يزد على استخفاف عدوه وتمكينه من مقاتله وإفساد صديقه على نفسه وإلحاقه بجملة أعدائه؛ غاية الخير أن يسلم عدوك من ظلمك ومن تركك إياه للظلم، وأما تقريبه فمن شيم النوكى الذين قد قرب منهم التلف؛ وغاية الشر إلا
_________________
(١) م: التحرز.
(٢) م: سبب انتشاره.
[ ١ / ٤٠١ ]
يسلم صديقك من ظلمك، وأما إبعاده فمن فعل من لا عقل له، ومن قد كتب عليه الشقاء؛ ليس الحلم تقريب العدو، ولكنه مسالمتهم مع التحفظ منهم.
١٩٥ -[كم رأينا من فاخر بما عنده من المتاع، كان ذلك سببًا لهلاكه، فإياك وهذا الباب الذي هو ضر محض لا منفعة فيه أصلًا] .
١٩٦ -[كم شاهدنا ممن أهلكه كلامه ولم نر قط أحدًا بلغنا أنه أهلكه سكوته، فلا تتكلم إلا بما يقربك من خالقك، فإن خفت ظالمًا فاسكت] .
١٩٧ - قلما رأيت امرًا أمكن فضيع إلا فات (١) فلم يمكن بعد.
١٩٨ - محن الإنسان في دهره كثيرة، وأعظمها محنته بأهل نوعه من الأنس [وداء] (٢) الإنسان بالناس اعظم من دائه بالسباع الكلبة والأفاعي الضارية، لأن التحفظ من كل ما ذكرنا ممكن، ولا يمكن التحفظ من الإنس أصلًا.
١٩٩ - الغالب على الناس النفاق، ومن العجب انه لا يجوز مع ذلك عندهم إلا من نافقهم.
٢٠٠ - لو قال قائل ان في الطبائع مزية كرية (٣) لأن أطراف الأضداد تلتقي، لم يبعد من الصدق. وقد نجد نتائج الأضداد تتساوى، فنجد المرء يبكي من الفرح ومن الحزن، ونجد فرط المودة يلتقي مع فرط البغضة في تتبع العثرات، وقد يكون ذلك سببًا للقطيعة عند عدم الصبر والإنصاف.
_________________
(١) ص: الأوقات، ولعلها الا وفات.
(٢) زيادة من م.
(٣) ص: كرية مزية.
[ ١ / ٤٠٢ ]
٢٠١ - كل من غلب عليه طبيعة ما، فإنه وإن بلغ الغاية من الحزم والحذر، فإنه مصروع إذا كويد من قبلها.
٢٠٢ - كثرة الريب تعلم صاحبها الكذب لكثرة ضرورته إلى الاعتذار بالكذب، فيضرى عليه ويستسهله.
٢٠٣ - اعدل الشهود على المطبوع على الصدق وجهه لظهور الاسترابة عليه إن وقع في كذبة أو هم بها. وأعدل الشهود على الكذاب لسانه لاضطرابه ونقض بعض كلامه بعضًا.
٢٠٤ - المصيبة في الصديق الناكث اعظم من المصيبة به.
٢٠٥ - اشد الناس استعظامًا (١) للعيوب بلسانه هو أشدهم استهلالًا لها بفعله. ويتبين ذلك في مسافهات أهل البذاء ومشاتمات الأرذال البالغين غاية الرذالة من الصناعات الخسيسة من الرجال والنساء كاهل التعيش بالزمير وكنس الحشوش والخادمين في المجازر وساكني دور الحمل المباحة لكراء الجماعات الرذلة والساسة للدواب، فإن كل من ذكرنا أشد الخلق رميًا من بعضهم لبعض بالقبائح وأكثرهم عيبًا بالفضائح، وهم أوغل الناس فيها وأشهرهم بها.
٢٠٦ - اللقاء يذهب بالسخائم، فكان نظر العين إلى العين يصلح القلوب، فلا يسؤك التقاء صديقك بعدوك، فغن ذلك يفتر (٢) أمره عنك.
٢٠٧ - أشد الأشياء على الناس الخوف والهم والمرض والفقر. وأشدها كلها إيلامًا للنفس الهم للفقد من المحبوب وتوقع المكروه، ثم المرض، ثم الخوف ثم الفقر. ودليل ذلك ان الفقر يستعجل ليطرد به الخوف، فيبذل المرء ماله كله ليامن، والخوف والفقر يستعجلان ليطرد
_________________
(١) م: استهالًا؛ ص: استطعامًا.
(٢) يفتر: يسكن.
[ ١ / ٤٠٣ ]
بهما ألم المرض فيغرر الإنسان في طلب الصحة ويبذل ماله فيها إذا أشفق من الموت ويود عند تيقنه (١) به لو بذل ماله كله ويسلم (٢) ويفيق. والخوف يستهل ليطرد به الهم، فيغرر المرء بنفسه ليطرد عنها الهم. وأشد الأمراض لها ألمًا وجع ملازم في عضو ما بعينه. وأما النفوس الكريمة فالذل عندها أشد من كل ما ذكرنا وهو أشعل المخوفات عند ذوي النفوس اللئيمة.
_________________
(١) ص: نفسه، والتصويب عن م.
(٢) ص: وسلم.
[ ١ / ٤٠٤ ]