إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله وأصلحوا أعمالكم وراقبوه فيما تعملون أو تدعون، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (٢). ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ (٣).
عباد الله كثيرًا ما يسأل المرء منا نفسه ماذا وكم عمل؟ . وقليلًا ما نسائل أنفسنا وكيف كان عملنا ومدى قربه أو بعده من هدي نبينا؟ . وهذا من جهلنا وتقصيرنا بحقيقة العبادة التي يريدها الله منا، فإن المعول عليه في العبادات كلها إخلاصها وصحة أدائها، لا مجرد الإتيان بها وكثرتها، ولقد بين الله في كتابه الكريم أنه خلقنا ليبلونا أينا أحسن عملًا، قال تعالى في سورة هود ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملًا﴾ (٤).
_________________
(١) ألقيت هذه الخطبة يوم الجمعة الموافق ١٠/ ٦/ ١٤١٦.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.
(٣) سورة الحشر، الآية: ١٨.
(٤) سورة هود، الآية: ٧.
[ ١ / ٣٠٥ ]
وقال في سورة الملك ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا﴾ (١).
ذلك لمن كان يرجو لقاء ربه كما قال في سورة الكهف: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾ (٢). قال العارفين في معنى «أحسن عملًا أي أصوبه وأخلصه.
وحتى نبلوا أنفسنا ونصحح أخطاءنا تعالوا بنا لنقف على واقعنا في عبادة من أهم العبادات وأكثرها تكرارًا في اليوم والليلة هي أول ما سنحاسب عليه، وهي آخر ما نفقد من ديننا، إنها الصلاة، كتاب الله المفروض على المسلمين، والحد الفاصل بين الإسلام والكفر.
ولن يكون حديثي هذا اليوم عن فريضة الصلاة ووجوبها، وليس الحديث موجهًا لأولئك النفر القلة المضيعين للصلاة والمفرطين في الواجبات، لكنه حديث موجهٌ لنفر من المسلمين المحافظين على الصلاة بأوقاتها ومع جماعة المسلمين، أولئك الذين يرجون رحمة الله، ويرغبون في معرفة أخطائهم، ويتطلعون إلى الاقتداء بخير البرية محمد بن عبد الله ﷺ.
وحيث سبق الحديث عن الخشوع بمفهومه العام، وحاجتنا إليه، فحديث اليوم عن الخشوع في الصلاة، لب الصلاة وروحها، وهذا الخشوع الذي افتقده كثيرٌ من المصلين، ولم تقف المصيبة بفقده عند عوام الناس، بل وصلت الخواص- إلا من رحم الله- وسار داء فقد الخشوع حتى شمل النساء إلى جانب الرجال، والصغار إلى جانب الكبار، ولم تكن البلية بعدم الخشوع في الصلاة حدثًا طارئًا بل وجد فيمن قبلنا ولكن بنسب متفاوتة، وكلما شاع
_________________
(١) سورة الملك، الآية: ٢.
(٢) سورة الكهف، الآية: ١١٠.
[ ١ / ٣٠٦ ]
الجهل وقل التقى، واشتغل الناس بالدنيا عن الدين كلما اتسعت الهوة وقل الخشوع في العبادة، ولئن صحت نسبة القول إلى أحد السابقين» يوشك أن تدخل المسجد الجامع فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا» (١) فهي البلية الكبرى والمصيبة العظمى. وعلى كل حال فما من شك أن غياب الخشوع في الصلاة ظاهرة خطيرة ودار يستحق الوقفة، ويستوجب العلاج، وذلك لأمرين هامين:
الأمر الأول: أن الصلاة ميزان لقبول الأعمال أوردها، يقول ﵊: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله» (٢).
الثاني: أن المرء ليست له من صلاته إلا ما عقل منها، كما قال ابن عباس ﵄ وفي المسند مرفوعًا «إن العبد ليصلي الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها، أو ثلثها أو ربعها حتى بلغ عشرها» (٣).
فهل ترضى يا أخا الإسلام أن ترد أعمالك الأخرى بسبب عدم إصلاح صلاتك؟ وهل يكفيك أن تكتب لك من صلاتك ربعها أو ثمنها أو عشرها.
