• (فأستأذن على ربي في داره)
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا يُوهِمُ الْمَكَانَ، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: فِي دَارِهِ الَّذِي اتَّخَذَهَا لِأَوْلِيَائِهِ وَهِيَ الْجَنَّةُ، وَهِيَ دَارُ السَّلَامِ، وَأُضِيفَتْ إِلَيْهِ إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ، مِثْلَ: بَيْتِ اللهِ وَحَرَمِ الله.
• (وأنا الدهر):
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَا صَاحِبُ الدَّهْرِ، وَمُدَبِّرُ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْسُبُونَهَا إِلَى الدَّهْرِ، فَمَنْ سَبَّ الدَّهْرَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ فَاعِلُ هَذِهِ الْأُمُور، عَادَ سَبُّهُ إِلَى رَبِّهِ الَّذِي هُوَ فَاعِلُهَا، وَإِنَّمَا الدَّهْرُ زَمَانٌ جُعِلَ ظَرْفًا لِمَوَاقِعِ الْأُمُورِ.
• (لَمَّا خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى العَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي) [البخاري]
قَالَ ابن بَطَّالٍ: [عِنْدَ]: فِي اللُّغَةِ لِلْمَكَانِ، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحُلُولِ فِي الْمَوَاضِعِ، لِأَنَّ الْحُلُولَ عَرَضٌ يَفْنَى وَهُوَ حَادِثٌ، وَالْحَادِثُ لَا يَلِيقُ بِاللهِ، فَعَلَى هَذَا قِيلَ مَعْنَاهُ: إِنَّهُ سَبَقَ عِلْمُهُ بِإِثَابَةِ مَنْ يَعْمَلُ بِطَاعَتِهِ، وَعُقُوبَةِ مَنْ يَعْمَلُ بِمَعْصِيَتِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي) وَلَا مَكَانَ هُنَاكَ قَطْعًا.
• (إن الله ليس بأعور وأشار بيده إلى عينيه)
وقال ابن حجر: وقدْ سُئِلْتُ: هَلْ يَجُوزُ لِقَارِئِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟
[ ١٠ ]
فَأَجَبْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّهُ إِنْ حَضَرَ عِنْدَهُ مَنْ يُوَافِقُهُ عَلَى مُعْتَقَدِهِ، وَكَانَ يَعْتَقِدُ تَنْزِيهَ اللهِ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْحُدُوثِ، وَأَرَادَ التَّأَسِّي مَحْضًا جَازَ، وَالْأَوْلَى بِهِ التَّرْكُ خَشْيَةَ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى مَنْ يَرَاهُ شُبْهَةَ التَّشْبِيهِ تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ.
• (اشف وأنت الشافي)
يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ تَسْمِيَةِ اللهِ تَعَالَى بِمَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ فِي ذَلِكَ مَا يُوهِمُ نَقْصًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْقُرْآنِ، فَإِنَّ فِي الْقُرْآنِ: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يشفين).
• (حبسها حابس الفيل)
يَجُوزُ إِطْلَاقُ ذَلِكَ فِي حَقِّ اللهِ، فَيُقَالُ: حَبَسَهَا اللهُ حَابِسُ الْفِيلِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُمْنَعَ تَسْمِيَتُهُ ﷾: حَابِسَ الْفِيل وَنَحْوه، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّ الْأَسْمَاءَ تَوْقِيفِيَّةٌ. وَقَدْ تَوَسَّطَ الْغَزَالِيُّ وَطَائِفَةٌ فَقَالُوا: مَحَلُّ الْمَنْعِ مَا لَمْ يَرِدٍ نَصٌّ بِمَا يشتق مِنْهُ، بِشَرْط أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ مُشْعِرًا بِنَقْصٍ، فَيَجُوزُ تَسْمِيَتُهُ: (الْوَاقِي) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَنْ تق السَّيِّئَات يَوْمئِذٍ فقد رَحمته) وَلَا يَجُوزُ تَسْمِيَتُهُ: (الْبَنَّاء) وَإِنْ وَرَدَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالسَّمَاء بنيناها بأيد).
• (الرفيق الأعلى):
أ - قيل: هُوَ اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى، وَخطأ ذَلِك الْأَزْهَرِي.
