إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله ..
أما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين، والتمسوا الطريق لرضاه، وابحثوا عن أسباب مغفرته ورضاه، فإن رضي الله غاية القصد .. وإذا رضي الله عن عبد وفقه للخير وأرضى عنه الناس.
أيها المسلمون .. قد تقرر في الخطبة الماضية أن الخطأ من طبيعة البشر .. ولكن دواء الذنوب والأخطاء الندم والاستغفار، ولهذا ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «قال إبليس: وعزتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» (٢).
ولهذا لم يكن عبثًا أن يبحث الصحابة رضوان الله عليهم عن أسباب المغفرة، وأن يعلموا الدعاء الذي يغفر الله به الذنوب، وقد سأل أحدهم رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم».
بل لقد ثبت من دعاء الرسول ﷺ قوله: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي
_________________
(١) ألقيت هذه الخطبة يوم الجمعة الموافق ٢٠/ ٥/ ١٤١٣ هـ.
(٢) الحديث رواه أحمد والحاكم وقال: صحيح الإسناد، المتجر الرابح ص ٤٩٦.
[ ١ / ٢٠٧ ]
وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي» (١).
وفوق ذلك كله فقد كان الصالحون يبحثون عن الأوقات المناسبة للاستغفار وهل علمت أخي المسلم أنسب الأوقات للاستغفار؟ تجد ذلك في كتاب الله وأنت تقرأ في صفات المتقين قوله تعالى: ﴿كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون﴾ (٢) وتقرأ في صفات المؤمنين قوله تعالى ﴿الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار﴾ (٣) قال العلماء: وهذا يدل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار، وقد قيل: إن يعقوب ﵇ لما قال لبنيه ﴿سوف أستغفر لكم ربي﴾ (٤) أنه أخرهم إلى وقت السحر (٥)، وثبت من سنة رسول الله ﷺ عن جماعة من الصحابة ما يؤكد أهمية الاستغفار في الأسحار، فقد قال البني ﷺ «ينزل الله ﵎ في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ فأين السائلون وأين المستغفرون .. أين أصحاب الحاجات؟ والجليل ﵎ يفتح بابه للسائلين والمستغفرين».
_________________
(١) حديث متفق على صحته، شرح السنة ٥/ ١٧٢.
(٢) سورة الذاريات، الآية: ١٧، ١٨.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٦، ١٧.
(٤) سورة يوسف، الآية: ٩٨.
(٥) تفسير ابن كثير ٢/ ١٨.
[ ١ / ٢٠٨ ]
أجل لقد استفاد من هذه الأجواء المشمرون .. وربح البيع عند أولئك المسارعين للخيرات .. فهذا عبد الله بن عمر ﵄ كان يصلي من الليل ثم يلتفت إلى نافع ويقول: يا نافع هل جاء السحر؟ فإذا قال نعم: أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح. وروى ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة.
وعن إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال: سعت رجلًا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: رب أمرتني فأطعتك، وهذا سحر فاغفر لي. فنظرت فإذا ابن مسعود ﵁ (١) هكذا كان المخبتون، وكذلك ينبغي أن يكون المفرطون المذنبون.
إخوة الإيمان وبالاستغفار تؤجل العقوبة ويؤخر الله العذاب ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ (٢).
ومن هنا يبقى للأمة أمانات من العذاب هما بقاء الرسول ﷺ ودوام الاستغفار، فإذا ذهب بقاء الرسول ﷺ بموته بقي الاستغفار هو الأمان الوحيد من العذاب إلى يوم القيامة.
ولهذا ساق الحافظ ابن كثير- عليه رحمة الله - حديثًا رواه الترمذي- عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أنزل الله علي أمانين لأمتي .. وما كان الله يعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون .. فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة» (٣).
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٢/ ١٨ مع ما سبق.
(٢) سورة الأنفال، الآية: ٣٣.
(٣) قال الترمذي: هذا حديث غريب، تفسير ابن كثير ٣/ ٥٩٠.
[ ١ / ٢٠٩ ]
وبالاستغفار كذلك ينزل الله البركات من السماء وتنتشر الجنان وتكثر الأموال والأولاد، وتجري الأنهار .. وهي كلها نعم يتمناها الناس ويسعون إلى تحقيقها .. والاستغفار سبب جالب لها بإذن الله، واسمع إلى قول نوح﵇ لقومه- ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا يرسل السماء عليكم مدرارًا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارًا﴾ (١).
إخوة الإسلام وإذا كان الإسلام قد شرع الإستغفار بعد عمل الطاعات، فأول ما يبدأ به المرء بعد انتهاء الصلاة هو الاستغفار .. وهي لفتة إلى أن الطاعة قد يكون دخلها من الخلل، والتقصير ما يستدعي طلب العفو والمغفرة من الله .. ولذلك يقول المصلي بعد السلام مباشرة «أستغفر الله- أستغفر الله .. إذا كان هذا في شأن العبادة والطاعة، فكيف ترون الحاجة للاستغفار في حال الذنب والمعصية؟ .. لا شك أن الحاجة أولى وأحرى.
أخي المسلم أحذر كل الحذر أن يُران على قلبك بالمعاصي بسبب غفلتك عن الاستغفار، وتأمل قول النبي ﷺ «إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فان تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منها، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه فذلكم الران الذي ذكر الله ﷿ في كتابه ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ (٢).
واعلم أن من علامات حياة القلب الندم على المعاصي والمبادرة بالتوبة والاستغفار، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ «الندم توبة» (٣).
_________________
(١) سورة نوح، الآية: ١٠ - ١٢.
(٢) حديث صحيح أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم .. شرح السنة للبغوي ٥/ ٨٩.
(٣) رواه أحمد وابن ماجه بسند قوي، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، شرح السنة ٥/ ٩١. وحسنه الحافظ ابن حجر كما في الفتح ١٣/ ا ٤٧.
[ ١ / ٢١٠ ]
ومن هنا فرق العارفون بين المؤمن الذي يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وبين الفاجر الذي يرى ذنوبه مثل ذباب مر على أنفه فذبه عنه (١).
اللهم ارزقنا التوبة والاستغفار، والندم على الذنوب والآثام، ووفقنا لعمل الصالحات وتقبل منا يا عزيز يا غفار .. هذا وصلوا ..
_________________
(١) شرح السنة ٥/ ٨٦.
[ ١ / ٢١١ ]