أيها المسلمون أيها المصلون وهنا ترد الأسئلة التالية:
ما معنى الخشوع في الصلاة؟ وما حكمه؟ وما مظاهر عدم الخشوع في صلاتنا، وكيف نستجلب الخشوع في الصلاة؟ .
أما معنى الخشوع في الصلاة: فهو .. كما قال ابن كثير .. ﵀: تفريغ
_________________
(١) أخرجه الترمذي ورواية النسائي أرجح ابن رجب ص/ ٢٥.
(٢) رواه الطبراني في الأوسط وغيره عن أنس وسنده صحيح، صحيح الجامع الصغير ٢/ ٣٥٢.
(٣) مدارج السالكين ١/ ١١٢ عن المنجد في رسالته ٣٣ سببًا للخشوع في الصلاة ص ٦٠/ ٦١.
[ ١ / ٣٠٧ ]
القلب لها، وعدم الاشتغال بما عداها، وإيثارها على غيرها، وحينئذ تكون قرة عين للمصلي، كما كانت للنبي ﷺ «وجعلت قرة عيني في الصلاة» (١).
والخشوع في الصلاة كما جاء في عبارات السلف، سكون وخوف، وغض للبصر وخفض للجناح، وعدم الالتفات هنا أو هناك (٢).
هو باختصار سكون الجوارح عن الحركة غير المأذون بها شرعًا، وتدبر القلب وخشوعه لما يقال أو يفعل في الصلاة إن سرًا أو جهرًا. قال بعض السلف، الصلاة كجارية تهدى إلى ملك الملوك، فما الظن بمن يهدي إليه جارية شلاء أو عوراء أو عمياء أو مقطوعة اليد والرجل أو مريضة أو دميمية أو قبيحة، حتى يهدى إليه جارية ميتة بلا روح فكيف بالصلاة يهديها العبد ويتقرب بها إلى ربه تعالى، والله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وليس من العمل الطيب صلاة لا روح فيها، كما أنه ليس من العتق الطيب عبد لا روح فيه (٣).
أيها المؤمنون أما حكم الخشوع في الصلاة فقد قال بوجوبه في الصلاة عدد من العلماء، قال القرطبي ﵀ «اختلف الناس في الخشوع هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها؟ على قولين، والصحيح الأول ومحله القلب» (٤)، وممن قال بوجوبه، قال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀: قال تعالى ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ (٥)
_________________
(١) أخرجه النسائي وأحمد بسند صحيح الهلالي، الخشوع وأثره في الأمة ص ٣١، وتكون له راحةً، كما قال عليه الصلاة والإسلام لبلال ﵁ «أرحنا بها يا بلال (أخرجه أبو داود، وأحمد بسند صحيح، المرجع السابق/ ٣٢، تفسير ابن كثير ٥/ ٤٥٦.
(٢) تفسير ابن كثير ٥/ ٤٥٦، ابن رجب/ ٣٥.
(٣) مدارج السالكين ١/ ٥٢٦ عن رسالة المنجد في الخشوع في الصلاة ٧، ٨.
(٤) الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ١٠٤.
(٥) سورة البقرة، الآية: ٤٥.
[ ١ / ٣٠٨ ]
قال الشيخ: وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين، والذم لا يكون إلا لترك واجبٍ أو فعل محرم، وإذا كان غير الخاشعين مذمومين دلّ ذلك على وجوب الخشوع/ كما استدل الشيخ على وجوب الخشوع لقوله تعالى ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ إلى قوله ﴿أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾. وبأدلة أخرى وكلام طويل استجمعه ﵀ (١). كما قال بالوجوب الحافظ العراقي في (طرح التثريب (٢) ردًّا على النووي رحمهما الله (٣).
إخوة الإسلام فإذا علم وجوب الخشوع في الصلاة أدركنا مدى تفريطنا وتهاوننا في أداء هذه الفريضة الواجبة وقلة خشوعنا في الصلاة، فإن قال قائل: وما هي مظاهر عدم خشوعنا في الصلاة؟ قلت: هذه كثيرة ومنها: -
١ - كثرة الحركات في الصلاة دونما فائدة كتحريك الأرجل والأيدي وتسوية الملبس ومس الشعر والنظر في الساعة وفرقعة الأصابع ونحو ذلك، وتأمل كيف قال النبي ﷺ لجابر ﵁ حين سأله عن مسِّ الحصى في الصلاة فقال: «واحدة، ولأن تمسك عنها خيرُ لك من مائة ناقة كلها سود الحدَق العيون» (٤).