ب - قَالَ الأزهري: بل هم جمَاعَة الْأَنْبِيَاء وَغَيرهم، وَهُوَ المُرَاد بقوله ﷾: (وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا).
ج - وَقَالَ غَيره: الرفيق الْأَعْلَى: الْجنَّة.
• [رؤية الحق ﷾ بالأبصار]:
رُؤْيَةُ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا بِالْأَبْصَارِ في الدنيا غَيْرُ وَاقِعَةٍ، وَأَمَّا رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ﷺ فَذَاكَ لِدَلِيلٍ آخَرَ، وَجَازَ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّ أَبْصَارَ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا بَاقِيَةٌ، فَلَا اسْتِحَالَةَ أَنْ يُرَى الْبَاقِي بِالْبَاقِي، بِخِلَافِ حَالَةِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ أَبْصَارَهُمْ فِيهَا فَانِيَةٌ، فَلَا يُرَى الْبَاقِي بِالْفَانِي.
قال الامام مالك: إِنَّمَا لَمْ يُرَ سُبْحَانَهُ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ بَاقٍ وَالْبَاقِي لَا يُرَى بِالْفَانِي فَإِذَا كَانَ فِي الْآخِرَةِ وَرُزِقُوا أَبْصَارًا بَاقِيَةً رَأَوُا الْبَاقِيَ بِالْبَاقِي.
[ ١١ ]
• مَحَبَّةُ اللَّهِ عَلَى قِسْمَيْنِ فَرْضٌ وَنَدْبٌ:
أ - فَالْفَرْضُ الْمَحَبَّةُ: الَّتِي تَبْعَثُ عَلَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَالِانْتِهَاءِ عَنْ مَعَاصِيهِ، وَالرِّضَا بِمَا يُقَدِّرُهُ، فَمَنْ وَقَعَ فِي مَعْصِيَةٍ مِنْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ فَلِتَقْصِيرِهِ فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ، حَيْثُ قَدَّمَ هَوَى نَفْسِهِ.
ب - وَالنَّدْبُ أَنْ يُوَاظِبَ عَلَى النَّوَافِلِ، وَيَتَجَنَّبَ الْوُقُوعَ فِي الشُّبُهَاتِ.
• (دخل الجنة وأبيه إن صدق)
فإِنْ قِيلَ: مَا الْجَامِعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ؟ أُجِيبَ:
أ - بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ.
ب - أَوْ بِأَنَّهَا كَلِمَةٌ جَارِيَةٌ عَلَى اللِّسَانِ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْحَلِفُ، كَمَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِمْ (عَقْرَى حَلْقَى) وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
ج - أَوْ فِيهِ إِضْمَارُ اسْمِ الرَّبِّ كَأَنَّهُ قَالَ: وَرَبِّ أَبِيهِ.
د - وَقِيلَ: هُوَ خَاصٌّ وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ.
• (أعوذ بكلمات الله التامات):
دل هذا عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، إِذْ لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَمْ يَسْتَعِذْ بِهَا، إِذْ لَا يُسْتَعَاذُ بمخلوق، قَالَ الله تَعَالَى: (فاستعذ بِالله).
• [الآيات والأحاديث الموهمة للتشبيه]:
لِأَهْلِ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ (كَالْعَيْنِ وَالْوَجْهِ وَالْيَدِ) ثَلَاثَةٌ أَقْوَالٍ:
(أَحَدُهَا): أَنَّهَا صِفَاتُ ذَاتٍ أَثْبَتَهَا السَّمْعُ، وَلَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا الْعَقْلُ.
(وَالثَّانِي): أَنَّ الْعَيْنَ كِنَايَةٌ عَنْ صِفَةِ الْبَصَرِ، وَالْيَدَ كِنَايَةٌ عَنْ صِفَةِ الْقُدْرَةِ، وَالْوَجْهَ كِنَايَةٌ عَنْ صِفَةِ الْوُجُودِ.
