إن الله نحمده ونستعينه ونستغفره ..
أيها الإخوة المسلمون .. عن حصائد الألسن، وآفاتها الخطيرة، وغوائلها المهلكة حديث من الأهمية بمكان، وهي لكثرتها ربما لا يحس الناس بها أو يقدرون خطر بعضها دون البعض الآخر. أما العارفون فقد عدوا اللسان عشرين آفة، يتعامل الخلق بها كلها لكن ما بين مقل ومستكثر، وما بين محتاط مقتصد فيما يقول، وبين متعد مفرط يرى أنه ما دام بإمكان لسانه أن يتحرك فلا عليه أن يطلقه، حتى ولو كان ذلك الإطلاق على حساب دينه وكرمه ومروءته، وليت هؤلاء بل ليتنا جميعًا نفقه قول المصطفى ﷺ «من صمت نجا» (٢) إذ لا نجاة لمن لا يحسن استخدام اللسان بالمعروف إلا بالصمت، ولا شك أن الصمت يحتاج إلى مجاهدة نفس وطول مران، لكن الكف عن الشرور والآثام طريق موصل إلى الله وجنته، فهذا أعرابي- كما في حديث البراء ابن عازب ﵄- جاء إلى النبي ﷺ فقال: دلني على عمل يدخلني الجنة قال: «أطعم الجائع واسق الظمآن، وأمر بالمعروف وأنه عن النكر، فإن لم تطق فكف لسانك إلا من خير» (٣).
إخوة الإسلام .. فهذه الآفات العشرون للسان تختلف في حريتها، وتتفاوت في
_________________
(١) ألقيت هذه الخطبة يوم الجمعة الموافق ٢١/ ٥/ ١٤١٤ هـ.
(٢) رواه الطبراني بسند جيد (إحياء علوم الدين ٥ - ٨/ ١٥٣٧.
(٣) الحديث رواه ابن أبي الدنيا بإسناد جيد (المصدر السابق/ ١٥٤١).
[ ١ / ٧٣ ]
عقوباتها، لكن بعضها يجر إلى بعض، وإذا تجاوز اللسان آفة سهل عليه مقارفة الآفة الأخرى، وهكذا يكون للسان نصيب من هذه الآفات لها فيهلكه لسانه.
تعالوا بنا معاشر المسلمين نتذكر هذه الآفات مبتدئين بأخفها ومترقين إلى الأغلظ قليلًا، ونؤخر الكلام في الغيبة النميمة والكذب، فإن النظر فيها أطول، والعقاب فيها أشد.
وأوصي نفسي والسامعين- ونحن نستمع لهذه الآفات - أن نحاكم واقعنا إليها، وأن نحاسب أنفسنا على ضوئها، فتلك ثمرة المواعظ والخطب، وتلك صفات المؤمنين الذي يستمعون القول فيتبعون أحسنه، الذين قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير أولئك الذين هدى الله وأولئك هم أولو الألباب.
وأول هذه الآفات اللسان: الكلام فيما لا يعني المتكلم إذ هو ضياع للعمر والوقت فيما لا فائدة فيه، وهل هناك أغلى على الإنسان من وقته وعمره، وفوق بين من يزرع بكل كلمة يقولها شجرة له في الجنة وبين من يجني الأشواك على نفسه بسبب كثرة كلام لا فائدة فيه، وربما جره إلى مكروه أو حرم.
قال العلماء: وحد الكلام أن تتكلم بكلام لو سكت عنه لم تأثم، ولم تستضر به في حال ولا مال (١).
فإذا علمت هذا فاعلم أن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. وتأمل هذه النصيحة من حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄، فقد روى عنه مجاهد -﵀- قال: سمعت ابن عباس يقول: خمس لمن أحب إلى من الدهم الموقوفة -وهي العدد الكثير من الإبل أو الخيل-: لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنه
_________________
(١) المصدر السابق ٥ - ٨/ ١٥٤٦.
[ ١ / ٧٤ ]
فضل، ولا آمن عليك الوزر، ولا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعًا، فإنه رب متكلم في أمر يعنيه قد وضعه في غير موضعه فعنت، ولا تمار حليمًا ولا سفيهًا فإن الحليم يقلبك والسفيه يؤذيك، واذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحب أن يذكرك به واعفه مما تحب أن يعفيك منه، وعامل أخاك بما تحب أن يعاملك به، واعمل عمل رجل يعلم أنه مجازى بالإحسان مأخوذ بالإجرام (١).
الآفة الثانية من آفات اللسان فضول الكلام، ويتناول الخوض فيما لا يعني، والزيادة فيما يعني على قدر الحاجة، فمن أنهى مقصوده بكلمة، فالكلمة الثانية فضول .. فكيف بمن يتحدث الساعات الطوال بكلام فضول؟ والحق ﵎ يقول ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ (٢).
ولا شك أن فضول الكلام يجر إلى مزالق ومخاطر وكان عمر بن عبد العزيز﵀- يقول: إنه ليمنعني من كثير فضول الكلام، وفضول المال (٣).
