الحمد لله الذي هدأنا لهذا الدين وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللهم ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، خص أمتنا بما لم يخص به غيرها من الأمم، وفضل ملتنا على سائر الملل، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخاتم الأنبياء وأفضلهم- اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الأخيار الطيبين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فاتقوا الله معاشر المسلمين، واشكروه على ما أولاكموه من نعم، وأختصكم به من مزايا ومنن.
أيها المسلمون يغيب عن أذهان المسلمين أحيانًا ما اختصهم الله تعالى به من فضل، أو يتكاسلون في الاستفادة فيما هيأ لهم من فرص الطاعات والخيرات .. وسواء كان الداء الجهل أو الكسل فهما صوارف عن الخير، ودواؤها العلم والعمل.
وحديثي إليكم- عن يوم عظيم من أيام الله لم نوله ما يستحق من العناية والتكريم، ولم نستثمره في الطاعات والقربات، بل وربما لم نعلم خصائصه ومميزاته، ولم نلتزم أحكامه وآدابه كما ينبغي، إنه اليوم الأغر في جبين هذه الأمة .. سيد الأيام على الإطلاق هو يوم الجمعة، الذي ادخره الله لنا، وأضل عنه من قبلنا.
_________________
(١) ألقيت هذه الخطبة يوم الجمعة الموافق ٢٧/ ٤/ ١٤١٣ هـ.
[ ١ / ٢١٥ ]
قال الحافظ ابن كثير﵀ ثبت أن الأمم قبلنا أمروا به فضلوا عنه، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق آدم، واختار النصارى يوم الأحد الذي ابتدأ فيه الخلق، واختار الله لهذه الأمة يوم الجمعة الذي أكمل الله فيه الخليقة، كما أخرج البخاري ومسلم- في صحيحيهما- واللفظ للبخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسوله الله ﷺ: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا، ثم إن هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدًا، والنصارى بعد غد» (١).
هذه الحقيقة مسجلة في كتب أهل الكتاب، ويعترف بها مَنْ مَنَّ الله عليهم بالإسلام من أهل الكتاب، واستمعوا إلى هذا الحوار بين أبي هريرة ﵁ وكعب الأحبار وتأييد عبد الله بن سلام ﵁: فقد قرأ أبو هريرة ﵁ حديث رسول الله ﷺ: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط وتيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة إلا الجن والأنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله ﷿ حاجة إلا أعطاه إياها» قال كعب: ذلك في كل سنة يوم؟ فقلت: بل في كل جمعة، قال: فقرأ كعب التوراة فقال: صدق رسول الله ﷺ، قال أبو هريرة، ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب فقال عبد الله بن سلام: وقد علمت أية ساعة هي (٢).
وفي حديث آخر عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: قلت ورسول الله ﷺ
_________________
(١) محمد ابن حجر، الجمعة ومكانتها/ ٢٢، انظر ابن القيم في زاد المعاد ١/ ٣٦٥.
(٢) الحديث رواه أبو داود وغيره بسند صحيح (زاد المعاد ١/ ٣٩٢).
[ ١ / ٢١٦ ]
جالس: إنا لنجد في كتاب الله (يعني التوراة) في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلى يسأل الله ﷿ شيئًا إلا قضى الله له حاجته (١).
وهكذا معاشر المسلمين تتضافر الكتب والأخبار الصحاح على فضيلة هذا اليوم، وماذا كان وما سيكون فيه وإنه لمؤسف أن تستشعر الملائكة والدواب والشجر والحجر عظمة هذا اليوم وتخشى ما يقع فيه والإنس والجان عنه غافلون، ما بال هذه وتلك لا تستشعر عظمة هذا اليوم، ويوم الجمعة أعظم عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى .. كل ذلك وغيره يؤكده المصطفى ﷺ في حديث أبي لبابه بن عبد المنذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سيد الأيام يوم الجمعة وأعظمها عند الله، وأعظم عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى، وفيه خمس خصال، خلق الله فيه آدم وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى الله ﷿ آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئًا إلا آتاه الله إياه ما لم يسأل حرامًا، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب، ولا أرض ولا رياح ولا بحر، ولا جبال ولا شجر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة» (٢).
إخوة الإسلام كما أن لهذا اليوم مكانته ومنزلته في الحياة الدنيا فليوم الجمعة كذلك شأنه ومنزلة في الحياة الأخرى، وكلما أن للجمعة ما الحياة الدنيا أهلًا يقدرونها حق قدرها، فأهلها يوم القيامة بمنزلة سامية يطرق الناس منهم عجبًا، كما جاء في حديث أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها، ويبعث يوم الجمعة زهراء منيرة لأهلها، فيحفون بها كالعروس، تهدى إلى كريمها، تضيء لهم، يمشون في ضوئها ألوانهم كالثلج بياضًا، رياحهم تسطع كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم
_________________
(١) الحديث رواه ابن ماجه بسند حسن انظر المصدر السابق ١/ ٣٩١.
(٢) الحديث رواه أحمد في مسنده وابن ماجه وهو حسن ١/ ٣٨٨.
[ ١ / ٢١٧ ]
الثقلان ما يطرقون تعجبًا حتى يدخلوا الجنة، لا يخالطهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون» (١).
هذه معاشر المسلمين بعض ما ورد في فضل يوم الجمعة، هذا اليوم الذي لم يَعُدْ له وزنه الحقيقي عند كثير من المسلمين، بل ربما اعتبره بعضهم فرصة لكثرة النوم والتنوع في المآكل والمشارب لا أكثر .. وربما فهمه آخرون على أنه يوم متعة جسدية ولهو ولعب وطاب لهم أن يخرجوا فيه إلى البراري، ويتركوا الجمع والجماعات، ويا ليت هؤلاء يفقهون كلام أهل العلم في حكم السفر المباح في يوم الجمعة، إذ نصوا على أنه لا يجوز السفر بعد دخول وقتها، إلا إذا كان سيؤديها في مسجد في طريقه، وأما السفر في أول النهار وقبل دخول وقتها فمكروه، هذا حكم السفر الذي قد يكون الإنسان محتاجًا إليه، فكيف بمن يخرج من البلد في هذا الوقت لتضييع الوقت والتغيب عن الصلاة، إن التحريم والكراهية في حقه أشد (٢).
اللهم علم جاهلنا وفقه متعلمنا ..
_________________
(١) الحديث رواه الحاكم والبيهقي وسنده صحيح، انظر: صحيح الجامع الصغير ٢/ ١٤٢.
(٢) الشيخ صالح الفوزان/ الخطب ١/ ٦٤.
[ ١ / ٢١٨ ]