(وَالثَّالِثُ): إِمْرَارُهَا عَلَى مَا جَاءَتْ مُفَوَّضًا مَعْنَاهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ السَّهْرَوَرْدِيُّ: أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَثَبَتَ عَنْ رَسُولِهِ الِاسْتِوَاءُ وَالنُّزُولُ وَالنَّفْسُ وَالْيَدُ وَالْعَيْنُ، فَلَا يُتَصَرَّفُ فِيهَا بِتَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، إِذْ لَوْلَا إِخْبَارُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا تَجَاسَرَ عَقْلٌ أَنْ يَحُومَ حَوْلَ ذَلِكَ الْحِمَى.
قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ، وَبِهِ يَقُولُ السَّلَفُ الصَّالِحُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ التَّصْرِيحُ بِوُجُوبِ تَأْوِيلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا الْمَنْعُ مِنْ ذِكْرِهِ، وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِتَبْلِيغِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ
[ ١٢ ]
ثُمَّ يَتْرُكَ هَذَا الْبَابَ فَلَا يُمَيِّزَ مَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ مِمَّا لَا يَجُوزُ، مَعَ حَضِّهِ عَلَى التَّبْلِيغِ عَنْهُ، حَتَّى نَقَلُوا أَقْوَالَهُ وَأَفْعَالَهُ وَأَحْوَالَهُ وَصِفَاتِهُ وَمَا فُعِلَ بِحَضْرَتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى الْإِيمَانِ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْهَا، وَوَجَبَ تَنْزِيهُهُ عَنْ مُشَابهَةِ الْمَخْلُوقَاتِ بقوله تَعَالَى: (لَيْسَ كمثله شَيْء)، فَمَنْ أَوْجَبَ خِلَافَ ذَلِكَ بَعْدَهُمْ فَقَدْ خَالَفَ سَبِيلَهُمْ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
• (ضحك الله الليلة عجب ربك):
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِطْلَاقُ الْعَجَبِ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ، وَمَعْنَاهُ الرِّضَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ الصَّنِيعَ حَلَّ مِنَ الرِّضَا عِنْدَ اللَّهِ حُلُولُ الْعَجَبِ عِنْدَكُمْ.
قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْعَجَبِ هُنَا أَنَّ اللَّهَ يُعْجِبُ مَلَائِكَتَهُ مِنْ صَنِيعِهِمَا لِنُدُورِ مَا وَقَعَ مِنْهُمَا فِي الْعَادَةِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَتَأْوِيلُ الضَّحِكِ بِالرِّضَا أَقْرَبُ مِنْ تَأْوِيلِهِ بِالرَّحْمَةِ.
وَقَدْ تَأَوَّلَ الْبُخَارِيُّ الضَّحِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَى مَعْنَى الرَّحْمَةِ، وَهُوَ قَرِيبٌ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى مَعْنَى الرِّضَا أَقْرَبُ، فَإِنَّ الضَّحِكَ يَدُلُّ على الرِّضَا وَالْقَبُول، قَالَ: والكرام يوصفون عِنْد مَا يَسْأَلُهُمُ السَّائِلُ بِالْبِشْرِ وَحُسْنِ اللِّقَاءِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: (يَضْحَكُ الله) أَيْ: يُجْزِلُ الْعَطَاءَ.
• (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ): قَالَ ابْنُ جُبَيرٍ: كُرْسِيُّهُ: عِلْمُهُ.
• (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ): إِلَّا مُلْكَهُ، وقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: (إِلَّا وَجْهَهُ): أَيْ جَلَالَهُ، وَقِيلَ: إِلَّا إِيَّاهُ.
• (يَوْمُ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ):
عَنْ قَتَادَةَ: عَنْ شِدَّةِ أَمْرٍ.
وَعِنْدَ الْحَاكِمِ عَنْ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ يَوْمُ كَرْبٍ وَشِدَّةٍ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فَيَكُونُ الْمَعْنَى: يَكْشِفُ عَنْ قُدْرَتِهِ الَّتِي تَنْكَشِفُ عَنِ الشِّدَّةِ وَالْكَرْبِ، وَذُكِرَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ.
• (يَنْزِلُ رَبُّنَا): النُّزُولُ مُحَالٌ عَلَى الله، لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ الْحَرَكَةُ مِنْ جِهَةِ الْعُلُوِّ إِلَى السُّفْلِ، وَقَدْ دَلَّتِ الْبَرَاهِينُ الْقَاطِعَةُ عَلَى تَنْزِيهِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَلْيُتَأَوَّلْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ: نُزُولُ مَلَكِ الرَّحْمَةِ وَنَحْوُهُ، أَوْ يُفَوَّضُ مَعَ اعْتِقَادِ التَّنْزِيهِ.