أيها المؤمنون إذا كان هذا في شأن فضول الكلام وما لا يعني فلا تعجبوا إن رأيتم ثلة من الصالحين يندر حديثهم ويقل خلطتهم للناس إلا بخير وما بهم من علة لكنه الفقه في الدين، والاستحضار الدائم للعرض على رب العالمين، والبكاء على الخطايا ورجاء التكفير، ولهؤلاء وأمثالهم تزف البشرى فالنبي ﷺ يقول: «طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته» (٤).
_________________
(١) المصدر السابق/ ١٥٤٥.
(٢) سورة النساء، الآية: ١١٤ (موعظة المؤمنين ٢/ ٢٠٨).
(٣) الإحياء ٥ - ٨/ ١٥٤٩.
(٤) حديث حسن رواه الطبراني في الصغير، وأبو نعيم في الحلية (صحيح الجامع ٤/ ١٤).
[ ١ / ٧٥ ]
الآفة الثالثة: الخوض في الباطل وهو الكلام في المعاصي كحكاية أحوال النساء، ومجالس الخمر، ومقامات الفساق وتكبر الجبابرة ومراسمهم المذمومة. إلى غير ذلك من الخوض في الباطل، والخليق بالمسلم أن يرفع نفسه عن الدنايا، وما يكون سببًا لاقتراف المحرمات أما أهل النار فيعترفون أن خوضهم في الباطل من أسباب دخولهم النار ﴿ما سلككم في سقر؟ قالوا لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين﴾ (١).
الآفة الرابعة: المراء والجدل، وهو كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه، إما في اللفظ، وإما في المعنى، وإما في قصد المتكلم. وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض، فكل كلام سمعته فإن كان حقًا فصدق به، وإن كلام باطلًا أو كذبًا ولم يكن متعلقًا بأمور الدين فاسكت عنه (٢).
فإياك أخي المسلم والمراء والجدل فهما مظنة للضغائن والأحقاد، وقساوة القلوب وتنافرها، وحضور الشياطين وانفلات زمام الألسن، وربما تكلم الإنسان في تلك الحال بكلام ندم عليه، لكنه كان يرغب الانتصار به على من يماري ليس إلا.
إخوة الإسلام ليس الإحجام عن المراء، أو الصمت حين تتطاول ألسنة الآخرين نوعًا من الضعف والهزيمة كلا .. وإن بدا ذلك لضعاف العقول. بل هو نوع من التعقل والحكمة وضبط للنفس حين تتأزم وقلة هم الرجال الذي يملكون أنفسهم عند الغضب، وليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب - كلما أخبر الصادق المصدوق ﵊.
_________________
(١) سورة المدثر، الآيات: ٤٢ - ٤٥. (موعظة المؤمنين ٢/ ٢٠٨، ٢٠٩).
(٢) الإحياء ٩ - ١٢/ ١٥٥٤.
[ ١ / ٧٦ ]
ويكفي أن يتصور المسلم ما أعده الله لمن ترك المراء وإن كان محقًا من الأجر والمغنم، والرسول ﷺ يقول «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك الراء وإن كان محقًا، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وأن كان مازحًا، وبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» (١).
الآفة الخامسة: الخصومة بالباطل، وهي وراء الجدل والمراء لأنها مدعاة لأكل أموال الناس بالباطل، أو على الأقل فيها اعتداء على الأعراض وإثارة لمشاعرهم مما يستوجب الحقد والبغضاء بين المسلمين.
قال الله تعالى: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام﴾ (٢).
وهل علمت أخي المسلم «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» كما أخبر بذلك النبي ﷺ في الحديث الصحيح (٣).
والألد هو الأعوج، قال تعالى ﴿وتنذر به قومًا لُدًّا﴾ أي عوجًا (٤). فاحذروا المراء ودعوا الخصومات بالباطل، فإن ذلك أسلم لدينكم وأصلح لدنياكم.
الآفة السادسة: التقعر في الكلام، وهو التشدق وتكلف السجع والفصاحة والتصنع فيه، فإنه من التكلف الممقوت إذ ينبغي أن يقتصر في كل شيء على مقصوده، ومقصود الكلام التفهيم، وما زال عنه يقصد إظهار الفصاحة لا ينبغي إلا ما دخل في تحسين ألفاظ التذكير والخطابة لغرض التأثير واختيار الألفاظ الحسنة لدواعي القبول فذلك يختلف عن المنهي عنه.
_________________
(١) حديث صحيح رواه أبو داود وغيره: رياض الصالحين/ ٢٦٤، صحيح الجامع ٢/ ١٧.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٠٤.
(٣) رواه البخاري انظر تفسير ابن كثير ١/ ٣٦٠.
(٤) تفسير ابن كثير ١/ ١٦٠.
[ ١ / ٧٧ ]
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوًا مبينًا﴾ (١).
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ٥٣.
[ ١ / ٧٨ ]