الحمد لله رب العالمين أحمده تعالى وأشكره، وأسأله المزيد من فضله وأستغفره وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين وعلى آله وصحابته أجمعين ومن تبعهم إلى يوم الدين.
أيها الإخوة المؤمنون .. أيتها الأخوات المؤمنات .. في قصة يوسف ﵇ مزيد من الدروس والعبر لمن تأملها وتدبرها ففيها تسلية لكل مظلوم، وفيها تسرية لكل مغموم، إذ يتذكر مقام الصالحين، فيستيقن أن الابتلاء على قدر الإيمان واليقين «أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليك خطيئة» (١).
ويقول ﵊- في حديث صحيح آخر- «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، لقد كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يحويها- أي يقطع وسطها فيلبسها ويبتلى بالقمل حتى يقتله، ولأحدهم كان أشدّ فرحًا بالبلاء من أحدكم بالعطاء» (٢).
وسورة يوسف كما يقول أهل التفسير: نزلت أول ما نزلت تسرية للنبي ﷺ والمسلمين معه في وقت كانوا في أشد الحاجة إلى مثلها، فالسورة مكية،
_________________
(١) «رواه أحمد والبخاري وغيرهما، صحيح الجامع ١/ ٣٣٣.
(٢) «صحيح الجامع ١/ ٣٣٤.
[ ١ / ١٢ ]
ويقال: إنها نزلت بعد سورة هود في تلك الفترة الحرجة بين عام الحزن بموت أبي طالب وخديجة ﵂ سندي رسول الله ﷺ، وبين العقبة الأولى ثم الثانية التي جعل الله فيهما للإسلام والمسلمين فرجًا ومخرجًا بالهجرة إلى المدينة.
وكما أخرج يوسف ﵇ من حضن أبيه، وغرب عن ديار أهله ليواجه هذه الابتلاءات كلها، ثم لينتهي بعد ذلك إلى النصر والتمكين، كذلك أخرج النبي ﷺ، وضيق على المسلمين حتى هاجروا من مكة إلى المدينة مكرهين، وكان النصر والتمكين (١).
وهي باقية كذلك تسرية لكل مسلم تنزل به فتنة أو تمر به ظروف وحالات تشابه حالة الصديق ﵇.
وما أحوج الدعاة للوقوف مليًّا عند أحداث القصة يستلهمون منها العبر، ويتسلون بها حين الضجر، فتهديهم أن العاقبة للمتقين، وأن النصر في النهاية والتمكين لعباد الله الصالحين، ولكن لابد من الصبر والرضاء واليقين واحتساب الأجر عند رب العالمين.
وما أحوج الساسة والأمراء والمسؤولين لسياق القصة تبصرهم بقصر الحياة من جانب، وفداحة الظلم من جانب آخر، وتهديهم إلى أحسن أساليب الحكم والعدل في الرعية من جانب ثالث.
وقصة يوسف ﵇ موقظة للرقابة من الله حين يكون إغراء الشهوة، وحين تتوافر للمرء أسباب الفاحشة والفتنة.
وهي تذكر بالاستغفار والتوبة حين تضعف النفس وتقع في الخطيئة، وتعترف
_________________
(١) «سيد قطب: الظلال ٤/ ١٩٤٩، ١٩٥٠ بتصرف.
[ ١ / ١٣ ]
بالضعف وتلتمس المخرج ﴿قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، قال لا تثريب عليكم اليوم يغفو الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾ (١).
﴿قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين * قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم﴾ (٢).
وفي القصة عزاء للسجناء الأتقياء، وسلوة للمتهمين الأبرياء.
وفيها يجتمع نموذج السراء والشكر ونموذج الضراء والصبر، وهما نموذجان ملازمان للمؤمن (عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكره فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) (٣).
وفي القصة يبرز الصبر سلاحًا يتكئ عليه المسلم في الشدائد والأزمات، وهو صبر لا تسخط فيه ولا جزع ﴿فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾ (٤).
﴿فصبر جميل عسى الله أن يأتني بهم جميعًا إنه هو العليم الحكيم﴾ (٥).
وكذلك يلتقي صبر يعقوب ﵇ بعد رحلة شاقة من الهم والضيق وجدب الأرض ولوعة الفراق، وصبر يوسف ﵇ بعد رحلة شاقة بين ظلمات الجبّ، وظلمات السجن وشدة الغربة، وألم التهمة .. يلتقي الصبران الجميلان بإذن الله ليجمع الشمل ويرأب الصدع، ويعود الصفا، وتنتهي في بيت يوسف وملكه
_________________
(١) «سورة يوسف، الآيتان: ٩١، ٩٢.
(٢) «سورة يوسف، الآية: ٩٧، ٩٨.
(٣) «رواه أحمد ومسلم عن صهيب، صحيح الجامع ٤/ ٢٦.
(٤) سورة يوسف، الآية: ١٨.
(٥) سورة يوسف، الآية: ٨٣.
[ ١ / ١٤ ]
حالة الفرقة والشحناء، ويخر الأبوان سجدًا لله شاكرين، ويطلب الأبناء المخطئون العفو والمغفرة، ويتذكر الصديق مع أبيه رؤياه في صغره. ورؤيا الأنبياء ﵈ حق- ويقول ﴿هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم﴾ (١) ويذكر يوسف ﵇ إخوته بعاقبة الصبر وجزاء الصابرين فيقول: ﴿إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ (٢).
اللهم ارزقنا الصبر والاحتساب، وادفع عنا وعن إخواننا المسلمين البلاء والمحن، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب هذا وصلوا ..
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ١٠٠.
(٢) سورة يوسف، الآية: ٩٠.
[ ١ / ١٥ ]