٢ - الإلتفات في الصلاة وهو نوعان: حسي ومعنوي، فالحسي تقليب البصر يمينًا وشمالًا. وذلك هو الاختلاس الذي يختلسه الشيطان من صلاة العبد، كما أخبر النبي ﷺ في الحديث الصحيح (٥). والمعنوي هو التفات القلب عن الله لأي غرض من أغراض الدنيا، والانشغال عن الصلاة، وقد قال النبي ﷺ
_________________
(١) في الفتاوى» / ٥٥٣ - ٥٧٢.
(٢) ٢/ ٣٧٢.
(٣) انظر الخشوع وأثره في بناء الأمة، الهلالي/ ٣٥.
(٤) الحديث رواه ابن خزيمة في صحيحه وهو في صحيح الترغيب والترهيب (٥٥٨) المنجد/ ٥٣.
(٥) أخرجه البخاري ٢/ ٢٣٤، ٦/ ٢٣٨ من الفتح.
[ ١ / ٣٠٩ ]
لعمرو بن عتبة ﵁ في فضل الوضوء والصلاة الخاشعة «فإن هو قام وصلى فحمد الله وأثنى عليه وفرّغ قلبه لله انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه» (١) والخاشع والموفق من سلم من التفات البصر والفؤاد في الصلاة ولم يرفع بصره إلى السماء.
٣ - ومن مظاهر عدم الخشوع استثقال الصلاة وتباطئ الإمام في السلام، قال الله تعالى: ﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ والمعنى ثقيلة إلا على الخاشعين.
٤ - ومن مظاهره عدم نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر، قال تعالى ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ (٢). وقيل للنبي ﷺ: إن فلانًا يصلي الليل كله، فإذا أصبح سرق، فقال سينهاه ما تقول، أو قال ستمنعه صلاته» (٣).
٥ - ومن مظاهر عدم الخشوع كثرة السهو فيها، وقلة التدبر لما يقال أو يقرأ من القرآن فيها، ولو سألت بعضهم ماذا قرأ الإمام في المغرب والعشاء مثلًا أو ماذا قرأ هو قي صلاة اليوم لتردد في الإجابة، وليس ذلك إلا مظهرًا من مظاهر الغفلة وعدم الخشوع والتدبر في الصلاة فليحذر.
٦ - ومن أبرز مظاهر عدم الخشوع في الصلاة عدم الطمأنينة في الصلاة، وسرقة شيء من أركانها أو الواجبات، كعدم الاطمئنان في الركوع أو الرفع منه، أو السجود أو الجلسة بين السجدتين أو نحو ذلك، قال ﷺ «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، قيل: يا رسول الله كيف يسرق صلاته؟ قال لا يتم
_________________
(١) رواه مسلم ٨٣٢، انظر الخشوع في الصلاة لابن رجب/ ٣٨.
(٢) سورة العنكبوت، الآية: ٤٥.
(٣) رواه أحمد البزار وصححه الألباني ١/ ٦٦ من السلسلة الضعيفة حين ضعف الحديث. لم تنهه صلاته عن الفحشاء (الصلاة وأثرها/ العوايشة/ ٤٩).
[ ١ / ٣١٠ ]
ركوعها ولا سجودها» (١) وفي الحديث الآخر نهى رسول الله ﷺ عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب» (٢). وقد يصل الأمر ببعضهم إلى مسابقة الإمام، وهذا من تلاعب الشيطان في المصلي، وإلا هل سينهي الصلاة قبل الإمام، وقد حذر الرسول ﷺ من ذلك فقال «أما الذي يخشى يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار» (٣) اللهم وفقنا للهدى وعافنا من البلوى.
_________________
(١) رواه أحمد والحاكم وهو في صحيح الجامع ٩٧٧.
(٢) رواه أحمد وهو في صحيح الترغيب ٥٥٦، المنجد/ ٩٥.
(٣) رواه مسلم ١/ ٣٢٠.
[ ١ / ٣١١ ]