• (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا): أَيْ: بِعِلْمِنَا.
• (وِلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي): أَيْ: بِحِفْظِي.
[ ١٣ ]
• (إن الله يغار): قَالَ ابن الْعَرَبِيِّ: التَّغَيُّرُ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ بِالدَّلَالَةِ الْقَطْعِيَّةِ، فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ بِلَازِمِهِ كَالْوَعِيدِ، أَوْ إِيقَاعِ الْعُقُوبَةِ بِالْفَاعِلِ وَنَحْوِ ذَلِك، ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ أَشْرَفِ وُجُوهِ غَيْرَتِهِ تَعَالَى: اخْتِصَاصُهُ قَوْمًا بِعِصْمَتِهِ، يَعْنِي: فَمَنِ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ عَاقَبَهُ.
• (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا):
اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ أَثْبَتَ الْجِهَةَ وَقَالَ: هِيَ جِهَة الْعُلُوّ، وَأنكر ذَلِك الْجُمْهُور، لِأَنَّ الْقَوْلَ بِذَلِكَ يُفْضِي إِلَى التَّحَيُّزِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى النُّزُولِ عَلَى أَقْوَالٍ:
١ - فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ وَهُمُ الْمُشَبِّهَةُ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ.
٢ - وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ صِحَّةَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ جُمْلَةً، وَهُمُ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَهُوَ مُكَابَرَةٌ.
٣ - وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَاهُ عَلَى مَا وَرَدَ مُؤْمِنًا بِهِ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ، مُنَزِّهًا اللَّهَ تَعَالَى عَنِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ، وَهُمْ جُمْهُورُ السَّلَفِ، وَنَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالسُّفْيَانَيْنِ وَالْحَمَّادَيْنِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَغَيْرِهِمْ.
٤ - وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَهُ عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ مُسْتَعْمَلٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.
٥ - وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْرَطَ فِي التَّأْوِيلِ حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى نَوْعٍ مِنَ التَّحْرِيفِ.
٦ - وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ مَا يَكُونُ تَأْوِيلُهُ قَرِيبًا مُسْتَعْمَلًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَبَيْنَ مَا يَكُونُ بَعِيدًا مَهْجُورًا، فَأَوَّلَ فِي بَعْضٍ، وَفَوَّضَ فِي بَعْضٍ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مَالك، وَجزم بِهِ من الْمُتَأَخِّرين ابن دَقِيقِ الْعِيدِ.
٧ - قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَسْلَمُهَا الْإِيمَانُ بِلَا كَيْفٍ، وَالسُّكُوتُ عَنِ الْمُرَادِ، إِلَّا أَنْ يَرِدَ ذَلِك عَنْ الصَّادِق فيصار إِلَيْهِ. وَمن الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ التَّأْوِيلَ الْمُعَيَّنَ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَحِينَئِذٍ التَّفْوِيضُ أَسْلَمُ.
وَقَالَ ابن الْعَرَبِيِّ: حُكِيَ عَنِ الْمُبْتَدِعَةِ رَدُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَعَنِ السَّلَفِ إِمْرَارُهَا، وَعَنْ قَوْمٍ تَأْوِيلُهَا، وَبِهِ أَقُول.
فَأَمَّا قَوْلُهُ يَنْزِلُ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَفْعَالِهِ لَا إِلَى ذَاتِهِ بَلْ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ مُلْكِهِ الَّذِي يَنْزِلُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَالنُّزُولُ كَمَا يَكُونُ فِي الْأَجْسَامِ يَكُونُ فِي الْمَعَانِي فَإِنْ حَملته فِي الحَدِيث على الْحسي قَتلك صِفَةُ الْمَلَكِ الْمَبْعُوثِ بِذَلِكَ وَإِنْ حَمَلْتَهُ عَلَى الْمَعْنَوِيِّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ثُمَّ فَعَلَ فَيُسَمَّى ذَلِكَ نُزُولًا عَنْ مَرْتَبَةٍ إِلَى مَرْتَبَةٍ فَهِيَ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ.
[ ١٤ ]